الترويدة الفلسطينية "المولالاة" تراث عاد للظهور

بيسان كمال

كانت فلسطين دائما متميزة بحضارتها وتراثها عبر العصور المختلفة من العادات والتقاليد إلى الزي إلى الأغنية الشعبية التي كانت الخزينة التي وثقت وكانت شاهدة على التغيرات التي طرأت على المجتمع من حيث النهج والشكل والمضمون.

تُعدُّ الأغنية الشعبية من أكثر أنواع الأدب الشعبي استجابة لتسجيل الأحداث والمواقف والموضوعات، كما تتصف ببساطتها وسرعة انتشارها وعفويتها، وتنوع أشكالها الفلكلورية وثباتها، وهذه الصفات تجعل الأغنية الشعبية سجلًا للأحداث والظواهر البارزة؛ أي أنَّ أغاني النساء الشعبية ليست مرآة للتاريخ والمجتمع فحسب؛ بل تساهم في بلورة الأهداف العليا للمجتمع.

وفي الفترة الماضية انتشر نوع غنائي شعبي مميز ألا وهو الترويدة وجمعها تراويد، واصل كلمة ترويدة من رود، يرود، أي ردد لحنا وكرره مرات متتالية، فهو قالب يعتمد على تكرار لحن على الرغم من تغير الكلمات أو الموضوع داخل الأغنية نفسها، أي أن الأغنية تبدأ وتنتهي بالجملة الموسيقية الرتيبة المتكررة ذاتها، ومنها أطلق عليها مصطلح ترويدة.

وقيل بأنَّ الترويدة تكنى بالوِرد بمعنى "يا واردات على النبع"، أي القدوم إلى النبع والبدء بتعبئة واستخدام الماء.  كانت النساء الفلسطينيات يغنين الأهازيج وهنّ على نبع الماء ويبدأن بتحدي بعضهنّ البعض بتلك الأهازيج "يا واردات على النبع والميِّ سيالة طل الحبيب من صفد والعين ميّالة".  وكان يكثر ترديدها أيضا في المناسبات مثل وداع العروس في ليلة الحناء، وعند رحيل قوافل الجمال، وأيضا عند حلب المواشي أو في مواسم اندثر فيها الاحتفال منذ النكبة كموسم النبي موسى وموسم النبي صالح وغيرها.

امتازت مناطق وسط فلسطين وجنوبه، المتلازمة مع مناطق انتشار فولكلور "السامر"، بهذا الأسلوب الغنائي الجماعي الذي ينضوي تحت ما يعرف بـ "التراويد"، وكان يعد بمثابة سامر النساء.

والترويدة عموماً هي نوع من الغناء البطيء، الذي يحكمه إيقاع معين يعتمد على الإلقاء بدرجة أساسية، الإلقاء المنغم الذي يحمل موسيقاه الخاصة. ويعتقد أن كلمات الترويدة لم تكن تؤدى قديماً بصحبة أي آلة موسيقية، ولأن النساء كن في الغالب يغنينه بشكل جماعي، فكان الإيقاع يخلق عبر أصواتهن.

أما الغناء الفردي، فقد كان يغنى في الكروم والأعراس وجلسات النساء، ويندرج تحت غناء التراويد الذي كان سائداً في القدس ورام الله والرملة والخليل وغـزة. وفي حين رافقت الترويدة أعراس النساء، كان السامر مرافقاً لأعراس الرجال.

وظهر نوع من التراويد يسمى بالمولالاة، وهو قالب غنائي قروي يندرج تحت إطار الترويدة، وقد صار جزءاً لا يتجزأ من المقاومة الفلسطينية.  وما يميّز الملالاة أنه نوع من الغناء المشفر، إضافةً إلى كونه فناً ابتدعته الجماعة، وحولته المرأة الفلسطينية إلى وسيلة لإيصال رسائل سرية إلى ذويها في سجون الاستعمار البريطاني أولاً، ثم الإسرائيلي لاحقاً.

المولالاة" أو "الترويدة" نوع من الفلكلور الفلسطيني كلماته كتبت لتبدو مشفرة غير مفهومة، لكن في حقيقة الأمر أن تلك الكلمات غير المفهومة هي لغة تم اختراعها حتى لا يستطيع المستعمر البريطاني، الذي يفهم بعضاً من اللغة العربية، التقاطها، بخاصة إن كان الأمر يتعلق بتمرير رسائل خاصة بين المعتقلين وأهلهم. واستمر التعامل بهذا اللغز حتى بعد النكبة، وإلى الآن يوجد كثير من سكان المخيمات لا يزالون يجيدون التحدث بتلك اللغة بطلاقة.

نشأ هذا الفن منذ عهد الاحتلال العثماني، وكانت النساء تغنيه، بعد أن تقوم بتشفير كلماته، وتعتمد عليه في توصيل الرسائل السرية إلى المقاومين في أماكن اختبائهم، والأسرى في سجونهم ومعتقلاتهم، عندما يذهبن إلى زيارتهم، وبهذا كانت النساء حلقة الوصل، بين المجاهدين والمقاومين الأحرار، والمجاهدين والمقاومين الواقعين في الأسر.  ومن خلال النساء، كان المعتقلون يستطيعون المشاركة ولو بالتوجيه والمعلومات في مسيرة الكفاح وأعمال المقاومة.  وما كانت تتغنى به النساء، كان يحتوي على أكواد إخبارية، أو تفاصيل حول عمليات الفداء، أي أن الغناء تحول على يد المرأة الفلسطينية، إلى وسيلة تواصل، ونقل أخبار ومعلومات، بطريقة مشفرة لا يستطيع أن يفهمها العدو، والغريب أنها كانت تفعل ذلك، مع الحفاظ التام على جماليات الغناء، وشروطه الفنية، فهو غناء جميل ممتع، من النوع الذي تتعلق به الأسماع، ويظل يتردد في الأذهان، حتى بعد الانتهاء من الإصغاء إليه.

ونلاحظ أن طريقة التشفير ذاتها، تكشف عن ذكاء فطري كبير، والتشفير ليس بالأمر السهل، إذ يعتمد على إضافة حرف «اللام» وتكراره داخل الكلمات، وفي نهاياتها أو مقاطعها الأخيرة، مع اختلاف تشكيل الحرف من كلمة إلى أخرى. فقد كانت المرأة الفلسطينية، تؤلف الكلام أولاً وتحبك معانيه، وتضمنه الرسائل المراد توصيلها، ثم بعد ذلك تعمل على التشفير وإعادة الصياغة، ويجب إتمام هذا، مع خلق إيقاع نغمي للكلام، والمحافظة على موازينه، وخلق الجمال اللازم والجاذبية المطلوبة، وكل ما يحقق شروط الفن. ومن يستمع لهذا الغناء، يشعر بجماله وتأسره جاذبيته، وإن لم يفهم الكلمات في البداية، بل إن مسحة الغموض تزيد من الجاذبية.

توارثت نساء فلسطين، فنون الترويدة والمولالاة، عن الأمهات والجدات، وإلى اليوم تجد هذه الفنون من يعتني بها، ويحفظها كجزء من التراث الفلسطيني الثمين. وإذا كان حفظ التراث بشكل عام، يعد من المهام العظيمة والبالغة الأهمية، ففي فلسطين يتضاعف الأمر، ويتخذ أبعاداً أكثر دقة وحساسية، فهو فعل مقاومة وحماية للهوية والوجود، وتثبيت لجذور الماضي، وإحياء للحاضر والمستقبل.

ومن أهم التراويد التي انتشرت في الآونة الأخيرة ترويدة شمالي رسالة مشفرة من أمهات الأسرى وتقوم الترويدة على قلب الحرف الأخير من كل كلمة وإضافة حرف اللام في نهايتها، وتلك الترويدة كان يغنيها أهالي الأسرى لتبشير المعتقلين الفلسطينيين في سجون الاستعمار البريطاني بِاقتراب خلاصهم.

وأنا ليليلبعث معليلريح الشمالي لالي يا رويللووو (وأنا الليلة لابعث مع الريح الشمالي)

ياصليلار ويدورليللي على لحبيليلابا يا رويللووو (يوصل ويدور على الحباب يابا)

يا هللوا روح سلللملي على للهم يا رويللووووو (يا هوا روح سلملي عليهم)

وطالالالت الغربة الليلة واشتقنا ليلي للهم يا رويللوووو (وطالت الغربة واشتقنا لهم)

يا طيرلرش روح للي للحباب واصلللهم يا رويللوووو (يا طير روح للأحباب ووصل لهم)

وبدورها تسرد ترويدة يا طالعين الجبل واقعة تحرير البعض من الأسر في منتصف الثلاثينيات، وتعتمد في بنيتها على أسلوب الكتابة السابق نفسه ولكنْ بإضافة حرف اللام للتمويه.

يا طالعين عين للل الجبل يا موللل الموقدين الناربين لللل يامان يامان عين للل هنا يا روح

ما بدي منكي لللكم خلعة ولا لالالا لابدي ملبوس بين للل يامان يامان عين للل الهنا يا روح

ما بدي منكي لللكم خلعة ولا لالالالا بدي زنار بين للل يامان يامان عين للل الهنا يا روح

وفي هذه الأغنية أخبرت النسوة "المحبوس" أن "الغزال"، تقصد المقاتلين، سيآتون في الليل لتحريرهم، وأن إشارة بدء العملية هي عندما يرون النار موقدة.  حتى يفهم الأسرى الرسالة، وينتظروا تحريرهم الذي لم يطل كثيراً.

وكما كانت المرأة الفلسطينية، تقوم بتشفير أغاني السياسة والمقاومة، كانت تقوم أيضاً بتشفير أغاني الحب، وتعبر عن مشاعرها بتمويه رقيق يغلفه الحياء، والخوف من افتضاح أمر الهوى. ومن أغنيات الحب، أغنية بعنوان «يا حلولبنا» أو "ترويدة الخليل" وتقول كلمات الأغنية:

يا حلولبنا، يا حلولبنا، (يا حبنا).يا طيليري (طيري) خذ مكتولوبنا (مكتوبنا)..

حطللي غربال، شيللي غربال.. مرجولوه (مرجه) رمان لحلوبنا (لحبنا)..

يا أبو الويلويلرد، يا أبو الويلويلرد (يا أبو الورد).. على خدلو عطور منولرد (على خده عطر من الورد)..

على المييلي، على المييلي (على المي).. بدرحهولوه (بدرج له) على المييلي (المي)..

يا حلولبنا، يا حلولبنا (يا حبنا).. يا طيليري (طيري) خذ مكتولوبنا (مكتوبنا)

توارثت النساء الفلسطينيات غناء التراويد وما زلن يتناقلنه جيلا بعد جيل لأهمية الحفاظ عليه من الاندثار، وعلى الفنانين توثيق هذا الفن ليبقى للأجيال القادمة خاصة مع محاولات الاحتلال المستمرة لطمس الهوية الفلسطينية في كل أشكال الفنون وليس فقط الفنون الموسيقية.

Rate this item
(1 Vote)
Last modified on الأحد, 31 كانون1/ديسمبر 2023 10:21
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل تساهم المهرجانات الفنية في الحفاظ على هوية الموسيقى العربية والترويج لها؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM