اللامقامية (بتصرف وتوسع)[1]

عبد العزيز ابن عبد الجليل

تعني كلمة tonalité باللغة الفرنسية "المقامية". فإذا سبقها حرف A قلب معناها إلى ما يعني اللامقامية. وبذلك ينتفي الإحساس بالمقام في المقطوعة الموسيقية سواء على مستوى الخط اللحني، أو على صعيد العناصر الهارمونية الناتجة عن تراكب النوتات الموسيقية.

ويترتب عن هذا أمران، أولهما الاستغناء الكلي عن كتابة علامات التحويل في دليل المقام بعد المفتاح، فإذا قضت الحاجة بتحويل النغم تم ذلك خلال المقطوعة بوضع إشارات التحويل أمام النغمة المراد رفعها أو خفضها، وثاني الأمرين بطلان الدور الذي تضطلع به عادة نغمات الارتكاز في السلم المقامي: القرار (الأولى)، والمسيطرة (الخامسة) ...

شكلت اللامقامية تقنية مستحدثة في الكتابة الموسيقية تتحدى بعمقٍ العاداتِ التركيبيةَ التقليدية في النظرية الموسيقية الغربية. ومن ثم كان لها تأثير كبير في مسيرة التطور الموسيقي خلال القرن العشرين، أدى إلى انبثاق موسيقى طلائعية هي التي سيطلق عليها اسم الموسيقى المعاصرة أو "الموسيقى السريالية".

وقد ارتبط هذا النوع من الكتابة الذي أطلق عليه مصطلح "اللامقامية" بشكل خاص بالمرحلة التعبيرية ذات الصلة بأجواء الألم والمعاناة التي تتلاءم والتعبيرَ الجماليَّ لمدرسة فَيينا الثانية في القرن العشرين مع كل من الموسيقي النمساوي أرنولد شوينبيرغ Arnold Schönberg عام 1923، وطلابه من أمثال ألبان بيرغ Alban Berg وأنطون فَيبيرن Anton Webern.

ومن أجل فهم أدق لظاهرة اللامقامية يتعين الأخذ بالاعتبار تحديد مفهوم أسلوب الكتابة الموسيقية الذي تعارضه، أي "الموسيقى المقامية".  فلقد اعتمدت الموسيقى الغربية في مجملها منذ القرن الثامن عشر على معجم وقواعد مشتركة تتجلى في "النظام النغمي"؛ وهو نفسه النظام الذي يجعل من الممكن كتابة ألحان وأعمال هارمونية بسيطة قائمة على ائتلافات ترسخت في التقاليد الموسيقية على مدى قرنين من الزمن إلى درجة تبدو معها طبيعية تماما لدى معظم المستمعين بحكم التعود والتثقيف؛ وبعبارة أخرى فقد خضعت ممارسة الموسيقى وكتابتها في الغرب – إلى حد كبير – لمراعاة نظام من القواعد المدونة التي شكلت طريقتنا في الاستماع ورسمت النهج الأقوم لكتابتها.

ومن الأعمال المبكرة في ركوب ما يقارب اللامقامية معزوفة المؤلف الموسيقي الهنغاري فرانز ليست التي تحمل العنوان "باغاتيل  بلا قرار ]أي مفتاح["  (Bagatelle ohne Tonart) والتي ألفها في قالب فَالس راقصة دون تحديد مقامها؛ وقد كتبها لآلة البيانو عام 1885 وفق نهج خاص بحيث تتخللها تنويعات متكررة كثيرة النزوع إلى الكتابة الكروماتيكية، وهي كتابة ليست بالمتنافرة أو اللامقامية بمفهوم شوينبيرغ، حملت الناقد الفرنسي فرانسوا جوزيف فيتيس François-Joseph Fétis على نعتها بـ"متعددة القرارات "omnitonique"، بما يعني أنها لا تقدم "قرارا مركزيا واضحاً".

Bagatelle ohne Tonart (in B Minor)

5002.jpg

 

ويرى النقاد أن أوبرا "تريستان وإيزولد" Tristan et Isolde[2] لفَاغنر (توفي عام 1883) شكلت المؤشر الأول للتحول نحو اللامقامية، وأنها كانت بمثابة طعنة قاضية على المقامية وخاتمة لعهد كانت السيادة فيه لتقاليد موسيقية غربية يحكمها – بعد استخدام الأجناس الغريغورية - مقامان هما الصغير والكبير، وبذلك فتحت الباب مشرعا على مصراعيه أمام اللامقامية، ومهدت السبيل للدوديكافونية بنغماتها الاثنتي عشرة على نحو حمل بعض النقاد على القول بأن "اللامقامية شكل مفرط من الكروماتية يمنع الأذن من تمييز أو معرفة المركز المقامي".

الافتتاحية – Prélude

 

    5003.jpg

أشهر مؤلفي الموسيقى اللامقامية:

  • أرنولد شوينبيرغ (13 أيلول/سبتمبر1874-13 تموز/يوليو1951).  مؤلف موسيقي نمساويً ورسامً، ُارتبطً بالحركة التعبيرية في الشعر والفن الألماني، وكان رائدًا لمدرسة فيينا الثانية ومعلماً من بين طلابهألبان بيرغ (Alban Berg) وأنطون ويبيرن (Anton Webern) وهانس أيسلر (Hanns Eisler) وإيجون ويلسز (Egon Wellesz)، ولاحقًا جون كايج (John Cage) ولو هاريسون (Lou Harrison) وإيرل كيم (Earl Kim) وليون كيرشنر (Leon Kirchner)، وموسيقيون بارزون آخرون. 

من أبرز أعماله خمس قطع للأوكسترا، والسمفونية الرقم 21، ومتتالية للبيانو، الرقم 25. وفي ما يلي صفحة من المتتالية للبيانو الرقم 25 لأرنولد شوينبرغ

5004.jpg

 

ألبان بيرغ (9 شباط/فبراير 1885–24 كانون أول/ديسمبر 1935)، مؤلف موسيقي  نمساوي، أحد تلاميذ شوينبرغ. من أشهر أعماله: كونشرتو الكمان؛ الأوبرا التعبيرية القوية «وزيكWozzeck » 1921؛ سوناتا للبيانو؛ إلى جانب أغاني وعدة أعمال لموسيقى الحجرة بالأخص «المتتالية الغنائية» للرباعي الوتري ألف موسيقاها سنة 1927.

 

 

مطلع معزوفة لآلتي الكلارينيت والبيانو - لألبان بيرغ

Vier Stucke for Clarinette and Piano

                                                           

 

5005.jpg

 

 

 أنطون فيبرن، مؤلف موسيقي وقائد أوركسترا نمساوي (3 كانون الأول/ديسمبر 1883- أيلول/سبتمبر1945) من أبرز مؤلفي مدرسة فيينا الثانية. من مؤلفاته: السمفونية رقم 21؛ فوكَ (الرباعي الرقم 28)؛ منوعات للأوركسترا الرقم 30؛ الكانتاتا الثانية الرقم 31؛ معزوفة كينديرشتوخ لآلة البيانو.

معزوفة كينْديرْشْتوخ للبيانو

                

 

5006.jpg


[1] Le Flem, Paul. (Janvier, 1956).MUSICA, n°22. Seine: imp. CHAIX, p 35.

[2] تريستان وإيزولد: أوبرا تحكي مأساة درامية من ثلاثة فصول للمؤلف الموسيقي الألماني ـ"ريشارد فَاغنر"(1813-1883) ألف موسيقاها بوحي من أسطورة قروسطية كتبها غوتفريد فَون سترتسبورغ، وتم عرضها أول مرة بالمسرح الملكي لقصر بافَيير بميونيخ عام 1865.

Rate this item
(1 Vote)
Last modified on الخميس, 29 شباط/فبراير 2024 11:25
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل تعنى مناهج التعليم الموسيقي في العالم العربي بما يخدم الموروث الموسيقي العربي والحفاظ عليه؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM