arenfrfaestr

مانويل دي فايّا* - القسم الأول (بتصرف)

عبد العزيز ابن عبد الجليل

لعل الملحن الإسباني مانويل دي فايا أن يكون من بين معاصريه الموسيقيين الأقرب إلى بلوغ درجات الإتقان والكمال في الشكل والإيقاع والحياة المتقدة عاطفة والمعبرة عن الأجواء الإيبيرية.

في الطفولة

ولد مانويل دي فاياManuel De Falla  في مدينة قادس الفاتنة - أو "الكأس الفضية الصغيرة" يوم 23 تشرين الثاني/نونبر من سنة 1876 في أسرة ذات أصول أرستقراطية.

نشأ مانويل ميَّالا إلى الصمت والعزلة، على أن أجواء البيت تنبض - من حين لآخر - بالحياة من خلال بعض المقطوعات من "الكونتي هاندو" (الغناء العميق) التي كانت ترجعها الخادمة ذات الأصول المغربية كلما استفزها الحنين وشدها إلى أصولها.

وعلى مدى ستة أعوام من صباه، كان يقضي سحابة يومه في غرفة منعزلة تغذي خياله ملاحم أسطورية، وتمنحه متعة خلق عالم من حوله يملأ عليه حياته اليومية: عالم يبني فيه مدينة وهمية أسماها "كولومب"، حيث يستحضر ذكرى الملاح الكبير الذي أغوته ثروات الصين واليابان، فانطلق على عهد الملكة إيزابيلا الأولى في اكتشاف طريق الغرب المفضية إلى جنات أحلامه.  وكان يحكم هذه المدينة الوهمية بمنتهى الحزم والدقة، وينظم الحفلات ويدعو لها عموم الناس والمسؤولين ورجال الصحافة، ويؤلف الأوبرا ويقود الأوركسترا واثقا من نجاحه، لدرجة يخيل له فيها أحيانا أنه يسمع تصفيق الجمهور.

بدايات خجولة

كانت بداياته الأولى مع والدته التي علمته العزف على البيانو، ثم مع معلمين آخرين: إلويزا كَالُّوتزو  Eluisa Galluzzo، وأليخاندرو أوديرو Alejandro Odero، وبْروكا Broca. وقد استطاع وهو ما يزال في مقتبل العمر أن يشارك في حفل موسيقي أقيم بمسقط رأسه إلى جانب أمه بالعزف على البيانو بأربعة أَيْدٍ، فكان ذلك بحق نجاحا بعيدا عن وهم الأحلام.

 

 

الصدمة

لم يكن الفتى يعرف من صنوف الموسيقى إلا ما كان في وسع الدوائر المحلية والبعيدة عن العاصمة أن تقدمه لجمهورها.  ثم حدثت المفاجأة السعيدة ذات يوم من سنة 1893 - وقد بلغ من العمر سبعة عشر عاما - عندما حضر - ولأول مرة - عرضا للأوركسترا السمفونية، فكان ذلك اليوم منطلقا لبداية مسيرته الموسيقية الحقة.  ولم يفته أن يعبر عن ذلك في رسالة وجهها عام 1928 إلى أحد أصدقائه جاء فيها: "لقد كانت صدمة قوية لدرجة أحسست معها بالخوف، وبأن ما توقظه في نفسي من نوازع هي أكبر بكثير مما كنت أعتقد القدرة على فعله، ولولا أن أسعفتني قناعاتي الدينية ما كنت لأملك القدرة على مواصلة السير في طريق تكتنفها الظلمات".

وبعد فترة طويلة قضاها الفتى في التعلم الذاتي، وعاشها بين مخالب الشك والتردد، قرر أن يلتحق بالمؤلف فيليب بيدريل  Phlipe Pedrell (1841- 1922) مجدد الموسيقى الشعبية الإيبيرية، وصاحب "كتاب الأغاني الشعبية الإيبيرية"    popular Cancionero ibérique في أربعة مجلدات، وكتاب "الفلكلور الموسيقي القشتالي للقرن الحادي عشر" Folklore musical castillan du XIe  siècle، وأستاذ كل من ألبينيز Albeniz ورفائيل ميتجانا Rafael Mitjana، وكارلوس بيدريل Carlos Pedrell .

جاذبية الأستاذ

شاءت الصدفة أن يتتلمذ فايا على بيدريل بعد أن اطلع على فقرة من كتابه "جبال البرانس" Pyrénées، أحد أعظم ما ألف عن منطقة كاتالونيا.  ولم يلق الفتى من أستاذه عناية خاصة، لأنه لم يتهيأ له قط أن يعرف ما لديه من مؤهلات، ومع ذلك فكثيرا ما كان فايا - بدافع من المجاملة - يشيد بلطفه ويردد أن أعمال ودروس "المايسترو بدريل" هي التي أنارت له السبيل إلى النجاح.

والواقع أن الفتى كان على صواب فيما يقول، فلقد كانت دروس أستاذه على قدر كبير من الأهمية، بفضلها تعلم كيف يجنب كتابته الحشو، ويقتصر على ما هو أساسي، وكيف يتحاشى القوالب المتحجرة باستثناء ما كان منها أصيلا بحتا، مثلما أكسبته تذوق التقاليد الثابتة للعبقرية الإسبانية التي تجافي الأهواء الشخصية.

باريس المؤرقة

تنتمي لهذه الفترة أعمال متنوعة ظلت غير منشورة ما فتئ فايا نفسه أن تبرأ منها، وكان قد كتبها لغرض توفير مبلغ من المال ييسر له السفر إلى باريس للدراسة، هذه المدينة التي ملكت جوارحه وشغفت قلبه حبا، فكان أن قال ذات يوم لأصدقائه: "ما عسى أن يكون مصيري لولا باريس؟" 

لم تلق هذه المؤلفات حظا من النجاح، بيد أن أوبراه الأولى "الحياة القصيرة" La vie brève حظيت عام 1905 بجائزة أكاديمية الفنون الجميلة بمدريد وجرى عرضها بمدينة نيس عام 1913، وكان قد كتب موسيقاها على نص متواضع لفرناندز شاو Fernandez Shaw، يحكي قصة حب يائس في فصلين تجري أحداثهما في إحدى ضواحي غرناطة.  إنه عمل مهما تكن كتابته منساقة في تيار الجماليات التي سادت عام 1900، فإنه يكشف النقاب عن موسيقي أصيل لم يجد بعد أسلوبه الخاص.

هنا تجدر الإشارة إلى استعمال اللغة القشتالية لأول مرة فوق المسارح الإيبيرية، كما تجدر الإشارة إلى أن "الغناء العميق" Cante hondo يندس لأول مرة أيضا إلى المسرح قادما من الأندلس البدائية، وربما من المشرق العربي وشمال إفريقية.  وقد زاد من روعة أوبرا "الحياة القصيرة" "الرقصة الإسبانية" Dance espagnole التي تعتبر في قمة الأعمال الموسيقية الشعبية التي أبدعها مانويل دي فايا. 

لقد كانت الجائزة التي حصلت عليها أوبرا "الحياة القصيرة" علامة نجاح بكل تأكيد، غير أنه نجاح زهيد الفائدة، طالما أن عرضها لم يتجدد؛ ومنذئذ أصبح مانويل يحس بالاختناق في مدريد، وينتظر اللحظة التي يرحل فيها إلى فرنسا.

أخيرا

وبعد سنتين تهيأ لمانويل في بحر سنة 1907 أن يسافر إلى مدينة فَيشي في رفقة صديق إسباني بغرض العلاج في حمامتها المعدنية. ولأن فَيشي لم تكن بعيدة جدا عن باريس فقد قر في نفسه أن يرحل إليها، ففعل ذلك، وأقام بها سبع سنوات من 1907 وحتى 1914، وهو الذي لم يكن يطمع في أكثر من سبعة أشهر عندما قدم إليها.  في باريس استكمل تكوينه موسيقيا ومؤلفا، غير أن حياته بها لم تكن تخلو من الكدر، فقد كان عليه أن يواجه الحرمان أكثر من مرة، وأن يمتهن تعليم الموسيقى في بيت صغير يقع في درب من دروب حي بَّاسِّي.  في هذا البيت كتب فايا عددا كبيرا من أعماله من بينها: "معزوفات إسبانية" للبيانو، و"الأغاني السبعة" ولا سيما منها "ليالي في حدائق إسبانيا"، وفيه أيضا ألف ثلاث لوحات من وحي موطنه الأصلي: غرناطة وقرطبة وضواحيهما.

وعلى الرغم من هذه الصعوبات فقد كان الفتى يحس بمنتهى السعادة لوجوده بمدينة شغف بحبها، وانصهر فيها لدرجة الإحساس بأنه لم يعد ذلك الأجنبي الطارئ عليها.

كلود ديبوسي وبول دوكا


( (*))Esther Van Loo  Esthere Van Loo -  Revue MUSICA n° 66  Aout 1959 imp CHAIX (seine)PP: 40 – 42.

Rate this item
(0 votes)
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل الموسيقى تزيد من إنتاجية الموظفين وتحسن مزاجهم؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM