سمات وخصائص التأليف الموسيقي عند محمد الأمين[1]

د. كمال يوسف علي

تقوم الثقافات وتبنى على الأساس الذي يضعه ويبنيه المبدعون والمفكرون في كل جماعة إنسانية، وعادة ما يكون بناء هؤلاء المبدعين قائماً على مدى استيعابهم لعادات وتقاليد جماعتهم، وعلى مدى قدرتهم على دراسة وتحليل محتوى هذه التقاليد ومكوناتها، ومن ثمّ إخضاعها لمعايير الفكر والإبداع بغرض تحريكها وبث روح التجدد والحياة فيها.  ومحمد الأمين واحد ممن اضطلعوا بهذا الدور إزاء الثقافة الموسيقية السودانية الحديثة، وهي ثقافة عريقة تقوم على جذور تضرب في عمق التاريخ ويُحسب عمرها بحساب عمر الحضارات التي سادت أرض السودان منذ آلاف السنين.

وبالنظر الى المكونات الفنية لشخصية المطرب الموسيقار محمد الأمين (1943 – 2023م)، يمكننا الأخذ بثلاثة أبعاد مختلفة، على النحو التالي:

  1. المُطرب المغني
  2. المًلَحِّن والمؤلف الموسيقي
  3. عازف العُود

وكل بعد من هذه الأبعاد يمثل ضربا من ضروب فن الغناء والموسيقى، وأي منها كافٍ لأن تقوم عليه شخصية فنية متكاملة، وأي منها يحتاج إلى الدُّربة والخبرة والمِران حتى يبلغ بصاحبه مراقي إجادة الصنعة والإبداع.  وفي حالة محمد الأمين نجد أن هذه الضروب الثلاثة تكاملت في إنتاج شخصيته الفنية، ففي تاريخ الثقافة الموسيقية الحديثة في السودان؛ هناك الكثير من المبدعين الذين شكّلوا الذائقة الفنية لأجيالٍ عديدة من خلال قدراتهم في مجال الأداء الصوتي أو الغناء، ولم يُعرف عنهم ارتياد مجالات التلحين أو التأليف الموسيقي، ومن هؤلاء عبد العزيز محمد داؤود وإبراهيم عوض وغيرهم كُثر، كذلك لم تكن المهارة في العزف على آلة موسيقية شرطاً لإجادة الكثيرين في مجالات التأليف والتلحين، ومن المعروف والمؤكد تماماً أن إبراهيم الكاشف لم يكن يعزف على أي آلة موسيقية، وأن كل ما وضعه من ألحان كان وليد فكر موسيقي ينقلهُ بصوته إلى المنفذين من الموسيقيين.  في المقابل أجاد الكثيرون من المغنيين السودانيين العزف على آلة العود؛ ومن بينهم محمد الأمين الذي اشتهر بتميزه في العزف على هذه الآلة، وقد أصبح أداؤه عليها مُكونا مهماً في شخصيته الفنية، بل ارتبط غناؤه بمصاحبته لنفسه بالعود حتى بوجود الفرقة الموسيقية المصاحبة.  وعادة ما يَتَوقع وينتظر مستمعوه فقرات أدائه المنفرد والذي عادة ما يفرد له مساحة كافية في مؤلفاته بشكل ملحوظ. أما جانب الغناء والتطريب فمشهودٌ فيه لمحمد الأمين بالبراعة والإتقان، خاصة وأن صوته يقع في طبقة الأصوات الغليظة وهي نادرة الوجود. ويملك محمد الأمين مقدرة على التحكم بصوته وتدريبه، وقد تميز في هذا الجانب بأداء نصف البعد الصوتي الذي كثيرا ما استخدمه المؤلفون والملحنون في موسيقاهم لكنهم تجنبوه في أدائهم الغنائي إلا في حالات نادرة.  أما بالنسبة للبعد الثالث المُكوِّن للشخصية الفنية لمحمد الأمين وهو بعد التلحين والتأليف الموسيقي، فهو البعد الذي تميزت عنده شخصية محمد الأمين بعمق أكبر مقارنة بالبعدين الآخرين. ومقارنة بالشخصيات الأخرى التي اشتهرت في مجالي التلحين والتأليف الموسيقي، والتي عملت مجتمعة على تكوين ملامح وخصائص وسمات التأليف الموسيقي في الثقافة الموسيقة الحديثة في السودان. ونسبة لصعوبة تناول الثلاثة أبعاد مجتمعة بالدراسة والتحليل في الحيز المحدد لهذه الورقة، فسوف يصار إلى التركيز على جانب التأليف الموسيقي وعلى إبراز أهم ما يميزه من خصائص، وعلى ما أتى به محمد الأمين من إضافات ومن تطوير فني يمكن رصده وتحديده بالدقة العلمية المطلوبة[2].

توظيف نصف البُعد الصوتي:

من خصائص الموسيقى السودانية الحديثة قيامها على النظام النغمي المُكَوّن من خمس نغمات، أي السلم الخماسي، وقد أصبح هذا النظام طابعاً يميز هذه الثقافة الموسيقية وسمةً تُعرف بها، واستناداً على هذا النظام بُنيت معظم ألحان الغناء في الفترات المختلفة، ابتداءً من فترة الحقيبة التي تبلورت في مطلع عشرينيات القرن العشرين، ثم مرحلة المدرسة الوترية التي أعقبت الحقيبة وتأسست في أربعينيات القرن العشرين، فضلا عن سيطرة هذا النظام على ألحان التراث والألحان الشعبية في مختلف أنحاء السودان واستمرارية استخدامه بشكل أساسي حتى الوقت الراهن.

أصبح النظام النغمي الخماسي بمثابة الطابع بالنسبة للموسيقى السودانية الحديثة أكثر من مجرد الالتزام بتوظيف النغمات الخمس بشكل حَرفي، فهنالك الكثير من الألحان الشعبية أو التراثية التي تجاوزت في بنائها النغمي حدود الخمس نغمات، كذلك الحال في ألحان اغنيات مرحلة الحقيبة؛ حيث استخدمت نغمة سادسة أُضيفت لهذا النظام وهي النغمة (فا)، لكن ظل استخدامها على نطاق ضيق وبتقنية محدودة لا يمكن حسابها في خانة تطوّر الفكر الموسيقي الذي انتج هذه الألحان، فهي إضافة عفوية تفرضها طبيعة بعض الألحان وحركة خطها اللحني، ومن الأمثلة على ذلك لحن الدوبيت المعروف في منطقة البُطانة في وسط السودان وفي مناطق أخرى، ومن أبرز الحان فترة الحقيبة التي احتوت على هذه النغمة لحن أغنية (إنت بدر السما في صفاك) الذى وضعه محمد أحمد سرور.

في مرحلة المدرسة الوترية تم توظيف النغمة الإضافية السادسة وهي النغمة (فا) بشكل أكثر توسعاَ في كثير من الألحان، وأغنية (الأمان)، التي وضع لحنها وتغنى بها رمضان حسن، تُعدُ من أوضح النماذج على ذلك.  من ناحية ثانية تم استخدام نغمة اضافية أخرى غير نغمة (فا) وهي نغمة (سي) وقد شهدت فترة الحقيبة أمراً مماثلا في بعض الألحان، ونجد أن أغنية (يا نسيم أرجوك) التي وضع لحنها وتغنى بها التاج مصطفى من أبرز الأمثلة التي تُوضح استخدام هذه النغمة الإضافية السادسة مع الحفاظ على روح وطابع السلم الخماسي، تماما كما حدث حينما تم استخدام النغمة (فا) قبل ذلك، وفي ذات الإطار هناك من الألحان ما احتوى على سبع نغمات، أضيفت فيها نغمتا (فا، وسي) على الخمس الأساسية للمقام الخماسي، ومن أمثلة ذلك لحن أغنية (غزال النيل) للمطرب الخير عثمان، وأغنية (حُلم الصِبا) للمطرب سَيِد خليفة.  ويكمن السر في الحفاظ على الطابع الخماسي في هذه الألحان على الرغم من بنائها من ست أو سبع نغمات في الطريقة التي استخدمت بها هذه النغمات، ويعود إلى الموقع الذي وُضعت فيه، حيث وُضعت دائماً في موقع يتجنب علاقة نصف الدرجة الصوتية مع ما حولها من نغمات، ففي الحالتين كانت توضع هذه النغمة المضافة لتتحرك في اتجاه الدرجة الكاملة فكانت النغمة (فا) تصعد الى النغمة (صول) والنغمة (سي) تهبط إلى النغمة (لا)، لكن وفي مراحل لاحقة من عمر المدرسة الوترية وفي الفترة منذ بداية سبعينيات القرن العشرين بدأ الاتجاه نحو إدخال نصف الدرجة الصوتية في الظهور بشكل واضح ومُتعَمّد.  ومن أبرز الأمثلة على ذلك أغنية (بخاف) التي وضع لحنها وتغنى بها أبو عركي البخيت، هذا إلى جانب عديد من الألحان التي وضعها كلٌ من عمر الشاعر، صلاح مصطفى، أحمد الجابري وغيرهم.  وفي ذات الاتجاه يُعتبر محمد الأمين من أكثر الموسيقيين السودانيين الذين عملوا في حقل البحث عن سبل توظيف نغمات إضافية واستيعاب نصف البعد الصوتي بسلاسة وتلقائية تجعل من تذوقه لدى المستمع الذي تربى على الطابع الخماسي أمراً ممكنا، وقد نجح في ذلك فمن يستمع لألحانه يفطن تماما إلى تميزها بهذا البُعد، ومن يدرس ويحلل هذه الألحان يلاحظ مدى العناية في اختيار المواضع المناسبة لإضافة هذا البعد الجديد على الثقافة التي تميزت بطابعها الخماسي على مدى طويل. وفي هذا الصدد نعرض لنموذجين لبيان تطور هذه التقنية في البناء اللحني والتفكير الموسيقي لدى محمد الأمين.

في لحن أغنية (حروف اسمك) الذي وضعه وتغنى به محمد الأمين تفعيلٌ أكثر لمشاركة النغمتين (فا، سي) في تصميم وبناء الخط اللحني، إذ تظهر كلتا النغمتين في إطار علاقتهما بنغمة بعد الثانية الصغيرة صعوداً وهبوطاً في مختلف المواضع من اللحن وفى فكرته الأساسية الموازير (1-4).  ويؤكد المؤلف على الانتماء الحقيقي للنغمتين إلى مقام اللحن بعرضه لتسلسل النغمات المكونة له هبوطاً وصعوداً متضمناً للنغمتين (سي وفا) بقدر متساو مع بقية النغمات الأخرى في الموازير (8-9)، الأمر الذي يخرج باللحن من إطار طابع المقامات الخماسية أو حتى السباعية الخالية من نصف الدرجة الصوتية إلى نوع آخر من المقامات طابعه النغمي نصف الدرجة الصوتية.

وزاد استخدام النغمة (سي) في هذا النموذج في الجزء الذي يؤديه المطرب؛ سواءَ كان ذلك في أداء المطرب نفسه مازورة رقم (23 و30) أو في اللازمات الموسيقية المتداخلة مع أداء المطرب والمصاحبة له (مازورة رقم 11 مكررة في 25).  ويمثل توظيف النغمتين (فا، سي) في مختلف العلاقات النغمية وبخاصة في نطاق نصف البعد نموذجاً واضحاً للخروج من طابع الخماسي الخالي من نصف الدرجة الصوتية إلى حيز المقامات السباعية المحتوية في تكوينها الأساسي على نصف الدرجة الصوتية وإن كان هنالك أثر قوي لسيطرة الخماسي الخالي من نصف الدرجة في السياق العام للحن، إلى جانب بروز سمة السُباعية المؤكدة بتكرار الأجزاء المحتوية عليها في حركة اللحن، ومن ذلك المقدمة الموسيقية التي تعود إليها الأغنية في صيغتها الدائرية عقب كل مقطع.

 

حروف اسمك

موسيقى وغناء محمد الأمين

 

 

909a.jpg

إذا كان هذا النموذج قد مثّل مرحلة نغمية امتزج فيها طابع الخماسية الخالية من نصف الدرجة الصوتية بالاتجاه القوي نحو توظيف نصف الدرجة الصوتية في مقام سباعي، فإن لحن أغنية (حُلم الأماسي) قد عضّد من اتجاه توظيف نغمتي (فا، سي) في نطاق بعد الثانية الصغيرة بفعالية أكبر من النموذج السابق؛ بخاصة في الجزء المُغنَى من اللحن.  ويمثل اللحن في كافة أجزائه نقلة نوعية نحو التوظيف المتكافئ لدرجات المقام السباعي، فضلاً عن خروجه بالصوت البشري إلى هذا النطاق بعد أن كان توظيف الدرجات السبع في النماذج السابقة يتحقق بفعالية أكبر في حيز الأداء الآلي من اللحن، ويلعب دوراً محدداً في أداء الصوت البشري الذي يميل إلى التقيد بطابع النظام الخماسي، وكل أجزاء اللحن تبين فعالية توظيف هاتين النغمتين بنفس كفاية النغمات الخمس الأخرى.

 

حلم الأماسي

موسيقى وغناء محمد الأمين

 

909b.jpg

 

 

909c.jpg

 

تقنية الانتقال المقامي:

في سبيل البحث عن أبعاد جديدة للبنية النغمية للموسيقى السودانية الحديثة، ارتاد محمد الأمين مجالا آخر من مجالات إثراء اللحن وتنويعه وهو مجال الانتقالات المقامية، والتي يمزج فيها المؤلف بين أكثر من مقام كسراً لرتابة المقام الواحد، أو لخلق جو من الألوان والأمزجة المتنوعة.  ويتطلب هذا الأمر دراية تامة بما يجمع بين المقامات المختلفة من علاقات وبآليات الربط بين كل مقام والآخر. وقد عَرفت الموسيقى السودانية الحديثة تقنية الانتقالات في نطاق محدود، فمنذ مرحلة الحقيبة وجدت بعض الألحان التي استخدمت فيها هذه التقنية، بخاصة عند أداء ما يُعرف بالكَسْرة[3] في هذه الأغاني ومن أمثلة ذلك لحن أغنية (قائد الأسطول) التي وضع لحنها وتغنى بها محمد أحمد سرور.

تطورت هذه التقنية واستخدمت في الحان المدرسة الوترية وأبرز الأمثلة على ذلك لحن أغنية (الأمان) -المذكورة آنفاً- التي استخدم فيها المؤلف رمضان حسن هذه التقنية ليتمكن من الغناء في الطبقة الصوتية الأنسب بالنسبة له ثم يترك للآلات الموسيقية حرية الحركة في مقام آخر مختلف.

في هذا النوع الأخير من الانتقالات المقامية تم إدخال علامات الخفض وتصوير المقام المُنتَقل إليه على درجات أخرى غير درجته الطبيعية، مما يشير إلى أن حركة هذه الانتقالات قد تشكّلت في إطار علاقات القريب الهابط والقريب الصاعد والتي عرفتها الانتقالات السلمية في الموسيقى الكلاسيكية، والتي تشير إليها أيضاً فلسفة تحليل المقامات الكنسية والمبنية علي مفهوم الدرجة الختامية Finalis وقرينة الختامية Confinalis إذ يقوم هذا المفهوم أساساً على العلاقة المبنية على بُعد الخامسة التامة صعوداً والذي يُعادل بُعد الرابعة التامة هبوطاً، حيث توضح نظرية المقامات الكنسية في القرون الوسطى والقائلة بظهور كل مقام في صورتين الأولى حقيقية Authentic والثانية متوهمة Plagal.  والصورة المتوهمة عادة ما تكون على بعد الرابعة التامة هبوطاً (الخامسة التامة صعوداً) والعديد من النماذج اللحنية المحتوية على هذه الانتقالات المقامية تبين اعتماد علاقة بعد الرابعة التامة محوراً للانتقال، وأغنية (الأمان) تبين ذلك حيث يحصل الانتقال بين نوعي (دو، صول).  وفي أغنية (زِينة) التي وضع لحنها عبد الكريم الكابلي تم الانتقال بين نوعي (ري، صول) كذلك تم الانتقال في نطاق هذه العلاقة (الرابعة/ الخامسة التامة) في العديد من النماذج اللحنية في الموسيقى السودانية الحديثة.

تميزت تجربة محمد الأمين في توظيف هذه التقنية في تأكيده على بحثه الواعي عن مخارج جديدة للنغمية التي تُؤلف فيها الموسيقى السودانية الحديثة، فليس هنالك ما قد تم توظيفه عن طريق الصدفة، أو لحل مشكلة تقنية تتعلق بالأداء الصوتي للمُغني، بل تعكس كل الألحان التي وظف فيها محمد الأمين هذه التقنية مدى تطلعه لآفاق مختلفة وجديدة لمسارات الخط اللحني في مؤلفات الموسيقى السودانية الحديثة، وقد مثّل هذا الجانب مبحثاَ مهما في منهج التفكير الموسيقي الذي اختطه محمد الأمين.  

والألحان التي يمكن تناولها بالدراسة والتحليل في هذا الصدد عديدة من أبرزها لحن أغنية (وحياة ابتسامتك) والتي سنتناولها بالتحليل لبيان كيفية توظيف محمد الأمين لهذه التقنية في ألحانه.

تبدأ المقدمة الموسيقية لأغنية وحياة ابتسامتك مبنية على النوع الخامس من المقامات الخماسية (لا) بإضافة النغمة (سي) – الموازير (1 – 9)، ثم يبدأ المغني في أداء المطلع على نفس المقام بإضافة النغمة (فا) في ختام الجزء الأول منه (مازورة رقم 19) وينتهي في مازورة (25)، ثم ينتقل إلى إعادة المطلع (26 - 44) لكن مع تغيير الجزء الثاني منه (33 – 38) ولا يعود اللحن إلى موسيقى المقدمة بل ينتقل إلى جملة لحنية جديدة (39 - 47) تلعب فيها النغمة (رى) دوراً أساسياً إلى أن يوظف المؤلف النغمة (فا) في مازورة رقم (43) ليصار عبرها إلى الاتجاه بالخط اللحني للاستقرار على النغمة (رى)،

وهو بذلك يقوم بتصوير المقام الأساسي الذي بدأ به اللحن مُرتكزاً على النغمة (لا)، وينتقل به ليرتكز على النغمة (ري) وهو تحويل نغمي modulation يٌمكن تشبيههُ بالانتقال من سلم صغير إلى آخر.

وتأتي النغمة (فا) في هذا المقام لتلعب دوراً مميزاً لم يظهر في كل الأنماط التي تم فيها توظيف هذه النغمة بمختلف التقنيات، بدءاً بالدور المحدود في فترة الحقيبة ومروراً بمراحل تطور استخدامها في نطاقات بعد الثالثة الكبيرة صعوداً والثالثة الصغيرة هبوطاً وفي تقنية ابتداء الجمل الأساسية لبعض الألحان منها، إلا أنها في هذا النموذج قد استُخدمت كنغمة ختام للجملة اللحنية الأساسية في هذا الجزء من اللحن (53 - 81) لكن ختام هذه الجملة عليها لا يعطي إحساساً بالقفلة التامة في كل الحالات، ففي المرة الأولى (مازورة رقم 66) عندما استقر عليها أداء المطرب في شكل إيقاعي طويل كانت تبدأ الموسيقى أداء لازمة موسيقية تكسر إمكانية الاستقرار علي هذه النغمة (هذا الجزء مكرر عدة مرات)، وفي المرة الأخيرة التي ينتهي فيها المطرب من أداء هذا المقطع ولا تنقله الآلات الموسيقية إلى تكراره، يقفز اللحن إلى بُعد الخامسة التامة (دو) منتقلاً إليها كدرجة استقرار مؤقت يتخلص فيها من أثر المقام السابق بإلقاء مرتل أو (موال) (77 - 142) لا يظهر فيه أي استخدام للنغمة (فا) وتسيطر فيه النغمة (ري) بخاصة في الجزء ما بين (90 - 93) والذي يبدأ مرتكزاً تماماً على هذه الدرجة، ثم مستعرضاً لتسلسل نغماته منها هبوطاً والعودة إليها في انزلاق نغمي Slide صاعد مازورة (110) ليستقر عليها مرة أخرى، ويستمر المطرب في أداء الموال مستعرضاً مهاراته في الأداء الصوتي والعزف على آلة العود، مؤكداً على تعمده الانتقال عبر المقامات المختلفة وبخاصة في الجزء (102 - 112) حيث يتنقل بمقام اللحن جزئياً من صورته الطبيعية (ري) ليصوره على النغمة (دو) حيث تظهر النغمة (سي بيمول) مازورة (103) لتحل محل النغمة (دو) فتسمع بذلك النغمة (دو) وكأنها هي (ري) ثم يعود بعد ذلك باللحن إلى مقامه الأصلي، ويستمر اللحن في ذات المقام إلى أن يكتمل أداء الموال (136) ويعود اللحن لإيقاعه الأول (138) ويتواصل في نفس المقام حتى نهايته في المازورة رقم (223) والتي يرتكز فيها على النغمة (صول) وينتقل عبرها إلى المقام الأول الذي كانت قد بدأت فيه المقدمة الموسيقية والمرتكز على النغمة (لا) لينتهي عليه اللحن.

ويعكس هذا النموذج نمطاً جديداً من أساليب البحث والدراسة في الإمكانيات النغمية في نطاق المقامات الخماسية وذلك بارتياده لعلاقات لم يجر التطرق إليها من قبل ومن ثمَّ كشفه عن مساحات جديدة استطاع أن يحرك فيها محمد الأمين الخط اللحني ويخرج به من أحادية السير في حدود المقام الواحد إلى فتح الطريق لإظهار ما بين المقامات المختلفة من علاقات طبيعة.

وحياة ابتسامتك

 

909d.jpg

 

 

 

909e.jpg

 

 

909f.jpg

 

خاتمة

هدفت هذه الدراسة إلى تناول سمات وخصائص التأليف الموسيقي عند محمد الأمين وذلك لما تميزت به مؤلفاته من تجريبٍ وتجديدٍ وثراء، لم تكن وراءه فقط خبرة ستة عقود من الزمان، بل كانت وراءه موهبة نادرة تم صقلها بالدربة الطويلة وبالبحث المتصل وبالتفكير العميق فيما يمكن بلوغه من مآلات العلاقات النغمية، فكانت بذلك هذه التجربة بمثابة البحث التطبيقي على مستوى ما يميز الموسيقى السودانية الحديثة من ناحية، وعلى مستوى ثراء وعمق التجربة الإنسانية من ناحية أخرى بقدر كبير من التوازن وإحكام المنطق.  ولعل في ظهور الأنماط من النماذج النغمية المحتوية على نصف البعد في موسيقى محمد الأمين ما يدفع إلى الربط بين واقع ظهورها وبين ما سبق أن ناقشه جمعة جابر في دراسته (تراثنا ومفهوم السلم الخماسي 1979)[4] في إطار سلبيات السلم الخماسي واصفاً إياه بأنه ضيق الحدود كأداة تعبيرية إلى درجة تقود إلى التكرار والتشابه، إلى درجة الإحساس بالحاجة إلى أساليب جديدة لإنعاش جمود الخماسي، وقد تنبأ في نفس الدراسة بأن "الواقع سيفرض مستقبلاً التقدم نحو السباعي كلغة يجب المزاوجة بينها وبين الخماسي باعتبارها ثقافة إنسانية أكثر تقدماً ونفوذاً في العالم" وبخاصة أن نموذج أغنية حلم الأماسي قد ظهر في نهاية العقد الأخير من القرن العشرين أي في مدى زمني يبلغ العقدين من الزمان بعد دراسة جمعة جابر 1979م . لكن وعلى الرغم من ظهور هذه الأنماط السباعية كاستجابة يمكن مقابلتها بما توقعه جمعة جابر من التقدم نحو السلم الدياتوني إلا أن تفسير هذه النتيجة يجب إتمامه على ضوء طبيعة التثاقف الإنساني وما شكّل منتجي هذه الأشكال في السودان من مكونات بيئية وثقافية ظهرت في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين بدرجة أكبر من مجرد الأخذ برأي جمعة جابر القائل بحتمية الاتجاه نحو السباعي باعتباره أداة مكتملة للتعبير عن مختلف الثقافات، إذ أن ثقافة النظام النغمي الخماسي في موسيقى وسط السودان قد بحثت في نطاق مكوناتها الأساسية عن منافذ عديدة للخروج من إطار المحدودية والتشابه الذي ذكره جمعة جابر، وتمثل ذلك في الانتقالات المقامية والسلمية التي عرفتها تلك الثقافة في مختلف مراحلها منذ فترة الحقيبة وطورتها كتقنية بنائية في اتجاهات عديدة وفي الكثير من النماذج اللحنية، وما تجربة محمد الأمين الا دليل على ذلك، فعلى الرغم من اتسام موسيقاه باستخدامه الواضح لنصف البُعد الصوتي، الا أن هذا الاستخدام لم ينحرف بموسيقاه لمحاكاة موسيقات أخرى من خصائصها البنائية وجود هذا البعد فيها مثل الموسيقى العربية أو التركية مثلا، إنما كان إنتاج محمد الأمين في هذا المجال محافظا على خصائص الطابع النغمي العام للموسيقى السودانية، فمن يستمع لموسيقى محمد الأمين رغم هذه الخاصية؛ لن يجد أنه قد ابتعد تماماً عن النظام النغمي الخماسي وما يُميزه من جماليات.


[1] أُعدت هذه الورقة لجامعة النيلين بالخرطوم ضمن ثلاث ورقات، بغرض منح محمد الأمين درجة الدكتوراة الفخرية وكان ذلك في العام 2010، وقد كانت بعنوان "خصائص البناء النغمي في موسيقى محمد الأمين" وبعد مراجعتها تم تغيير العنوان، وإضافة تاريخ الوفاة.

[2] يجدر التنبيه إلى أن تدوين ألحان النماذج التي تم تناولها قد كان على طريقة القرار (دو)، أي تدوينها بدون علامات التحويل التي قد تكون موجودة في السلالم التي وضعها فيها المؤلف وذلك لتيسير دراسة حركة خطوطها اللحنية.

[3] الكسرة هي الجزء الأخير من الأغنية والذي يتحرر فيه المُغني في أدائه ويعمل على إبراز قدراته ومهاراته في التطريب ارتجالاً.

[4] جمعة جابر البُشاري. تراثنا ومفهوم السلم الخُماسي. إصدارة على شرف مهرجان الثقافة الثاني؛ فبراير 1979م. مطابع وزارة الثقافة والإعلام، الخرطوم 1979م.

Rate this item
(3 votes)
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل تساهم المهرجانات الفنية في الحفاظ على هوية الموسيقى العربية والترويج لها؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM