قراءة تحليلية في أغنية شنطة سفر

  د. مهند العزة

لا تسعفنا دائماً قواعد علم التحليل الموسيقي في قراءة مكنون وخلفيات المقطوعات الموسيقية والأغاني بمعزل عن بيئتها الثقافية والاجتماعية والسياسية، بل أكثر من ذلك أعتقد أن علم التحليل الموسيقي في أصله إنما وُجِد لتحليل الموسيقى الأوروبية، فإنزاله على الموسيقى العربية أو الهندية على سبيل المثال قد لا يجدي نفعاً في معظم الحالات لسبر أغوار مقصود المؤلف وتحديد العلاقة التكاملية بين اللحن والكلمات إذا كنا في معرض الأغاني.

ولما كانت الموسيقى العربية تعتمد في الجانب الأكبر منها على مستقبلات وتأويلات عاطفية شخصية المبعث أكثر منها موضوعية الأساس والمنتهى وذلك بسبب طبيعة الثقافة والبيئة العربية التي أنتجت شعراً وغناءً ملؤه الشجن والحزن والمديح والهجاء والرثاء والغزل.. وجميعها مواضيع  قوامها العاطفة والانفعالات بمختلف أشكالها، فإن ما سوف نتناوله في هذه المقالة من تحليل لأغنية شنطة سفر للفنانة أنغام الغنية في كلماتها ولحنها وأدائها، سوف يرتكز على قراءة شخصية محضة تبحث في مدلولات الجمل الموسيقية والإيقاع في سياق الكلمات وعظمة الأداء الموسيقي والغنائي.

صدرت أغنية "شنطة سفر" عام 1993 ضمن ألبوم (إلا أنا)، أي في فترة شهدت تحولاً في الساحة الغنائية من موجة ما أطلق عليه (الأغاني الشبابية) التي كان رائدها حميد الشاعري وعمرو دياب وعلي حميدة وغيرهم إلى لون غنائي يتسم بشيء من العمق في العاطفة والفلسفة والسياسة مع استخدام توزيع موسيقي حداثي وتوظيف كبير للآلات الموسيقية المختلفة. وقد تجلى هذا اللون الغنائي في ألبومات مدحت صالح خصوصاً (كوكب ثاني) وألبومات علي الحجار (لم الشمل) وألبومات إيمان البحر درويش ومحمد منير وغيرها.

الفنانة أنغام تنتمي بدورها لتلك الحقبة لكنها امتازت عن أبناء جيلها وبناته بقدرة عالية على تجسيد عاطفة الفتاة الحبيبة وما يختلج في نفسها من صراعات وأفكار ومشاعر وتصورات لعلاقتها بحبيبها. وقد كان ألبوم الركن البعيد الهادي باكورة هذه التجليات والتفرد للفنانة أنغام.

أغنية شنطة سفر تعتبر وبحق من الدرر الموسيقية التي لم توفَ حقّها، إذ اجتمع لهذه الأغنية حزمة من عناصر النجاح جعلتها من كنوز الموسيقى والغناء العربي التي ستظل خالدةً، حتى وإن لم يلتفت إليها أهل الاختصاص منذ بواكير صدورها.  فالأغنية من ألحان الموسيقار محمد علي سليمان الذي جمع بين خبرتي العزف على آلة الكمان حيث كان في الفرقة الماسية لسنوات عدة، مما أتاح له فرصة الانغماس في الأعمال الموسيقية العظيمة مع كبار المطربين والملحنين والمؤلفين، ثم هو صاحب خبرة في التلحين تبلورت مع ابنته الفنانة أنغام وغيرها، لذلك فقد كان من السهل على محمد علي سليمان أن يلحن أغنية "شنطة سفر" بحرفية تجمع بين توظيف الآلات الموسيقية خصوصاً الوترية منها والتنويع على المقام الموسيقي الواحد بجمل وطبقات تتصاعد وتتهادى وتتسارع وتتباطأ بحسب الكلمات، وبين استثمار أقصى الممكن من صوت ابنته الفنانة أنغام بعذوبته ورومنسيته وحدته الناعمة.

العنصر الثاني الذي كان سبباً في نجاح هذه الأغنية هو كلماتها، والواقع أن مؤلفة الكلمات الشاعرة "فاطمة جعفر" ليست من الشاعرات اللاتي نلن شهرةً كبيرةً مقارنةً بغيرهن، إلا أن المحرك الذي جعلها تكتب كلمات شنطة سفر هو الآخر يعتبر عنصر نجاح، حيث كتبت فاطمة جعفر هذه الكلمات - كما صرحت الفنانة أنغام في أكثر من لقاء تلفزيوني وصحفي - حينما قرر شقيقها السفر وترك المنزل والبلد في فترة لم تكن وسائل الاتصال قد قاربت المسافات بين أقطار العالم بعد، وكانت فاطمة شديدة التعلق بشقيقها فكتبت هذه الكلمات لتخرج لنا حواراً أخيراً كأنه دار بينها وبين شقيقها بالقرب من باب المنزل وحقيبة سفره على الأرض تتوسطهما وهو يهم بالرحيل.

أما الفنانة أنغام صاحبة الاختيارات المبدئية لأغنياتها لحناً وكلمات، فهي بطبيعة الحال وكما سبق البيان، من أفضل من يجسد الغناء التعبيري العاطفي الناطق بمشاعر الأنثى ومواقفها اتجاه الحبيب.

الأغنية من مقام (كرد) على درجة (لا  أو عشيران)، والمقام والدرجة كلاهما في الموسيقى العربية لهما قصص تروى.

فمقام (كرد) يعتبر من السهل الممتنع في مجال التلحين والتأليف الموسيقي، فهو  يتكون من جذر كرد وجنس نهاوند وغالباً ما يكون على درجة (ري - دوكاه) ومن أمثلة ما لُحِن على هذا المقام وغنته أم كلثوم: أنت عمري، وأمل حياتي، وعودت عيني، ويا ظالمني؛ وتوبة والحلوة لعبد الحليم حافظ؛ والربيع لفريد الأطرش، وغيرها. أما درجة (لا – حسيني) فهي – وهذا رأي ومذاق شخصي- تعطي المقام شجناً أكثر من أي درجة أخرى، فمقدمة مسلسل المال والبنون على سبيل المثال للمبدع ياسر عبد الرحمن، هي من مقام بياتي على درجة (لا – حسيني)، وما جعل هذا اللحن بهذا المقام وعلى هذه الدرجة يبدو وكأنه مقام الصبا الحزين.  خلاصة القول، إن أغنية شنطة سفر بمقام (كرد) ودرجة (لا – حسيني) اجتمع لها الشجن والحزن والشعور بالغربة في آن واحد.

اختار محمد علي سليمان بدايةً غير مألوفة لكنها في صميم الموسيقى التعبيرية، فدخول الوتريات الغليظة (مجموعة التشيلو والكونترباص) بجملة لحنية قصيرة متكررة بتتالي منحصرة في ثلاث نغمات (لا وصول دييز وصول الطبيعية)، مع ملاحظة أن هذه الجملة في بداية الأغنية ترتكز في بدايتها ونهايتها على نغمة (لا)، في تعبير عن الشخص الذي يهم بالسفر والرحيل وعناده وإصراره على السفر، فكأنه يراوح مكانه مهما قيل له، فيعود من حيث بدأ.  ثم تدخل آلات الكمان بجملة حوارية موسيقية تجمع بين الشجن وصيحة المعاتب المفارق المتألم، تبدأ من (غماز المقام) أي خامسته (درجة مي)، وعلى أوكتاف عالي لتجسد الحبيبة التي تعتمل فيها مشاعر الحزن والغضب والعتاب وعدم التصديق. يلاحظ أن ثمة تغييرا يطرأ على جملة الوتريات الغليظة في الرد الثاني على آلات الكمان، فبدلاً من أن تبدأ وتنتهي على نغمة (لا) نجدها تحولت إلى شيء آخر وتباعدت قليلاً في مسافتها لترتكز على نغمة فا ونسمع تتابع النغمات التالية (لا، لا، لا، لا، صول دييز، لا، "صول دييز ثم صول طبيعية"، فا)،  وكأن الملحن يعبر بهذه التحويلة البسيطة عن انفعال وتفاعل الشخص العازم على الرحيل مع عتاب ورجاء حبيبته الذي تمثله الكمانات.

منذ بداية الأغنية يسمع في الخلفية صوت دقة رنين خافتة منتظمة بشكل تام ربما صادرة من آلة الأورغ تجسد – من وجهة نظري- دقات الساعة ونفاد الوقت وأزوف ساعة الرحيل.

هذا الحوار الرائع بين الوتريات يبدأ ويستمر دون إيقاع، مما يعكس جواً ضبابياً رخواً تختلط فيه المشاعر وتتداخل، وهذه ألمعية من محمد علي سليمان، فوجود الإيقاع كان سيفسد هذا السياق الذي تعتمل فيه المشاعر وتتفاعل وتتلاطم بين حزن وخشية من الغربة والوحدة والاشتياق وحالة الإنكار والأمل في العودة عن القرار.

 تصمت الكمانات لتدخل أنغام بصوتها الدافئ الحاني والمفعم بالرومانسية على مقام بيات (لا) الشجن، لتحل محلها وتسأل بعتاب ملؤه الرجاء: (لسه ناوي علرحيل؟ تفتكر ما لوش بديل؟)، ثم تتساءل أمامه لعلها مستعطفةً إياه (أعمل إيه في الوحدة وأنت مش هِنا، أعمل أيه ومنين أجيب صبر لسنة)، والرد بطبيعة الحال يأتي من الوتريات الغليظة بالجملة المتتالية المتكررة نفسها لتؤكد ما قلناه عن الإصرار على قرار الرحيل وعدم التزحزح عنه.

 يعود الحوار بين الوتريات مرةً أخرى، وتتكرر نفس الجملة كما هي ثم تعاد الجملة بطبقة صوتية اعلى لتبدأ هذه المرة من درجة (فا) بدلا من (مي)، ليصبح المقام (كرد على درجة سي – كوشت)، بينما ترافقها اللحن المؤدى من الكمانات الذي سرعان ما يتحول الى البيات على درجة (سي)، وهذا تجلي من الملحن الذي تمكن بهذه التحويلة البسيطة من تصوير تزايد ألم الحبيبة وحدّة عتابها، لتظل الوتريات الغليظة على جملتها في إصرار وعناد كبيرين.

 يبدأ الكوبليه الثاني ويدخل الإيقاع هذه المرة، وهذه تجلية أخرى للملحن، إذ أن الحبيبة المعاتبة تهدأ قليلاً وتتحول من العتاب إلى الحوار العقلاني حتى وإن كان عاطفيا، مما يجعل جو الحوار أكثر انضباطاً وانتظاما، مما يفسر دخول الإيقاع. ويمكن استخلاص هذه النتيجة من خلال كلمات الكوبليه الثاني التي تقول: (من سؤال مهزوم بيترجى الجواب، مش بتقصد عيني يا حبيبي العتاب، سيبك إنت من دموع العين وقوللي، خدت إيه، شنطة سفر، أو إيه ضايلي، خدت من صبري وطريقي منتهاه، مش معاك نبضي اللي تاه، خدت صورتي، شوف كده لتكون نسيت عمري وصباي..)، واضح من هذه الكلمات أن أجواء الحوار المشحونة بالعواطف والتفاعلات والانفعالات قد هدأت قليلاً وانضبطت وأخذت منحى استذكار وتذكير بالحب والتعلق وتساؤل عمّا سيؤول إليه حال الحبيبة بعد رحيل حبيبها، وهذا نوع من التودد والاستعطاف بالشحن العاطفي بعيداً عن اللوم والتوبيخ أو حتى العتاب، لذلك كان من المنطقي دخول الإيقاع هنا لأول مرة منذ بداية الأغنية ليعكس هذه الحالة.

 أما الكوبليه الثالث، فيأتي بعد تسارع العزف تعبيراً عن أزوف الرحيل، وقد جاء على مقام (صبا زمزم)، وهو مثل مقام الصبا الحزين المعروف لكن ليس فيه ثلاثة أرباع الدرجة - المتحرك، فثانيته نصف درجة، وفي أغنيتنا محل التحليل جاء على درجة (لا – عشيران) وهذا طبيعي لتتسنى العودة إلى المقام الأـصلي للأغنية لاحقاً وهو (كرد لا)، لكن لماذا (صبا زمزم) وليس مقام الصبا الشرقي المحض بحزنه وثلاثة أرباع الدرجة؟ الحقيقة أن سياق الكلمات وأجواء الحوار لا تحتمل مقام الصبا الحزين الذي – من وجهة نظري- يصلح لتجسيد المونولوج (أي حديث النفس) وليس الديالوج (الحوار بين شخصين)، وثمة نقطة أخرى قد تبدو متطرفةً في الاستنتاج، إذ أظن أن سفر الشخص وهجرته واغترابه وما يجسده ذلك من عنصر أجنبي وخارجي؛ يبدو معه مقام (صبا زمزم) أكثر ملاءمةً لكونه يتضمن مذاقاً شرقياً وغربياً في الوقت نفسه. ثمة ملاحظة أخرى على هذا الكوبليه، وهي أن الكمانات التي تجسد الحبيبة المكلومة برحيل حبيبها، تعزف لأول مرة منذ بداية الأغنية بديوان (أوكتاف) منخفض، أي بطبقة غليظة على وتري (صول و ري)، مع بقاء الوتريات الغليظة على حالها كما هي! ويفسر التحول إلى مقام (صبا زمزم) وهدوء الكمانات ما تحمله كلمات هذا  الكوبليه من تأكيد وتذكير للحب الجارف والتعلق الشديد بالحبيب دون عتاب أو استعطاف، إذ يبدأ الكوبليه بـ: (يا حبيبي يا حبيبي دَ إنت عمري قلتهالك، وإنت جنبي ببقى لسه مشتقالك...)، فهذا الجو الحميمي بكل ما فيه من حنو ومحبة جياشة، لا يحتمل حدةً ولا قوةً في النغمات.

أغنية شنطة سفر لوحة موسيقية رائعة قرأتها بأذني التي قد تكون قد أخطأت هنا وهناك، لكن ما لا شك فيه أن الموسيقى تكلمت فيها بجمل تسحر الأنفس وتدع كل مرء على هواه يتصور ويؤول، وهذا دليل الإبداع في منتهاه. لو كانت هذه الأغنية دون كلمات لقالت الموسيقى حتما كلمتها وكلماتها ولكفّت بالغرض ووفّت.

أغنية شنطة سفر: https://www.youtube.com/watch?v=FRyEpuXJP2M

Rate this item
(2 votes)
Last modified on الثلاثاء, 30 نيسان/أبريل 2024 10:27
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل قالب البشرف حبيس الموسيقى العربية؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM