كتاب "موسيقى فلسطينية في الغربة: أصوات المقاومة" عندما تكون الموسيقى سلاحاً من أجل الحرية

أماني الصيفي

 

صدر عن الجامعة الأمريكية في القاهرة خلال تشرين الأول/أكتوبر 2023 كتاب للباحث والموسيقي الأيرلندي لوس بريهوني بعنوان موسيقى فلسطينية في الغربة: أصوات المقاومة "Palestinian Music in Exile :Voices of Resistance”

يتألف الكتاب من مقدمة وسبعة فصول تغطي 307 صفحات، ويرتكز على بحث ميداني شامل تم تنفيذه على مدى 10 سنوات، يشمل مناطق جغرافية واسعة تمتد من الشرق الأوسط إلى إنجلترا، ويستوعب مفاهيم ونغمات تتجاوز الحدود من أمريكا اللاتينية إلى آسيا، عبر الولايات المتحدة وأفريقيا. 

يتناول الكتاب مسألة تطور الموسيقى الفلسطينية وجهود الموسيقيين في إيجاد فرص لتعلم وممارسة الموسيقى المقاوِمة في فلسطين وعدة دول في الشرق الأوسط بعد حدوث النكبة عام 1948. ويتناول الكتاب أيضاً عدة قضايا مثل علاقات القوى والطبقية والجندرية في المنطقة، بالإضافة إلى مفاهيم مثل القومية والكوزموباليتانية والهوية والتأثير النفسي للغة والموسيقى.  ويتعامل الكتاب مع هذه المفاهيم في سياق ترسيخ ذاكرة جماعية وتاريخ فلسطين من خلال الموسيقى المقاوِمة ضد الاحتلال الإسرائيلي في إطار نظام إمبريالي عالمي.  في هذا الفصل، سنتتبع إحدى النقاط المهمة التي يثيرها الكتاب، وهي دور الموسيقى في سياق التضامن الجماعي من أسفل المجتمع لمواجهة التحديات التي تفرضها الرأسمالية الغربية والنيوليبرالية والإمبريالية، والتي تشكل جذور معاناة الفلسطينيين بعد النكبة عام 1948.

الموسيقى والنظرية والصمود

ينطلق هذا الكتاب من المنظور الماركسي والاشتراكية الديمقراطية، التي تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية وتؤمن بتأثير البيئة الثقافية على تشكيل وعي الإنسان. ووفقاً لهذا المنظور، يُعَدُّ الإبداع الفني المتشكل في سياق ظروف قمعية أداة فعالة للاحتجاج على قمع سياسي وظروف اقتصادية ظالمة في فلسطين بعد النكبة (1948) من جهة، ووسيلة مؤثرة في توعية الجماهير بتاريخ فلسطين وتحفيزهم للصمود والنضال ضد الاحتلال الإسرائيلي، بهدف تحقيق التغيير الاجتماعي وحق تقرير المصير. كما يسعى لمواجهة قيم الرأسمالية الإمبريالية الغربية التي أدت إلى استبعاد معظم سكان العالم من خدماتها لصالح قلة من البرجوازية. 

ينطلق لوس في هذه الدراسة النقدية من المفاهيم النظرية التي قدمها غسان كنفاني وليلى خالد وناجي العلي وغيرهم من الفلسطنيين الماركسيين الثوريين.  ويرى الكاتب أن هذه النظريات الثقافية كان لها أثر واضح على التعبير الشعري والموسيقي والغناء في فلسطين ومخيمات اللاجئين والمهجر بعد النكبة. فجاءت هذه االتعبيرات الشعرية والأغاني الفلسطينية لتعكس روح الصمود الجماعي، وتؤكد تجربتهم الجماعية في مواجهة الاحتلال، واستحضرت تاريخ القرى والبلدات التي هجر منها اللاجئون قصرياً، تاركين خلفهم تراثهم وآمالهم فيها، كما أنها نقلت رسالة سياسية وطنية تظهر المعاناة اليومية التي يعاني منها الشعب الفلسطيني وتحثه على التكاتف والتعبير عن صوت الجماعة.  فظهر مفهوم "نحن" كتعبير عن المجتمع مقابل "الأنا" في أغاني جورج قرمز المقاومة، مثل "أنا اسمي شعب فلسطين" وأشعار محمود درويش التي غناها قرمز مثل "سجل أنا عربي" وغيرها.

انتشرت الموسيقى الفلسطينية في دول الجوار من خلال أشرطة الكاسيت التي تم إنتاجها بأسعار معقولة، وكانت تستخدم أيضاً لجمع التبرعات السياسية المقاومة للاحتلال.

فرق موسيقية وتضامن جماعي 

تكونت فرق غنائية عديدة بروح الجماعة مثل فرقة "كوفيه" و"صبايا الانتفاضة" التي أصدرت تسجيلات دون ذكر أسماء الموسيقيين.  كما كانت الفرق الغنائية بأسماء بصيغة الجمع، مثل فرقة أغاني العاشقين وهي فرقة غنائية فلسطينية تأسست عام 1977 في العاصمة السورية دمشق، وكانت أغانيها وطنية وشعبية.  أو "صابرين" في القدس، والتي أسسها الموسيقار الفلسطيني سعيد مراد في الثمانينيات من القرن الفائت، والتي سعت إلى تطوير الاغاني الفلسطينية الحديثة التي تعبر عن المعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني بسبب الأوضاع السياسية.

مزجت فرقة "صابرين" بين الموسيقى العربية والشرقية التقليدية، واستخدمت آلات شرقية وغربية في موسيقاها.  وساهمت الفرقة بإدخال اتجاه الموسيقى الملتزمة إلى فلسطين، مثلما فعلت موسيقى الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم في مصر، ومارسيل خليفة وزياد رحباني في لبنان. كما أن كلمة "صامدون" بصيغة الجمع كانت تتكرر في الأغاني الجماعية للتعبير عن التضامن والصمود، ظهرت كذلك كاسم شبكة للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين، والتي تأسست في عام 2011. كانت هذه الكلمة مرسومة على اللافتات خلف العازفين في مسرح "مسحال" في غزة، والذي كان يعبر عن آمال وطموحات الشباب قبل تدميره في العدوان الإسرائيلي على غزة في عام 2018.

 

09a11.jpg

مطرب الثورة الفلسطينية وقائد فرقة العاشقين الفنان اللبناني حسين منذر " أبو علي"

يرى الباحث أنه رغم تغيرات الاتجاهات الموسيقية والاجتماعية وظهور ثقافة "السيلفي"، التي تعزز الفردية، فإن التجارب الشخصية للموسيقيين الشباب تؤكد استمرارية الحس الاجتماعي والجماعي في أدائهم الموسيقي المقاوم.  ويذكر عدة أمثلة، منها فرقة "صول باند في غزة" المحاصرة منذ عام 2006. تتكون الفرقة من 5 أفراد وقد تأسست مدرسة موسيقية تابعة للفرقة في غزة في عام 2016 "مدرسة سيد درويش" لتقدم دروساً موسيقية للأطفال والشباب بشكل تطوعي. ورغم التحديات، نجحت الفرقة في المشاركة في مهرجانات دولية ومحلية، بما في ذلك مهرجان فلسطين الدولي عام 2018.  يُذكر أن سيد درويش هو فنان مصري في أوائل القرن العشرين، معروف بتجريب أساليب مختلفة من الغناء ومناهض للإمبريالية الغربية.

 تضامن موسيقي عربي

أما عن التضامن مع فلسطين من موسيقى العالم العربي في هذه الفترة، فيرصد الكتاب أغاني كثيرة لفيروز وأم كلثوم وغيرهما، وقد ظهرت في المنطقة العربية بعد حرب 1967 فيما يسميه الباحث "محاولة إعادة ضبط التوازن" حول القومية الفلسطينية في مصر ولبنان وغيرهما من الدول العربية.

تسترجع المغنية الفلسطينية ريم كيلاني فترة طفولتها في الكويت، وتؤكد على قوة ارتباط فيروز والأخوين رحباني بالقضية الفلسطينية في الثقافة الفلسطينية في هذه الفترة، حتى كان يُعتَقَد أنهم فلسطينيون. كان هذا الحضور للتضامن العربي مع القضية الفلسطينية حاضراً داخل فلسطين المحاصرة كذلك. 

أم علي، إحدى الفلسطينيات اللاجئات في غزة بعد أن دمر الإسرائيليون قريتها "قبيبة" وهاجرت منها قصرياً تسترجع أحداث الانتفاضة عام 1987، فتعبر عن ارتباطها بفنانين مثل جوليا بطرس ومارسيل خليفة وأحمد قعبور وفيروز وأم كلثوم.  إذ تقول أم علي "كنا نعتقد أنهم يحملون جذوراً فلسطينية، فقد كانوا يغنون لفلسطين كوطن لهم… بالنسبة لي، كان تعلم هذه الأغاني وسيلة للمشاركة. كان مثل الجسر.. بما كان يحدث في بلادي المقاومة".

في قصصها حول الأغاني عن الانتفاضة الأولى (1987)، التي بدأت عندما كانت في العاشرة من عمرها، لا تعتبر أم علي نفسها مجرد مشاهدة للأحداث التاريخية. بل تتحدث بصيغة الجمع فيما يتعلق بمكانتها في تجربة المقاومة الفلسطينية.  تقول: "كانت أغاني الانتفاضة تعني الكثير… كنا مركزين في ذلك الوقت على الثورة".  كانت تغني أغنية "بكتب اسمك يا بلادي" لتذكيرها بقريتها "القبيبة" التي دمرها الاحتلال وهجّرو أهلها منها. أما أغنية "سبيل عيونه" لفرقة "أغاني العاشقين"، فتذكرها بأخيها الذي أسره الاحتلال واقتيد معصوبَ العَــيْنين.

ستختلف المساحات المسموح بها للمقاومة الفلسطينية في بلدان الشرق الأوسط وفقاً لأيديولوجيات الحكام السياسية والاقتصادية والتوجهات الثقافية للنخبة في تلك البلدان.  يستعرض الباحث التحديات التي واجهها الموسيقيون في تعلم وممارسة الموسيقى الفلسطينية المقاومة في المجال العام، خصوصاً بعد اتفاقية أوسلو. بالإضافة إلى ذلك، يتعين على الموسيقيين التكيف مع ظروف اللجوء الاقتصادية والسياسية في تلك البلدان. ومع ذلك، فإن تجارب الموسيقيين الفلسطينيين لها تأثير على التفاعل مع الواقع الثقافي في هذه البلدان.

 العود يروي تاريخاً فلسطينياً حاضراً في أوروبا 

يتناول الكتاب أيضاً تجربة سعيد سلباق، المؤلف وعازف العود، الذي يسعى من خلال موسيقاه إلى توثيق تاريخ القرية التي دمرها الاحتلال وطرد سكانها منها. جده كان من بين الذين اضطروا للانتقال إلى منطقة شفا عمرو، وعاش هناك كلاجئ في داخل فلسطين منذ عام 1948. استخدم سعيد العزف على العود والأداء الموسيقي الصامت كوسيلة للتعبير الموسيقي، مساهماً في النضال الفلسطيني وإحياء الثقافة الثورية للمهجرين الداخليين.

في الداخل الفلسطيني، استخدم سعيد الموسيقى الصامتة لانتقاد هياكل القوة العنصرية وتحرير الموسيقى من أثر الاستعمار الإسرائيلي التي تسعى لطمس الهوية الفلسطينية بل والاستيلاء على الموسيقى العربية. شارك سلباق في العديد من المهرجانات والحفلات في المملكة المتحدة وبلجيكا وفرنسا وغيرها من الدول حول العالم. أما ريم عنبر، فهي أول امرأة فلسطينية في غزة تعزف العود رغم ضيق الحال والثقافة المحافظة التي نشأت فيها، استطاعت أن تتعلم الموسيقى وتعلمها في غزة، وتقدم كذلك جلسات للعلاج بالموسيقى للمتضررين من العدوان الإسرائيلي. عزفت ريم العود في إسبانيا وبلجيكا وأيرلندا وبريطانيا، وفي بريطانيا هي مؤسِّسة فرقة "غزال باند" الموسيقية، التي تعمل من خلالها على نشر الموسيقى والثقافة الفلسطينية.

الرفاق وموسيقى المقاومة في تركيا

لا يستند بريهوني في بحثه على قومية عرقية أو دينية، بل يؤمن بالإنسانية والعدالة الاجتماعية. فنتعرف في هذا الكتاب على تجربة مجموعة موسيقيين: عازف الإيقاع فارس عنبر، وعازف الجيتار أحمد حداد، ومجموعة من الشباب اللاجئين في إسطنبول ليستعرض نظرية "الرفقة"، حيث لا يكون الرفاق مجرد أصدقاء، بل هم منتمون وملتزمون بأيديولوجية سياسية.  ويتعهد هؤلاء الشباب بالتضامن والتعاون ليس فقط لمواجهة التهميش وظروف الحياة الصعبة في بلاد اللجوء أو البحث عن فرص لأداء الموسيقى والغناء، ولكن أيضاً من أجل تعزيز قيم العدالة الاجتماعية، وإن كان ذلك من خلال الموسيقى.

هؤلاء الشباب يجتمعون في إسطنبول، قادمين من المغرب وإيران وفلسطين وتركيا، ويغنون جميعاً "راجعين يا هوى" لفيروز، ليس فقط من أجل فلسطين، ولكن كذلك لإيمانهم بمستقبل أفضل في أوطانهم التي اضطروا إلى تركها بسبب ظروف اقتصادية أو سياسية متجذرة برأسمالية متوحشة.

يقول الكاتب: "كونهم رفاقاً يعني الهروب من عزلة تحمل هذه الفترة بشكل فردي. ولكنها تعني أيضاً التعليم السياسي والمساحة لتصور موسيقى فلسطينية في المستقبل… إن هذا الالتزام غير المكتمل للفرقة الموسيقية يعني أن أزمات الساحات السياسية والاقتصادية في فلسطين وتركيا والعالم بشكل عام لا يمكن حلها إلا بشكل جماعي."  هذا الحجة التي تتوافق مع رأي الباحثة والناشطة النسوية كارول هانيش في مقالها "الشخصي السياسي" لعام (1969) والذي تجادل فيه قضايا النضال من أجل الإصلاح الاجتماعي، فإن الجهد الفردي مهما كان عظيماً لن يستطيع حل مشاكل "جماعية" سواء كانت اجتماعية، أو اقتصادية، أو سياسية. هذا التغيير يحتاج بالضرورة إلى تضامن وتعاون بين مختلف التيارات والفئات المؤمنة بالتغيير الحقيقي في المجتمع والساعية إليه أولاً، بعيداً عن المصالح والاهتمامات الفردية والأيديولوجية.

لا ننسى الأسرى 

يُذَكِّر الكتاب، الذي يقدم الموسيقى والفرح كمقاومة في السياق الفلسطيني، القارئَ الغربيَّ بتعرض الموسيقيين والفنانين في فلسطين وخارجها لأشكال متعددة من القمع والعنف بسبب الاستعمار البريطاني والإسرائيلي، بما في ذلك الحروب والسجن والتعذيب. وتهجير الفلسطينيين قسراً وتعريضهم لآليات قمعية مدعومة من قبل القوى الإمبريالية التي تدعم الدولة الصهيونية. في عام 2022، كان يوجد حوالي 4650 سجيناً سياسياً في السجون الإسرائيلية بينهم 200 طفلاً وقاصراً، بالإضافة إلى المحتجزين في مراكز حدودية في عدد من الدول العربية وحتى في إنجلترا. على الرغم من ذلك، لا تعتبر الموسيقى مجرد آلية رومانسية في وجه الاحتلال؛ إذ تعتبر الموسيقى هي تجربة عن الاستمتاع والفرح رغم القمع والحصار والتهميش، ولأن الفرح يُعتبر "مقاومة" في حد ذاته فقدرة المضطهدين على تحمل مثل هذه الظروف القاسية يزعزع "سلطة" المحتل التي تسعى لسيطرة اليأس والقهر على روح الشعب المقاوم.

ختاماً في هذا المقال، يُعد الكتاب أرشيفاً للموسيقى والثقافة الفلسطينية منذ النكبة والوضع السياسي والاجتماعي في دول الشرق الأوسط.  ويؤكد الكتاب على دور الموسيقى في التعبير عن قضية تحرير فلسطين وثقافتها، حيث تعتبر الأغاني والعزف الموسيقي جزءاً مهماً من تاريخ الشعب الفلسطيني ومقاومته ضد القمع والحصار.  ويدخل الكتاب بذلك في اهتمام المختصين في التاريخ والعلوم الاجتماعية واللغة، بالإضافة إلى المهتمين بالبحث الموسيقي. 

يُذكر أن لوس بريهوني باحث موسيقي متخصص في الموسيقى الفلسطينية، حاصل على درجة الدكتوراه في التأليف الموسيقي، وقد قام بإخراج فيلم وثائقي حول فلسطين بعنوان "كوفية: ثورة من خلال الموسيقى". نال الفيلم تقديراً كبيراً وحصد العديد من الجوائز. كما قام بإجراء العديد من الأبحاث وكتابة المقالات حول فلسطين والثقافة السياسية فيها، وتم نشر هذه الأبحاث في دوريات محكمة ومجلات متخصصة.

المصدر: عربي بوست

Rate this item
(1 Vote)
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل تساهم المهرجانات الفنية في الحفاظ على هوية الموسيقى العربية والترويج لها؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM