arenfrfaestr

"طائر النار" لـ إيغور سترافَنسكي (*) (بتصرف)

عبد العزيز ابن عبد الجليل

المؤلف

ولد إيغَور سترافَينسكي بمدينة أورانينباوم القريبة من حاضرة سانت بتيرسبورغ في روسيا. وكان ذلك في اليوم السابع عشر من يونيو 1882. لم يكن في دراسته على درجة كبيرة من النباهة والجد، بيد أنه كللها بالحصول على الدكتوراه في الحقوق.  أما على مستوى دراسة الموسيقى فقد أبان عن قدرات فنية سرعان ما كشفت يقظة أولياء أمره  النقاب عنها مبكرا، فحفوها بالتشجيع، ووجدت من عناية خيرة المعلمين ما ارتقى بها،  فتعلم العزف على البيانو، ووجد فيه مجالا خصبا للانغماس في الارتجالات المغرية، ثم سنحت له فرصة استلهامه فأهداه أول باكورة من إبداعه فكانت عبارة عن "سوناتة". كان ذلك سنة (1903). ويسأل السائل:من هم أساتذته؟ فيأتي الجواب: ذوقه أولا، وروحه الواقعية ثانيا، ثم نزعته الاستقلالية ثالثا. ويسأل السائل مرة أخرى: كيف استطاع أن يسترعي اهتمام عالم الموسيقى؟ فيأتي الجواب:كان ذلك ثمرة تعاونه مع الموسيقي الروسي منسق الباليهات سيرج  دو دياكَيليفَ (Serge de Diaghilev (1872 - 1929، الذي كان من وراء النجاح الكبير الذي حققه عرض باليه "طائر النار" بالمسرح الوطني لدار الأوبرا بباريس يوم 25 يونيو 1910.

في عام  1914 قام سترافَنسكي برحلة إلى روسيا، لينتقل بعدها إلى سويسرا، ثم إلى باريس حيث حصل على الجنسية الفرنسية. وفي سنة 1939 رحل إلى الولايات المتحدة، ليستقر بها بعد حصوله على الجنسية الأمريكية.

 

طائر النار

كانت أولى مؤلفاته - كما ذكرنا من قبل - "سوناتة للبيانو" عام 1903، ثم تلتها عام 1907 "سمفونية على مقام مي الصغير". ويعكس هذان العملان معاً بجلاء تأثر المؤلف بموسيقى رمسكي كورساكوفَ. وسيتلو ذلك تأثير دو دياكيَليفَ ومؤسسة الباليهات الروسية الداعمة للهزات العنيفة والتجديدات الصادمة التي طبعت بعمق الفن الموسيقي في مطالع  القرن العشرين. وتحت وطأة هذه المستجدات انصاع سترافَنسكي لتيار البحث عن وسائل جديدة للتعبير الهارموني والإيقاعي تتسم بالجرأة.  وانطلق يفرض صنوفا لاذعة من الألحان والنشازات الخشنة، مثلما استنفد جمع طاقات الأوركسترا لصياغة تركيبات جد مفاجئة وغير متوقعة. وفي خضم هذا التوجه ألف سترافَنسكي "طائر النار (1010)، و"بتروشكا" Pétrouchka، (1911)، و"طقس الربيع"Sacre du printemps  (1913)، و"حكاية الجندي" l'Histoire du soldat (1918)، و"بولسينيللا"Pulcinella  (1920) و"أعراس" (1923).

وحلت سنة 1927 لتعلن عن تحول جذري في الاتجاه الفني لسترافَنسكي، وهو تحول يعتقد بعض النقاد أن معالمه الأولى تبدت مع " Pulcinella"، وبذلك انتهت الجرأة المستفزة وذهبت إلى غير رجعة، وبدا سترافَنسكي وهو أكثر نزوعا إلى أسلوب عار عن التكلف، وأقوى ميلا إلى الكونتروبوان، وأشد سعيا إلى ربط الصلة من جديد مع تقاليد الكتابة الكلاسيكية التقليدية. إنها فترة "عقدة أوديب" Oedipus Rex (1927)، و"سمفونية المزامير" Symphonie de psaumes (1930) و" بيرسيفون" Perséphone (1934)، و"سمفونية على مقام دو"Symphonie en ut  (1940)، وأوبرا " تقدم الخليع" The Rake s Progress .(1951)

كانت هذه الكلاسيكية الحديثة بالنسبة للمؤلف فرصة للخوض في تجارب جديدة على مستوى أسلوب الكتابة وتقنياتها.  وبالفعل، فقد ألف على التوالي عملين موسيقيين على درجة عالية من الروعة: "التراتيل القدسية" Canticum sacrum (1956) وباليه "أجون" Agon (1957)، و هما عملان يوشك أسلوب كتابتهما أن يكون - إلى حد كبير - دعوة للسريالية.

       

 

 

تحليل العمل

"طائر النار" عبارة عن باليه قام بوضع تصميمه الكوريغرافي ميشيل فوكين Michel Fokine ، ثم عهد سيرج دو دياكَيليف إلى أستاذه السابق ليادوفَ Liadov مهمة نسخ المدونة الموسيقية، غير أنه عدل عنه إلى مؤلف شاب لم تتجاوز شهرته حدود عدد قليل من محترفي الموسيقى وهواتها، فكان أن لقي العرض نجاحا منقطع النظير.

يرفع الستار ليكشف عن منظر أخاذ، على وقع لحن يكسوه جمال متذبذب عبر مساحة صوتية وقورة للآلات الوترية، سرعان ما تضخمها آلات الباصون والتوافقات الهارمونية للكمان والفَيولونسيل.

نحن الآن في حديقة الملك الشرير "كاستشييْ" Kastchei. وفجأة يحضر الأمير  "إيفان تزاريفَيتش" Ivan Tsarévitch الذي استهواه طائر الأحلام الجميل (هنا تنطلق الآلات الوترية والهوائية في رسم محاسنه من خلال "تنوعات طائر النار" Variation de l'oiseau de feu، وتواصل الأوركسترا عزفها في نعومة رشيقة ولطافة ملهمة محتفية بظهور الأميرات أسيرات الملك "كاتشيي تتوسطهن "تزاريفَنا" الحسناء Tsarevna التي كانت ذات يوم  خطيبة إيفان).

وبغتة يحدث ما لم يكن متوقعا: إنه هيجان دوار يحرك الأوكسترا بشكل مفاجئ، وهو يرسم صراع الأمير إيفَان مع الملك الشرير، وكيف أقدم الطائر الجميل على مساعدته مكافأة له على تحريره من قضبان القفص ذات يوم، فإن "مَن يَفعَلِ الخَيرَ لا يَعدَم جوازيه".

ويزج الطائر بالملك الشرير وحراسه في "رقصة جهنمية" يتساقطون في حمأتها الواحد تلو الآخر من شدة التعب، عاجزين عن مقاومة "التنويمة "" Berceuse الساحرة. وفي النهاية يأتي "نشيد النهاية" final  L'Hymne  ليعلن عن الحدث السعيد الذي طالما كان منتظرا: موت كاتشيي الرهيب، وتبدد الرقى السحرية، وحرية الأميرات الأسيرات. وفي النهاية تصدح الأجراس وأغاني البهجة احتفاء بقران الخطيبين.


(*) Claude Frissard - Revue MUSICA n° 63 Juin 1959 imp CHAIX (seine), pp 24 – 25.

Rate this item
(1 Vote)
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل تحقق الموسيقى تناغماً بين النشاط الدماغي للعازفين وجمهورهم؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM