arenfrfaestr

التقاسيم والمهارات الأدائية عند محمد القصبجي وجميل بشير

(دراسة مقارنة بين مدرستين)

سامي نسيم عداي(العراق)

 

مقدمة

تعد التقاسيم  (الارتجالات) (musical improvisation)([1]) أحد الأنماط الموسيقية التي ميّزت الموسيقى العربية، وشكلت حضوراً لها لدى العازفين العرب والجمهور، وأكدوا من خلالها على مهاراتهم، وقوة مواهبهم، مضافا إلى ذلك التأكيد على الهوية الموسيقية العربية، والتي تجلت من خلال استرسالهم بسبك الجمل الأدائية الآلية من تصوير مقامات وانتقالات متقنة بين سلالمها تبين قدرة الاستحضار الفني وروعة الصياغة النغمية المدروسة، وإظهارها مباشرة دون تحضير مسبق، وبما يعرف بالارتجال المباشر مثل نظير له في الشعر الفصيح عند الشعراء الفطاحل, وكذلك الارتجال بمواويل المطربين الكبار، وإن كان الميزان في الجمل الموسيقية داخلياً وحراً أكثر منه في الشعر الذي يعتمد البحور الشعرية والتفعيلة. وتوجد أنماط من التقاسيم المصاحبة للإيقاع تعتمد الجملة اللحنية الموزونة، ولكن يبقى فن تركيبها وأدائها وليد ساعته دون تحضير مسبق إلا فيما ندر، وهنا يقوم العازف بدورين هما الأداء الآلي المتقن، وكذلك تلحين وابتكار الجمل وجسورها اللحنية آنياً.  وقد شمل هذا الأمر جميع الآلات الموسيقية، وحتى الآلات الإيقاعية ولو بشكل محدود.  وقد اعتبرت التقاسيم مقياساً لبراعة العازف، ومهارته، وتبحره في المقامات وتصويرها، بالإضافة إلى مهارته العزفيّة التي مكنته من الأداء الرفيع.  وتُلاحظ متابعة سمعية من الجمهور الذي تعود على هذا النمط الموسيقي المعروف، وقد تربت أسماعهم عليه من خلال أساطين التقاسيم في الموسيقى العربية.  وكتب لبعض هذه التقاسيم الخلود من خلال الذاكرة السمعية لدى الأجيال الموسيقية العربية وإرث ملحنين كباراً ومطربين، على سبيل المثال لا الحصر تقاسيم محمد القصبجي ورياض السنباطي من مقام النهاوند وتفرعاته في قصيدة (أشواق) وكذلك فريد الأطرش بمقام الكرد وتفرعاته في أغنيتي "الربيع" و"أول همسه،" والتي ما زالت تعيش في الأسماع، وينهل منها الدارسون لعدة أجيال، علاوة على التقاسيم بالآلات الأخرى، ومنها الناي والقانون والكمان.  وهناك من أفرد للتقاسيم حيزاً بالغاً في منجزه الفني نظيراً لألحانه تفرد به عن سواه أمثال محمد القصبجي، وعازفي العود العراقيين أمثال جميل بشير ومنير بشير الذين تركوا إرثا كبيراً من فن التقاسيم (الارتجال) بمختلف المقامات العربية.  وسنأتي في متن بحثنا بدراسة مقارنه بين هذه المدارس الفنية الموسيقية العربية الأصيلة للوقوف على مواطن الإبداع فيها، وتنوعها، وتعدد مشاربها والراسخ منها بديمومته، وتفرده عن غيره بثراء محتواه.  ونتناول بدراسة مقارنة مدرستين ترسختا وحققتا حضورهما عبر أجيال نهلت من أصولها ومناهجها وعناصر التجديد والابتكار فيها.  والمدرستان هما المدرسة المصرية ممثلة بمحمد القصبجي والمدرسة العراقية ممثلة بجميل بشير.  وجديد البحث هو الوقوف على الإضافات النوعية والتجديد بالأسلوب الفني للتقاسيم والمحافظة على هوية الموسيقى العربية من خلال ايمانهم بروحها وأصالتها دون الارتماء الكامل في أمواج الموسيقى الوافدة من وراء البحار بغض النظر عن المعرفة بمناهجها ومكامن الإبداع فيها.  ولا يقتصر فن التقاسيم أو الارتجال على الآلات الموسيقية فقط بل أساسه أداء صوتي أيضاً من مواويل وليالي لكبار المطربين العرب وعلى رأسهم أم كلثوم وعبد الوهاب وفريد الاطرش ومحمد القبانجي وناظم الغزالي وصباح فخري وآخرون.

فن التقاسيم عند محمد القصبجي:

يعد محمد القصبجي (1892 – 1966) من رواد المدرسة الموسيقية المصرية الجادة.  ولد في القاهرة لعائلة موسيقية فوالده العواد الشيخ علي إبراهيم القصبجي (1854- 1924) كان مدرساً لآلة العود وملحناً في حي عابدين.  تخرج محمد من مدرسة المعلمين، ودرس اللغة العربية والمنطق والفقه في جامعة الأزهر، وهو من أهم عازفي العود في القرن العشرين، واستمر عازف عود في فرقة أم كلثوم لمدة 22 سنة.

 

 

 

استهل القصبجي أول تسجيلاته لفن التقاسيم المنفردة عام 1921 بثلاث أسطوانات لشركة أوديون، واعتبرت هذه ثورة في عالم العود حسب رأي النقاد. سجل باثنتين منها أربعة تقاسيم من مقامات الرست والنهاوند والبيات والحجاز، وكذلك أعاد التجربة عام 1923 بأربع أسطوانات لشركة بيضافون.  ومن أهم ما تميزت به هذه التسجيلات صوت عود القصبجي، وتسوية أوتاره وعددها (العود السداسي والعود السبعاوي) وهذا أحد أوجه الدراسة والبحث التي سأتناولها لاحقاً مع الموسيقار المجدد (جميل بشير) وإضافاتهم للعود صناعة وتحديثاً بفن التقاسيم، ونوع الأوتار، وعناصر التقارب بين المدرستين، ولا نريد أن نذهب بعيداً ونسبق تفاصيل البحث، بل نريد أن نبقى في موضوع فن التقاسيم عند القصبجي، والتي وسع لها من خلال إضافات نوعية بطريقة تسوية الأوتار بمنطقة القرارات، حيث كان نصب أوتار العود السداسي أي دوزانه (يكاه، عشيران، دوكاه، نوى، كردان، قرار جهاركاه) (صول، لا، ري، صول، دو، فا قرار)، والعود السبعاوي يضاف له وتر قبل اليكاه (قرار دوكاه) ويتغير نصبه حسب المقام.  وينصب سيكاه وقرار رست وحسب الحاجة.  وعلى أثر هذه التعديلات يكون لديه ثلاثة دواوين بعد أن كان لدى من سبق القصبجي ديوانين.

 

 

تأثر القصبجي بأداء الفنان سيد السويسي([2]) في بناء الجمل اللحنية المرتجلة وتراكيبها.  وفي فترة أخرى تأثر بجميل بك الطنبوري([3]).  وتعتبر فترة عشرينيات القرن الماضي التي استهلها القصبجي عصراً ذهبياً للعزف المنفرد حيث سجلت فيها اسطوانات لداود حسني، وسامي الشوا، وشحاده سعادة، ورياض السنباطي وعازف العود العراقي عزوري هارون([4])، والتونسي خميس ترنان.  كما عرف عن القصبجي سعيه الدؤوب لتحسين صناعة العود المصري، فتدخل بوضع قياسات وأحجام جديدة وبطول الوتر، حيث قصره من 64 سم إلى 60 سم.  وله الفضل في تثبيت طول العنق إلى طول الوتر بالثلث والثلثين كما هو في العود المعاصر. وتعاون في تحقيق ذلك مع صناع من أمثال عبد العزيز الليثي صانع معظم أعواده التي منها العود السبعاوي عام 1920.  وكذلك تعاون مع صانع عوده السداسي الحفناوي الكبير عام 1925.  وهذه كلها أتاحت للقصبجي حرية تامة نتيجة إثراء عوده بالأوتار وتحديث تسويتها وقد مكنته من المقامات وباتساع أكبر للتقاسيم الاحترافية بمساحة صوتية من قرارات وجوابات واضحة.  كما وفرت له الأوتار الغليظة وتوضح ذلك مقطوعته كابريس، وسماعي الرست في الخانة الثالثة حيث احتوت الجملة الأخيرة على ثلاثة دواوين من مقام الرست.  

وتميز القصبجي بقوة ضربة ريشته متأثرا بالسيد السويسي, وذلك بمقدرة على إسماع صوت العود من بين آلات التخت في تسجيل المقطوعات، كما تفنن في استعمال الريشة بأسلوبين مختلفين هما الضرب الدائري أو المنتظم ,وبما يعرف الآن بالريشة المقلوبة صداً ورداً، إلى جانب أنه أتقن التنويع بالمقامات في تقاسيمه، ومد جسور ساحرة فيما بينها.  وحاكاه في ذلك رياض السنباطي ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش الذين تتلمذوا على يده مدة خمس سنوات.  وبذلك يكون فن التقاسيم عند القصبجي هو السمة الأبرز للهوية العربية المصرية، وصاحب التجديد فيها حيث كان له السبق في استخدام الوتر كاملاً بأنامل ساحرة خضعت لمران وتحدٍ طويل نتج عنه قدرة فائقة بـ الإتقان والتطريب على حد سواء، مضافا لذلك براعة بتصوير المقامات والانتقالات المدروسة بين نغم وآخر.  ونهل من هذا الأسلوب الراسخ لفن التقاسيم الموسيقية العربية الأصيلة الكثير من الأجيال التي تربت أسماعها على المفيد والرصين مما تركه الموسيقار محمد القصبجي من ثروة فنية هائلة، ومنهم أبرز طلبته عبد الوهاب والسنباطي وفريد الأطرش.  ومن تلك التقاسيم سجلت باسطوانات نادرة لشركة أوديون بمقامات الرست والنهاوند والبياتي والحجاز - أحدثت في وقتها نقلة نوعية لفن التقاسيم وتطوير الذائقة العامة فيه.

فن التقاسيم عند جميل بشير

ولد الموسيقار جميل في مدينة الموصل (1921- 1977)، والده يعزف العود ويصنّعه، كما والد القصجي. له شقيقان هو أكبر منهما، وهما عازف العود الشهير منير بشير وأستاذ الكمان فكري بشير.  وعند تأسيس معهد الفنون الجميلة في بغداد عام 1936 كان جميل أحد طلبة دورته الأولى حيث درس العود على يد المعلم الكبير الشريف محيي الدين حيدر([5]) وكان في نفس الوقت يدرس الكمان على يد ساندو آلبو([6])، وتميز في الآلتين.  تخرج عام 1943 من قسم العود وعام 1946 من قسم الكمان وبدرجة امتياز. عين في المعهد عام 1943 كمدرس لآلة العود ومدرس مساعد لآلة الكمان، وشغل رئاسة قسم الموسيقى والإنشاد، وقد وضع كتاباً منهجياً لتدريس آلة العود عام 1961 ما زالت تعتمده المدارس الموسيقية العراقية إلى الآن.

 

 

بدأت مظاهر النبوغ الموسيقية عند جميل بشير مبكرة وأثناء دراسته، حيث تمتع بمهارات وبتفوق سابق لعصره.  ويرجع ذلك في جزء كبير منه لمعلمه الموسيقار البارع المجدد الشريف محيي الدين حيدر الذي نهل منه الكثير والمثير في عالم التأليف والتقاسيم.  وكذلك واكب الانقلاب الذي أحدثه الشريف محيي الدين حيدر آنذاك بتحديث دراسة العود وتجديد أساليبه وفق ما تعلمه من مناهج عالمية عبر دراسته آلة التشيلو والتفوق فيها، ونقل تقنياتها وطريقة انتقال الأصابع فيها لعنق العود وهي طريقة وأسلوب لم يكونا معروفين من قبل.

دأب جميل بشير على تعديل تسوية الأوتار برفعها لطبقات عالية غير مألوفة من قبل عرفت من خلاله وميزت صوت عوده عن سواه بأصوات حادة لمنطقة الجوابات (صول، ري، صول، دو، فا) مضيفا وتراً سادسا قرار يكاه ويغير تسويته حسب الحاجة.

استقدمت الإذاعة العراقية مبكراً جميل بشير ليقود فرقها الموسيقية، ويصدح عوده الرنان بتقاسيم مثيرة بجرأتها وغير مشابهة لمن سبقه من عازفي العود، ومنهم اليهود العراقيون الذين غادروا العراق وتركوا الساحة الفنية فارغة، مثل عازف العود هارون عزوري الذي رافق مطربي المقامات العراقية، وسجل الكثير من التقاسيم، وشارك في مؤتمر الموسيقى العربية عام 1932.

كذلك وظف بشير الكمان وبرع بعزفه في الإذاعة، وشركات التسجيل، ومع ظهور المطربات آنذاك.

 

 

أسس جميل بشير ستوديو خاصا به عام 1959 يديره بنفسه يصدر اسطوانات فيه اسمه (بشير فون) وسجل لكثير من المطربين فيه وحتى منها أسطوانة لوالده احتوت على تراتيل كنسية، ليلبي حاجته بتسجيل التقاسيم المنفردة على العود بأسلوب متميز تفوق فيه على كل من سبقه، وكذلك القطع الموسيقية التي قام بتأليفها ومنها (أيام زمان) و(رقصتي المفضلة).  وقد برع بالتقاسيم بهوية عراقية خالصة، ولم يبق بجلباب معلمه حيدر الغالب على تقاسيمه وموسيقاه الأسلوب التركي البحت.  فجاءت تقاسيم جميل بشير تحاكي روح الغناء البغدادي وصوت المطربات, فيشدو العود بأسى بالغ وطرب أخاذ لم تألفه الأذن من قبل، وعرف بأسلوبه وتقنيته العالية وسرعة ريشته وأنامله التي لا تقف عند حدود في الأوتار بل تعداها إلى مناطق الجوابات باحثة عن كل صوت لتغرد به أنامله، فكان أعجوبة زمانه وسابقا لعصره، وأبحر بتقاسيمه باتجاه كل البيئات العراقية ومناخاتها - الريفية والبغدادية، وكذلك الجبال -  وترك إرثاً زاخراً فيها.  وما زال أسلوبه في التقاسيم مثيراً للدارسين والمتذوقين لموسيقى العود المعاصر.  وتمكن جميل بشير من تسجيل تقاسيم بعوده مرة وبالكمان مرة أخرى متناولاً كافة المقامات.  وجاءت هذه التقاسيم رفيعة المستوى تعكس براعته المطلقة وتقنيته العالية.

ويعود لجميل بشير الفضل بنشر تقنيات العزف على العود بشكل معاصر، ومنها تقنيات أصابع اليد اليمنى، وأنواع الأداء في الريش المختلفة، وكذلك استغلال كل طول الوتر بمناطق الجوابات.  وكتب للعود أعمالاً موسيقية ما زالت تشكل تحديات للدارسين مثل (سماعي نهاوند) الذي يتبارى بتأديته الطلبة المتفوقون دراسياً بمواهبهم وغزارة تمارينهم.

وأدى بشير تقاسيم بالمقامات العراقية ممهداً لأغاني فلكلورية يوثقها ببراعة عالية، فكان أسطورة عصره بالتطريب وسلاسة الأداء بريشة وأنامل ساحرة ميزته عن كثير من العازفين في زمنه.

سحر جميل بشير الأسماع فلقّب بـ (الوتر الطروب), وقد سجل الكثير من الأعمال مع المطربين في الإذاعة العراقية التي كان يرأس فرقتها الموسيقية، وكذلك في الأستوديو الخاص به.  ومن أبرز المطربين الذين تعاون معهم الفنان الكبير مطرب المقامات ناظم الغزالي([7])، وتجلت عبقرية عزفه للعود كمثال بأغنية (أحبك).

دراسة مقارنة بين المدرستين:

الآلات التقليدية هي ميزة الموسيقى العربية، ويتقدمها العود كسمة بارزة لها، وتأتي التقاسيم كنمط موسيقي حاضر فيها، ويشكل معياراً لقيمة ما يؤديه العازف من مهارات بآلته آنياً ومباشرة للجمهور أو في التسجيل الصوتي، وكلاهما يعتمد على المراس والخبرة الطويلة، وقد أفصحت تلك التقاسيم عن هوية الموسيقى التي عبّر بها العازف عن مكنون ذاته وخلجاته، وقدراته في الابداع وجذب الجمهور لمتابعته بشكل مباشر عبر الانتقالات النغمية.  ولعل المدرستين المصرية والعراقية تميزتا بمواطن إبداع اختلفت كثيرا عن المدارس الأخرى أمثال التركية والشامية بخصوصية الهوية.  وحامل لواء المدرسة العربية للتقاسيم هو الموسيقار محمد القصبجي معلم أجيال على العود.  وفي العراق يحمل لواء التجديد الأصيل الموسيقار جميل بشير صاحب الريادة في فن موسيقى العود المعاصر.  أصبح القصبجي وبشير علامتين بارزتين تهتدي بهما الأجيال، وشكلا مدرستين مكتنزتين بالمعرفة والجمال، لكل منهما شخصية موسيقية.  والتقت المدرستان بالتطريب ولم يبتعدا عن المهارات والتقنية، فتحقق الهدف: الوصول إلى موسيقى رفيعة من التقاسيم كانت منهلا للدارسين والمتذوقين لفن موسيقى العود العربي.  وقد قال الموسيقار محمد عبد الوهاب عن تقاسيم أستاذه القصبجي وحركة أنامله وتنقلاتها بين الأنغام ببراعة لا نظير لها: "لأول مرة كان يُسمع العود من القصبجي كالمطرب تماما، وقد زحف بيده اليسرى التي تعفق الأوتار وصعد بها على الوتر، في الوقت الذي جرت العادة أن تبقى اليد اليسرى جامدة عند الرقبة لا تتحرك فيها الا الأصابع على الأوتار، أما اليد نفسها فإنها كانت كالحجر لا تتحرك". ومثل ذلك قاله عبد الوهاب حين استمع في بيروت لعزف جميل بشير، وأذهلته سرعة أنامله وعذوبة ريشته، فقال عنه: "لو كان هناك أوركسترا واحدة للموسيقى العربية، فلا يصلح غير جميل بشير عازف عود فيها".  وفي لقاء تلفزيوني جمع في عام 1976 الملحن الكبير سيد مكاوي وجميل بشير، استمع الأول لشدو تقاسيم أوتار بشير فقال: "الفنان جميل بشير يعزف بشكل متطور جداً مشرف لنا كعرب."  

وعود على بدء، فإن التقاسيم هي المعيار الفني لبراعة العازف بالنسبة لجميع الآلات الموسيقية لكونها تترك له الحرية لاستعراض مهاراته وخبرته.  ومثل ذلك في الموسيقى الأوروبية ما يعرف بالكادنزا (Cadenza) ([8]) التي تمثل استعراضاً لأداء العازفين وقدراتهم الفردية.

وفي ما يلي جدول مقارنة بين محمد القصبجي وجميل بشير:

محمد القصبجي

جميل بشير

ولد لأب شيخ عازف عود وملحن

ولد لأب قس صانع وعازف لآلة العود

تخرج من دار المعلمين

تخرج من معهد الفنون الجميلة / معلماً

من أهم عازفي العود في زمانه

من أهم عازفي العود في زمانه

عزف بعود سداسي وسباعي الأوتار

عزف بعود سداسي الأوتار

غير تسوية أوتار العود وعدل بصناعته

غير تسوية أوتار العود وأنجز كتاباً دراسياً

حافظ على هوية المدرسة المصرية وطورها

حافظ على هوية المدرسة العراقية وطورها

مؤلف من الطراز الأول (سماعي الرست احتوى على ثلاثة دواوين كمثال لذلك)

مؤلف من الطراز المعاصر (سماعي نهاوند احتوى على ثلاثة دواوين كمثال لذلك)

عزف مدة 22 عاما ًمع أم كلثوم

عزف مع ناظم الغزالي أكثر من 22 عاماً

تتلمذ على يده الكبار مثل: محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي وفريد الأطرش

تتلمذ على يده منير بشير وعازفون آخرون

ترك ثروة من التقاسيم بالمقامات العربية والمؤلفات الموسيقية والغنائية

ترك ثروة من التقاسيم بالمقامات العربية والمؤلفات الموسيقية

تأثر بمعلمه سيد السويسي

تأثر بمعلمه الشريف محيي الدين حيدر

من رواد تسجيل التقاسيم على اسطوانات

من رواد تسجيل التقاسيم على اسطوانات

 

التأثيرات المعاصرة على فن التقاسيم:

حدث أن تأثرت أنماط وأشكال موسيقية عربية كثيرة بسطوة المعاصرة والتجديد من خلال الفن الموسيقي الوافد.  وفقدت هذه الأنماط والأشكال بريق دهشتها عن الأجيال التي انساقت وراء صرعات موسيقية لا تمت بأي صلة للواقع الموسيقي العربي المتوارث، ومن تلك القوالب السماعيات والموشحات وكذلك التقاسيم موضوع البحث.  وإن وقعنا عليها بين الشباب لوجدناها مشبعة بجمل الفلامنكو الإسبانية وآربيجات (Arpeggio)([9]) وسلالم([10]) الموسيقى الأوروبية (musical scale) في محاولة لإبراز مهارات وتقنيات مختلفة عبر تغريب الجمل الموسيقية.  وبذلك حصل ابتعاد عن أصالة التقاسيم العربية وسلطنتها المعتادة من أساطين النغم العربي.  وطبعاً حدث هذا بين أوساط الشباب الذين تشبعت أسماعهم بالجديد المقتضب الخالي من العمق الذي تبثه القنوات الفضائية، وكذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي.  وبقيت هذه الأنماط ومنها التقاسيم أسيرة مقاعد الدراسة في المدارس الموسيقية العربية، وتقلص دور العزف الانفرادي في الحفلات، وكذلك عزفت عنه شركات التسجيل الصوتي، إلا فيما ندر.  لكن بعض الموسيقيين بادروا إلى توثيق التقاسيم بفضول ذاتي أكثر منه برغبة جماهيرية.  وقد أدرك ذلك مثلاً الموسيقار روحي الخماش([11]) في بداية ثمانينيات القرن العشرين مع انحسار مكانة الموسيقى العربية الأصيلة، فقال: "تركت تلحين الموشحات والسماعيات والتقاسيم بعد أن شعرت بأن الجمهور ابتعد عن ذائقته الرفيعة وانساق وراء الرخيص الفاقد للقيمة الفنية، لذلك عدت لمهنة والدي وأجدادي وهي الزراعة".

امتازت تقاسيم الخماش بعمق أصالتها وخباياها النغمية الآسرة، كونه من اتباع القصبجي الذي ينطق بمقامات عربية فصيحة.  وهذا ما جعل تقاسيمه تقتصر على محافل معينه منها مهرجانات متخصصة بالموسيقى العربية، وأخرى بمسابقات للآلات الموسيقية العربية تضمن سياق فعالياتها على التقاسيم والارتجال لتقييم العازفين ومدى معرفتهم وخبراتهم بهذا النمط الموسيقي الذي يعد من ركائز الموسيقى العربية.

يوجد اليوم من يؤدي التقاسيم مع المطربين بفسحة بسيطة قبل المواويل وبعد المقدمة الموسيقية للفرق، وذلك في الحفلات العامة التي تحظى بجمهور واسع.

 

أنواع التقاسيم في الموسيقى العربية:

  1. التقاسيم المصاحبة للغناء: وهي تقاسيم تؤدى قبل الغناء تمهد بارتجال حر على آلة موسيقية معينة وبمقام الغناء نفسه، ومدتها مختلفة، وأمثلة ذلك كثيرة منها تقاسيم الملحن رياض السنباطي قبل قصيدة (أشواق) وكذلك فريد الأطرش في (الربيع) و(أول همسه)
  2. التقاسيم الإيقاعية: وهي جمل موسيقية مرتجلة تسير مع ضروب الإيقاع واللازمة الموسيقية للفرقة المرافقة، وهي أصعب من التقاسيم غير الموقعة، كون العازف سيتقيد بالإيقاع المساير له. وتكمن براعته بابتكار الجمل المناسبة والخروج عن الإيقاع والرجوع إليه برشاقة ومهارة عالية، وغالباً ما تكون دون إعداد مسبق.
  3. التقاسيم الحرة المنفردة: وهي التقاسيم التي يرتجل فيها العازف منفرداً بحرية تامة ويقوم بسياحة موسيقية بين المقامات مضيفاً استعراضاً واسعاً لمهاراته بآلته مبيناً قدراته بالتنقل بين المقامات وابتكار القفلات المناسبة، والتي تزيد من حماسة المتلقين فيبادرونه بعبارات الثناء والتصفيق.

 

 

تدوين التقاسيم بين القبول والرفض:

مثلما عمد البعض إلى تدوين الليالي والمواويل المرتجلة، والمقامات والأطوار العراقية، بغرض عزفها مستقبلاً وتداولها والحفاظ عليها وتمكين طلبة المدارس الموسيقية من دراستها، عمد آخرون إلى تدوين التقاسيم.  وقوبل التدوين في الحالتين بالقبول والرفض في نفس الوقت.  الرفض بحجة صعوبة تثبيت الأمر لكونه يفقد العفوية والتلقائية، ويتحول إلى قالب جامد لا حيوية فيه.  ويقول نبيل اللو ([12]) في كتابه عود على العود: "غير أن ظاهرة الارتجال هذه معرضة لخطر كبير، فالارتجال اليوم يكتب في مدونة ويسجل ويصور، وأصبحت الموسيقى العربية بفعل التكنولوجيا موسيقى محفوظة، ليس في أفئدة الموسيقيين وعقولهم كما كان الحال في الماضي،" بالرغم من أن هناك كتباً في تدوين الليالي والمواويل والمقامات([13]) والأطوار الريفية([14]) وغيرها.  وقد قام الموسيقار روحي الخماش بتدوين التقاسيم والغناء المرتجل بهدف التوثيق ولأغراض دراسية.  كما ظهرت هذه التدوينات في عدة كتب، منها كتاب "المغنون الريفيون وأطوار الأبوذية العراقية" لمؤلفه ثامر العامري([15]).  لكن ما زال الجدل بهذا الموضوع لم يحسم بعد، وهو مثار نقاش ودراسة بين الموسيقيين والباحثين لمعرفة جدواه.  وتبقى مثل هذه التجارب تمثل رأي أصحابها، وإن قوبلت بالإنكار والرفض من الآخرين.

التوصيات:

  1. إدراج مادة التقاسيم والارتجال ضمن المناهج الدراسية في المعاهد والكليات الموسيقية، وتطوير قابليات الطلبة من خلال الممارسة العملية والاستماع لنماذج قيّمة من تقاسيم الرواد على كافة الآلات الموسيقية العربية.
  2. تفعيل دور مسابقات الآلات الموسيقية العربية، ومنح التقاسيم والارتجال فرصة متميزة فيها لتشجيع القابليات الفنية وتمكينها من الأداء بحرية لإثبات قدرات المواهب الفنية.
  3. جمع المنجز الموسيقي المتعلق بفن تقاسيم الرواد والمحافظة عليه في مواقع الكترونية متخصصة ليكون في متناول الدارسين والمتذوقين على حد سواء.
  4. توجيه الفرق الموسيقية العربية التابعة للمؤسسات الثقافية الرسمية نحو التقاسيم والارتجال، بحيث تضمّن حفلاتها فقرات من هذا النمط الموسيقي الحيوي حفاظاً عليه من الاندثار.

 

المصادر والمراجع:

  • ابن الطحان، أبو الحسن محمد، حاوي الفنون وسلوة المحزون، تحقيق زكريا يوسف، بغداد، المجمع العربي للموسيقى، 1971.
  • اللو، نبيل، عود على عود، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت، 2016.
  • بشير، جميل، العود وطريقة تدريسه، إعداد حبيب ظاهر العباس، دار الشؤون الثقافية، بغداد.
  • جاسم، فراس ياسين، سلسلة بحوث موسيقية - الجزء الأول، مكتبة الفتح، بغداد، 2017.
  • الخلعي، محمد كامل، الموسيقى الشرقية، مطبعة مدبولي، القاهرة، 2000.
  • الخولي، سمحة، الارتجال وتقاليده في الموسيقى العربية، مجلة عالم الفكر، 1975.
  • العامري، ثامر الحسن، المغنون الريفيون وأطوار الأبوذيه العراقية، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد.
  • كامل، محمود، محمد القصبجي حياته وأعماله، الهيئة المصرية للتأليف والنشر، 1971.

 

[1] musical improvisation: مصطلح يستخدم في الإشارة الى موسيقى تعزف فورياً دون تأليف أو إعداد مسبق.

[2] السيد السويسي : عازف عود ورئيس تخت موسيقي عربي وهو من أهم عازفي العود في فترة العشرينات تأثر به محمد القصبجي .

[3] جميل بك الطنبوري: عازف ومؤلف تركي شهير ظهر في نهاية القرن التاسع عشر، تحظى مؤلفاته بالدراسة في كثير من الدول.

[4] عزوري أهارون: هو عزرا هارون عازف عود وملحن عراقي يهودي ظهر في بداية عشرينات القرن الماضي.  رافق الفنان محمد القبانجي إلى مؤتمر الموسيقى العربية الدولي الأول في القاهرة عام 1932.

[5] الشريف محيي الدين حيدر(1892- 1967): اسمه محيي الدين علي حيدر باشا، والده آخر أمير عينه العثمانيون بمكة، من أصل هاشمي، مؤسس أول معهد رسمي للموسيقى في بغداد عام 1936، عازف آلة العود وآلة التشيلو، مؤلف موسيقي.

[6] ساندو آلبو: روماني الأصل، مدرس لآلة  الكمان في معهد الفنون الجميلة ببغداد في فترة الأربعينيات من القرن العشرين.

[7] ناظم الغزالي (1921- 1963): مطرب عراقي تخرج من قسم المسرح في معهد الفنون الجميلة ببغداد. بدأ حياته ممثلا بعد ذلك تحول إلى الغناء في فرقة الموشحات، وبعدها أصبح ألمع نجوم الغناء العراقي، وطارت شهرته في كافة أرجاء الوطن العربي .

[8] Cadenza : هو مصطلح موسيقي يطلق على الارتجال الموسيقي لعازف آلة موسيقية ما يستعرض بها مهاراته وبراعته بالأداء بتقنية وأحاسيس تلائم خياله بوسط أو نهاية القطعة الموسيقية ومن روحها مثل الكونشرتو وغير ذلك .

[9] آربيجو Arpeggio: وهو تآلف تعزف نغماته متتالية وليس في آن واحد بفاصله ثالثه مثل سلم دو الكبير (دو، مي، صول، دو)

[10] سلالم scale: السلم الموسيقي في الموسيقى الأوروبية مكون من سبع درجات في السلالم الكبيرة (ماجور) والصغيرة (مينور).

[11] روحي الخماش: موسيقار وملحن وعازف عود عراقي من أصل فلسطيني له الفضل في تطوير الموسيقى العراقية والحفاظ عليها، أسس عام 1948 فرقة للموشحات ولحن لها تواشيح عديدة كذلك من مؤسسي خماسي الفنون الجميلة.

[12] نبيل رفيق اللو: عميد المعهد العالي للموسيقى بدمشق سابقاً، له عدة أبحاث موسيقية.

[13] المقام العراقي: وهو من أشهر الأشكال الغنائية العراقية القديمة يعتمد على أصول وثوابت أدائية صوتية لمقامات محلية وعربية.

[14] الأطوار: وهو من أشهر الأشكال الغنائية الريفية العراقية له أسلوب خاص بالأداء الصوتي المرتجل مع المحافظة على روحيته.

[15] ثامر العامري: باحث موسيقي عراقي له العديد من الكتب عن الغناء الريفي العراقي والمقام والشخصيات الموسيقية العراقية.

Rate this item
(1 Vote)
Last modified on الإثنين, 01 تشرين2/نوفمبر 2021 08:34
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل الموسيقى تزيد من إنتاجية الموظفين وتحسن مزاجهم؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM