أصوات فلسطين المتناثرة: مقدّمة عن الأرشيف الموسيقيّ والمسموع

غلاف اسطوانة فرقة الفجر الفلسطينية

 

0211.jpg

بقلم د. بشار شموط[1]

تميّزت فلسطين عن باقي بلاد الشام وحتى عن مصر بتاريخها الثري من التراث الموسيقي المسموع، وتحديداً منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى بدء النكبة وما بعدها. ويعود ذلك أولاً للتعددية العرقية والدينية والاجتماعية التي تواجدت تاريخياً على أرض فلسطين وما كان لها من تفاعل وعطاء متنوع ميزها عن غيرها من الموسيقى العربية، مثل المقطوعات الموسيقية التي نشأت في النصف الأول من القرن الماضي في الكنائس الفلسطينية على أسس وقواعد الموسيقى الغربية الكلاسيكية، ولكن بروحٍ فلسطينية (مثل مؤلفات سلفادور عرنيطة وأوغوستين لاما) والتي كانت نتيجة مباشرة للتفاعل والاندماج الديني والثقافي مع أوروبا.  وبالمقابل، التداخل الأكبر مع العديد من الموسيقيين العرب الذين أتوا من شرقي الوطن العربي وبلاد الشام وقصدوا فلسطين كمعبر لهم إلى مصر وأدخلوا الكثير من المقامات والأنغام والألوان السمعية المتنوعة على الحياة الموسيقية الفلسطينية.  وهكذا نشأ في فلسطين قبل النكبة جيل من الموسيقيات والموسيقيين امتاز باحترافه مهنة الموسيقى، ما شجع شركات إنتاج الأسطوانات العربية والدولية آنذاك (وأهمها شركة بيضافون) لاستقطاب أجمل الأصوات الفلسطينية وتسجيل نتاجها على أسطوانات الجراموفون وتسويقها.  وهذا بذاته شكل حراكاً موسيقياً رفيع المستوى في فلسطين دفع سلطات الانتداب البريطاني إلى تأسيس إذاعة "هنا القدس" عام 1936 لتكون ثاني إذاعة ناطقة باللغة العربية في الوطن العربي (بعد إذاعة القاهرة التي تأسست عام 1934)، ثم إذاعة "الشرق الأدنى" (1939 – 1940) لتكون ثاني إذاعة على أرض فلسطين.  وكان العمل الإذاعي في ذلك الوقت يعتمد تقنياً وبشكل أساسي على البث الحي والعزف على الهواء مباشرة، أمر تطلب مهارة عالية في الأداء الموسيقي كانت متوافرة في فلسطين.

وانتهى هذا المسار فجأة في ظل أحداث الحرب التطهيريّة "النكبة" عام 1948، فأُغلِقَت الاذاعتان، وأَغْلَقَت شركات انتاج الموسيقى مقراتها في فلسطين، ما اضطر العديد من الموسيقيين المحترفين إما الرحيل إلى مناطق اللجوء أو العمل في مجالات أخرى لتدبير لقمة العيش.  واستطاع عدد من هؤلاء الاستمرار في العمل في مجال الموسيقى إنما خارج الوطن، وكان لهم التأثير الكبير في الحياة الموسيقية في الدول العربية الحديثة النشأة حينذاك، والتي كانت بأمس الحاجة لعاملين محترفين في الإعلام الإذاعي والموسيقى، مثل روحي الخماش الذي أصبح من أهم القائمين على إذاعة بغداد، وصبري الشريف الذي بدأ عمله في إذاعة "الشرق الأدنى" في يافا والذي بدونه لما عرفنا "فلسطينيات فيروز" ولا "الرحابنة" ومهرجانات بعلبك.

تركت أحداث النكبة دمارًا وفراغا واسعين وعميقين في الحياة الموسيقية الفلسطينية، سواء في داخل الوطن المحتل أو في مناطق اللجوء والشتات. لأن فن الموسيقى بطبيعته فن جماعي يعتمد على الشراكة في الأداء وعلى توفير الوسائل التقنية المطلوبة وتمويلها، وهذا ما لم يحصل بعد النكبة مباشرة، إذ بقيت الحياة الموسيقية الفلسطينية شحيحة حتى منتصف ستينيات القرن الماضي. ومع ظهور منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1965 واستدراكها لأهمية الموسيقى كعامل موحِّد ومستقطب داخلياً لأبناء الشعب الفلسطيني - بالإضافة إلى دور الموسيقى والأغنية المسيّسة في إيصال الرسالة الوطنية ثورية الهوية إلى الخارج بشكل حضاري - بدأ دعم الأغنية الفلسطينية بشكلها الجديد والمسيّس يتبلور ويجسد الحراك الموسيقي الفلسطيني المستجد.

وعملت منظمة التحرير على تأسيس ودعم العديد من الفرق الموسيقية (وأشهرها "العاشقين") وخرجت مئات الأغاني الثورية التي امتازت بتركيبتها وأشكالها الموسيقية المتنوعة والتي كان لمصر وإذاعة "صوت العرب" تحديداً وكذلك لسوريا دور أساسي في آلية أدائها وإنتاجها.  ذلك بالإضافة إلى العديد من الموسيقيين العرب المتضامنين مع القضية الفلسطينية والذين تركوا بصماتهم الواضحة على الإرث المسموع الفلسطيني، مثل مارسيل خليفة وسميح شقير وغيرهما كثر. إلا أن هذا الحراك الموسيقي في الشتات كان ينمو خارج الوطن المحتل وبمعزل عن الحياة الموسيقية داخل فلسطين، التي استمرت وتطورت باعتماد ذاتي ومحدود التفاعل الموسيقي والثقافي مع باقي أطراف الوطن العربي. ثم جاءت الانتفاضة لتخلق انتاجاً موسيقياً آخر مميزاً وجديداً، تمكن من التلاحم بأشكال مختلفة مع المحيط العربيّ.

مع التطور التقني الحديث لأليات الإنتاج الموسيقي وتوفرها في فلسطين في تسعينيات القرن الماضي وتأثير الواقع الذي انتجتهُ اتفاقيّات "أوسلو" مثل نشوء مؤسسات غير حكومية في الضفة وقطاع غزّة تعمل في مجال الثقافة والموسيقى أيضاً، بدأت الأجيال الجديدة من الموسيقيين تعمل على تطوير أنماطها الموسيقية الخاصة بها بشكل ذاتي، وبدأت تندمج مع أشكال مختلفة من الألوان الموسيقية العربية والعالمية. فأُنتجت عبر الأعوام الثلاثين الماضية لربما آلاف الأعمال الموسيقية للجيل الجديد من الموسيقيين الفلسطينيين تمتد من أغاني "الراب" باللغة العربية مروراً بالأغاني الشعبية والشائعة وصولاً إلى مؤلفات موسيقية أوركسترالية.  وظهرت أيضا مئات الأغاني التي أنتجها موسيقيون عرباً وأجانب وعبروا بذلك عن تضامنهم مع القضية الفلسطينية، وكلها تمتلك مكانتها في "الأرشيف" الصوتي لفلسطين.

لكن نسأل أين هذا "الأرشيف"؟

كل هذا العطاء الموسيقي فائق الامتياز والخاص بفلسطين وبشعبها الذي يوثّق كل الحالات الاجتماعية والتاريخية والسياسية والثقافية التي مرّت بها فلسطين عبر أكثر من قرن، وهو موجود على تسجيلات ووثائق مسموعة، لكنها متناثرة في مجموعات وأرشيفات عالمية عديدة وعربية وإسرائيلية أيضاً، لكنه بحاجة ماسة إلى الحفاظ عليه وفتحه بشكل ممنهج ومفهرس ليتيح المجال أمام الباحثين والموسيقيين وغيرهم من المهتمين معرفة هذا الارث الثريّ والوصول إليه.

لا توجد حتى الآن أي مؤسسة رسمية وطنية تعمل على جمعِ هذا الإرث وفتحه أمام الجمهور. لكن بالمقابل توجد عدة مبادرات منها ما هو فردي ومنها ما يتبع مؤسسات غير حكومية تعمل على حفظ أجزاء من الموروث الفلسطيني المسموع، نذكر منها مشروع «مجاز" والذي يعمل على إعادة إصدار مجموعات الأغاني الفلسطينية التي أنتجت في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وهناك مبادرة "مكتبة الموسيقى الفلسطينية"، ومبادرة مؤسسة "نوى" التي تعمل على توثيق الإرث الموسيقي لفلسطين منذ عصر النهضة العربية في أواخر القرن التاسع عشر وحتى النكبة في منتصف القرن العشرين.  ناهيك بالمجموعات الأرشيفية الصوتية لـ"مؤسسة الدراسات الفلسطينية" والـ "المتحف الفلسطيني" وغيرهما، علماً بأن هذه ليست خاصة بالأرشفة الموسيقية أو الصوتية.

ويضيقُ صدرنا كلّما نتذكّر أن أجزاء مهمّة وكبيرة من إرثنا الموسيقي الفلسطيني التاريخي ليست في أيدي فلسطينية، مثل التسجيلات الصوتية التي جمعها في ثلاثينيات القرن الماضي المؤرخ الموسيقي روبرت لاخمان والموجودة اليوم في "الأرشيف الوطني الإسرائيلي"، والأهم منها عشرات أسطوانات الجراموفون التي أنتجتها شركة "بيضافون" في عشرينيات القرن الماضي لمغنين ومغنيات من فلسطين لم نجد منها سوى أسطوانتين لـ"رجب أفندي الأكحل" في أرشيف المتحف الأثنولوجي في برلين ضمن مجموعة (Berlin Phonogramme Archive) والتي احتُفِظ بها في هذا الأرشيف من عشرينيات القرن الماضي ثم أُخِذت كـ "غنائم حرب" إلى الاتحاد السوفييتي في العام 1945 ثم أُعيدت الى ألمانيا الموحدة في العام 1991 حيث هي اليوم.  ثم هناك جزء كبير ومهم جدا من التسجيلات الصوتية التي نهبتها إسرائيل في لبنان في العام 1982 وما زالت تحتفظ بها كغنيمة حرب في الأرشيف العسكري الإسرائيلي ومغلق عليها.

فلسطين، وبالإضافة إلى كل ما تعانيه اليوم، هي بأمسّ الحاجة إلى مبادرة وطنية مهنية تعمل على تأسيس أرشيف سمعي وبصري متخصص، أو على الأقل ربط كافة المبادرات العاملة في هذا المجال بشكل أو بآخر بعضها ببعض لنجدة هذا الإرث من الضياع والحفاظ عليه لأولادنا والأجيال القادمة.


 

[1]  مهندس صوت فلسطيني وخبير في مجال الأرشفة الرقمية المرئية والمسموعة.  تخصص في التاريخ السمعي والبصري لفلسطين وتراثها الثقافي، له عدة مقالات وكتاباً في الموضوع.  ساهم في إنشاء معهد الإعلام في جامعة بيرزيت.  يعمل بجانب وظيفته الأساسية في الأرشفة الرقمية في ألمانيا كأستاذ محاضر زائر في مجال الصوت وتكنولوجيا الإعلام في مؤسسات مختلفة في فلسطين والشرق الأوسط.

Rate this item
(1 Vote)
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل تساهم المهرجانات الفنية في الحفاظ على هوية الموسيقى العربية والترويج لها؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM