المطربون العرب وفلسطين: من "جاوز الظالمون المدى" إلى "زهرة المدائن"

 

 

013a11.jpg

بقلم وارد بدر السالم 

استعادات 

كان الغناء قديمًا يطرد وحشة البراري وعزلة الإنسان في الغابات والجبال والصحاري. ومع أن المصادفة اختبرت صوته، وهذّبته مع الزمن، إلا أنه كان يعبّر عن حاجاته الروحية الكامنة في أعماقه. كما لو أن صوتًا آخر يخرج من تلك الأنفاق المظلمة ليقول شيئًا، وينبّه إلى شيء، ويحتوي فيه مشاعر وأحاسيس لا يمكن أن يكون الكلام وحده سبيلًا لمعرفته. لذلك فلن يكون الغناء وليد مصادفة، مع أن المصادفة ممكنة قديمًا في عصور الحضارات البدائية، يومها لم يكن الإنسان يعرف شيئًا عن إشكالات الحياة وقسوتها المفرطة.

العرب في الماضي لم يكونوا يعرفون الغناء بالشكل الذي تعارفنا عليه اليوم. لم يجيدوا غير الحداء، وهي أصوات ناعبة تحث الإبل وسواها على المسير، أو استدعائها إلى العشب والماء والكلأ. ولم تلتقِ حضارتهم مع الفرس والروم بعد، غير أن سعيد بن مسجح، الملحن والمغني، تمكن من نقل الغناء الأعجمي (من الفرس والروم) إلى أهل مكة، فقد كان على اطلاع بطريقة غنائهم وحافظًا للكثير من أصوله الطربية وله آراء ذوقية وفنية فيه.

من الحِداء، صوت الروح الغامضة، يخرج الكلام في الصحارى العربية الواسعة. وينتشر ويُهذب، حتى يستقر في المدن، ويُخرج الأصوات الحبيسة من مخابئها، ويُطلقها إلى فضاءات كبيرة، فتتلون الحياة بالمشاعر والعواطف، لتكسر حدة إيقاع المظلومية النفسية، حتى تتتالى العصور والأجيال، وتتمكن من إيجاد أكثر المتنفسات وسعًا في شهيقها وزفيرها، وهو البوح في الغناء الذي تعددت ألوانه وأوصافه ومقاماته ونوازعه العاطفية والرومانسية والثورية التي تقودنا إلى فلسطين المحتلة، بوصفها القضية العربية الأكثر حضورًا في الضمير العربي الشعبي على وجه الخصوص.

نجد في متصفحات الذاكرة القديمة والحديثة، أن كثيرًا من الفنانين العرب وضعوا بصماتهم الفنية في الغناء الثوري عن قضية فلسطين، ولا ريب في أن مثل ذلك الحضور الفني، هو حضور مشرّف لقضية إنسانية في المقام الأول، وهي مشكلة نفسية عربية، لا يعاني منها الفلسطينيون وحسب، بل العرب جميعهم. فالحروب العربية التي سجلت تواريخَ مختلفة عن هذه القضية كثيرة، ولم تسجل انتصارات كبيرة على الكيان الصهيوني في الشأن الفلسطيني، إلا أنها كانت حروبًا تمثل في وجهها الإيجابي حضورًا شعبيًا بالغ الأهمية في نصرة الشعب الفلسطيني ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا.

إن الغناء إحدى وسائل المقاومة العربية التي مارسها الفنانون العرب في الحروب كلها؛ لتصعيد الحس الثوري الشعبي، وإيجاد منافذ نفسية للتعبير عن ملايين الناس المتطلعين إلى انتصارات ضرورية على الكيان الصهيوني، لهذا نجد أن الكثير من المطربين العرب حريصون على أن تكون لهم مشاركاتهم في قضية فلسطين من حيث المبدأ، وأن تكون أصواتهم حاملة لمعاني التحشيد الشعبي ونصرة الجيوش في معاركها المصيرية، لتفرض أصواتها المنادية بالنصر والصمود في ملاحم وطنية كثيرة، تعرفها الأجيال وتدرك معانيها الوطنية والتعبوية المطلوبة.  وفي سبيل استذكار الفنانين الذين ناصروا القضية وتضامنوا معها ستكون القائمة طويلة للحضور الفني العربي المواكب لهذه القضية.

محمد عبد الوهاب. أم كلثوم. عبد الحليم حافظ. فيروز. محمد منير. عمرو دياب. علي الحجار. هاني شاكر. إيمان البحر درويش. وديع الصافي. مارسيل خليفة. جوليا بطرس. لطيفة. أصالة. عمر العبد اللات. لطفي بوشناق. عاصي الحلاني. وليد توفيق. أحمد قعبور. أميمة الخليل... وغيرهم من أجيال المطربين الذين ساهموا منذ الخمسينيات حتى اليوم في النكبة الفلسطينية غناءً وحضورًا في مفهوم التلبية الوطنية والقومية التي حرص الجميع على أن يكونوا في مشهدها المتقدم. ولا يفوتنا أن نوثق المطربين الشعبيين الفلسطينيين الذين أثروا الساحة الغنائية بهذا الفن الذي يلامس عواطف الناس في كل مكان ومنهم الراحل "أبو عرب"، والمطرب الشعبي "أبو نسرين" الذي اشتهر بأغنية "يويا"، وعمار حسن ومحمد عساف.

لعلّ أكثر فنانة تفاعلت مع القضية الفلسطينية هي فيروز، وتقف "زهرة المدائن" في طليعة أغنياتها التي ما تزال تُردد حتى اليوم، لما فيها من شجن وألم في مناداة القدس المحتلة والتناغم معها بعد نكسة 1967. وجاءت هذه الأغنية عن مشاهِد حقيقية، كما ذكرت الصحف الفلسطينية في الستينيات من القرن الماضي، عندما زارت فيروز القدس، تزامنًا مع زيارة بابا الفاتيكان بولس السادس، وأدت الترانيم أمامه في كنيسة القيامة.  ورأت بيت لحم، وأبهرتها ذكريات الناس المطبوعة على المفاتيح، وتاهت عيناها في المكان، وانشغل ضميرها الإنساني بما آلت الأمور إليه. فكانت الأغنية - الصرخة "زهرة المدائن" التي تمثل تصاعدًا نغميًا في أغنيات المقاومة التي تعرفنا عليها في كل مصيبة عربية، فكانت وما تزال أيقونة غنائية يرددها العرب والفلسطينيون في مناسبات الحروب والتصعيد العسكري الذي يقوم به الصهاينة المحتلون.

فيروز من أكثر الفنانين العرب الذين احتفت حناجرهم بمفردة فلسطين ومشتقاتها الكثيرة في حلم العودة والتحرير والنصر.  فغنت ما لا يقل عن عشر أغنيات صادحة في حب فلسطين ويافا والقدس وبيسان، ومن أشهرها - عدا زهرة المدائن: سنرجع يومًا. مريت بالشوارع. بيسان. يافا. سيف فليشهر. القدس في البال. جسر العودة... لتكون فيروز في متوالية غنائية أثيرة على النفوس العربية، وهي تنشد مع هذا المجد الفني الذي وضعته في انتمائها إلى الحاضنة العربية، وانتمائها إلى أفق ثوري وطني قومي عالي المستوى ربما لم يبلغه أحد من الفنانين الذين غنّوا لفلسطين.

يؤكد مؤرشفو الأغنية الوطنية العربية أن الفنان محمد عبد الوهاب هو من فتح باب الأغنية عن فلسطين في أربعينيات القرن الماضي، منذ أغنيته الشهيرة "أخي جاوز الظالمون المدى"، ولا تُنسى مساهمة أم كلثوم بعده في "أصبح الآن عندي بندقية"، غير أن لفيروز مذاقًا طربيًا آخر. تلتقي مع المطربين الكبار في الهدف الأسمى، لكنها تفترق عنهم في صوت ملائكي شديد الحساسية، كثير الجمال في تلويناته النغمية التي تتفاعل مع الحالة النفسية لكلمات أي أغنية تغنيها، لا سيما أغنياتها الفلسطينية ذات الإشهار الروحي الواضح. ونعتقد أن فيروز تعيش الأغنية ولا تؤديها فحسب، وهذا مبعث بقائها وديمومتها الفنية، ففلسطين بالنسبة لها، ولنا أيضًا، القضية الحاسمة في الجو العربي، لذلك فهي "تبكي" في مثل هذه الأغنيات المرنّمة بحزن أكيد يندر أن تجد له مثيلًا في الغناء العربي. وبالتالي فإن الفن هو إرسال وتراسل بينها وبين جمهور واسع وكبير، هو جمهور يعرف أن مثل هذا الأداء الرفيع هو صراخ في الغابات والصحارى والجبال، يظل صداه مترددًا على مر الوقت والعصور العربية.

في طوفان الأقصى، ومع مراحل الهجوم الغزّي للمقاومة الفلسطينية على الكيان الصهيوني، نسمع جميعنا صدى فيروز. كثيرون من العرب يشعرون بالحماسة والفخر، وهم يرددون أغنيات هذه الفنانة التي تقدمت على عصرها كثيرًا، وأوجدت لها مساحة كبيرة في قلوب العرب، مثلما نشعر بالفخر والحماسة؛ ومعنا فيروز أيضًا؛ بأن الانتصار ممكن جدًا على كيان غاصب ومغتصب.

 

 

الهوامش:

  • فيروز: اسمها نُهاد وديع حداد. مطربة ومغنية وممثلة لبنانية وُلدت في بيروت. تعد من الجيل الذهبي للمسرح والموسيقى في لبنان، ومن أشهر الأصوات العربية، لاقت أعمالهُا الفنية رواجًا واسعًا في العالم العربي والغربي، لقبت في لبنان بـ (العمود السابع لبعلبك). ولدت عام 1935 في قضاء الشوف بجبل لبنان. نشأت في حارة زقاق البلاط في الحي القديم القريب من العاصمة اللبنانية بيروت.
  • سعيد بن مسجح، مولى بني جمح، أبو عثمان أو أبو عيسى: ملحن ومن كبار المغنين. كان أسود البشرة، من أهل مكة. رحل إلى الشام، فأخذ ألحان الروم، وانتقل إلى فارس، فنقل غناءها إلى غناء العرب، وعاد إلى الحجاز، فأهمل ما لم يستسغه من النبرات والنغم في غناءي الفرس والروم، وجعل لنفسه مذهبا في التلحين تبعه فيه الناس من بعد.

المصدر: ضفة ثالثة – منبر ثقافي عربي

Rate this item
(1 Vote)
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل تساهم المهرجانات الفنية في الحفاظ على هوية الموسيقى العربية والترويج لها؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM