arenfrfaestr

قراءة في "معجم المصطلحات الموسيقية لطرب الملحون" للأستاذ عبد العزيز ابن عبد الجليل

 سفيان اكديرة (باحث مغربي)

  لا يمكن أن يمر الباحث وهو يدرس نمطا من أنماط الموروث الموسيقي المغربي دون أن يقف على طوابع الأستاذ عبد العزيز ابن عبد الجليل الذي ما فتئ يتحفنا ببواكير حفرياته العلمية الرصينة، حيث أبانت قراءاته عن مشروع علمي دامغ متواصل يعمل من خلاله الباحث على ملء بياضات الخطاب الواصف للموسيقى المغربية التي تعاني من غياب نقد مواز حيوي يميط اللثام عن ملغومات الإبداع عبر الكشف عن مقومات النص من جهة وعن سياقاته المختلفة من جهة أخرى.

أحاول في هذه الورقة العلمية تقديم قراءة في آخر إصدارات الأستاذ ابن عبد الجليل ويتعلق الأمر بـ: "معجم المصطلحات الموسيقية لطرب الملحون" وهو الإصدار رقم 98 من منشورات النادي الجراري الذي جاءَ الكتابُ تخليدا لذكراه التسعين.

إن أول ما يسترعي الانتباه في هذا المؤَلَّف، غلافُهُ الذي يَحْوِي تدوينا لِلَحْنِ قِيَاسِ قصيدة " فارحة" على قرار نغمته الأساس "ري" ثم تحويله إلى قرار "لا" كما يتداول عند أهل الملحون. وفوق هذا التدوين - الذي يشمل المدرج الموسيقي ومفتاح المدرج (مفتاح صول) والإيقاع الثنائي 2/4 واللحن مدوناً في مجموعة من الحقول - فوق كل هذا هناك صورة لآلة السويسن، وهي آلة مركزية في طرب الملحون حيث تجسد - إلى جانب آلات أخرى مثل الكَوال والدف والعود والكمان وغيرها - أصالة هذا الفن وعراقته الضاربة في جذور التاريخ. وصورة الغلاف هاته تشي بالكثير من الدلالات التي تحيلنا عليها، فآلة السويسن والتدوين الموسيقي يَعْنِيَانِ الجمع بين التراث والحداثة، وما وجود الآلة التقليدية فوق المدرج الموسيقي إلا علامة دالة تؤكد ضرورة تقديم تراث الملحون بأساليب علمية مستجدة ومحينة من أجل جعله مزامنا لسياقنا المعاصر.

يتخلل ثنايا هذا الكتاب – الواقع في 88 صفحة-  تصدير وتقديم ثم بسط للمعجم وفق التبويب الهجائي ثم ملحقان وفهرس للمصادر والمراجع ثم الفهرس العام.

وقبل دخول واستقراء مضامين المعجم، تجدر الإشارة إلى أن ابن عبد الجليل اهتدى إلى تأليفه المعجمَ من طرق عدة نرصد أهمها في ما يلي:

  • الجو الثقافي الذي عاش فيه الباحث بمدينة مكناس وهي معقل أساس لهذا الفن؛ إذ عرفت كبار الشعراء والحفاظ والمنشدين والعازفين عبر تاريخها العريق.
  • إدارته للمعهد الوطني للموسيقى بمكناس ما بين سنة 1978 و1997 وهي فترة تعرَّفَ من خلالها الباحث على ثلة من شيوخ الملحون أمثال الحسين التولالي وأحمد باسلام أكَومي ومحمد الولي وغيرهم إذ يقول في هذا الصدد: "فقد كنت أجالس هؤلاء في لقاءات خاصة أو خلال حصصهم الدراسية، أترصد طرائقهم في العزف والإنشاد وفي تلقين دروسهم للطلبة، وأنهل من لغة خطابهم ما يدور على ألسنهتم من كلمات وعبارات تكشف عن وجود العلاقات بينها كألفاظ لغوية وبين المفاهيم العلمية لمقومات الملحون النغمية الإيقاعية، أو عما له صلة بجانب التطبيق العملي وبأدواته"(ص19).
  • قراءته لدواوين هذا الفن التي كانت مودعة في الكثير من المخطوطات ثم بعد ذلك في منشورات أكاديمية المملكة المغربية وفي غيرها، وحضوره في سهرات فنية جمعته بأهل هذا الفن. إذ بهذا سيطلع الأستاذ ابن عبد الجليل على نصوص فريدة وخصوصا قصائد العشاقيات التي تؤصل حضور الموسيقى في الملحون بذكرها لأسماء الآلات والطبوع والإيقاعات إلخ. يقول ابن عبد الجليل في سياق هذه الفكرة:" تهيأ لي أن أقف على كثافة المصطلحات الفنية التي ترتبط بمجالي النغم والإيقاع، وكذا التي تتصل بأساليب الإنشاد الصوتي والعزف الآلي؛ وهي مصطلحات من شأنها أن تقيم أود معجم موسيقي بات إنجازه من الأمور المرغوب فيها، ولا سيما بعد أن تم إقرار مادة الملحون ضمن مناهج التعليم الموسيقي بالمعاهد التابعة لوزارة الثقافة، إلى جانب مادة الموسيقى الأندلسية وبقية المواد الموسيقية الأخرى"(ص 20).
  • اهتمامه العلمي بفن الملحون، والذي بذره بدراسة نشرت سنة 1980 بمجلة التراث الشعبي العراقية منطلقا من أحقية هذا الفن في المقاربة الموسيقولوجية لأنساقه المتعددة، ومنها اهتدى إلى أنه :" يتعين... جرد المصطلحات الفنية ذات المدلول الموسيقي مما هو متداول بين الأشياخ والممارسين، بغية وضع معجم لطرب الملحون، نعتقد أنه يشكل المدخل الأساس للكشف عن بنيته الفنية، والقاعدة المؤسسة لنظريته الموسيقية"(ص83)، وهو الهاجس الذي ظل يلاحق الباحث في مختلف التظاهرات التي تعنى بالموسيقى العربية والمغربية خاصة، فقد قدم الكراسة الأوّليّة لهذا المعجم إلى أمانة المؤتمر السابع للموسيقى العربية بالقاهرة وذلك في شهر تشرين الثاني/نوفمبر من سنة 1998 "كمساهمة في تفعيل التوصية الصادرة عن المؤتمر السادس المنعقد بالقاهرة في تشرين الثاني/نوفمبر1997، والتي كان موضوعها الحث على وضع معاجم للمصطلحات الموسيقية المتداولة في البلاد العربية" (ص18-19). لكن الأستاذ الباحث كان أسبق من  قرار المؤتمر هذا؛ حيث أصدر قبل ذلك في سنة 1992 معجماً للموسيقى الأندلسية المغربية، وهو من منشورات معهد الدراسات والأبحاث للتعريب.

ولا يمكن أن نمر دون أن نقر باستفادة الأستاذ عبد العزيز ابن عبد الجليل من كتابات الأستاذ محمد الفاسي والدكتور عباس الجراري وغيرهما ممّن أصّلوا لهذا الفن وعرّفوا بتاريخه ونصوصه ومصطلحاته، وغير ذلك من القضايا والإشكالات التي تقتضيها خطوة التأصيل.

  • ولكي نختم هذه النقطة نذكر في الأخير أن ابن عبد الجليل دعا باعتباره عضوا في لجنة الملحون بأكاديمية المملكة المغربية إلى الاهتمام بالجانب الموسيقي في هذا الفن، وذلك بالانطلاق من واقعه العملي عن طريق خلق لجنة خاصة تجمع المصطلحات ومدلولاتها وتصنيفها، وتنتخل فيها ما يتعلق بالطبوع والإيقاعات والقياسات حصرا وتصنيفا وتسجيلا وتدوينا موسيقيا.

ورجوعا إلى المعجم، الذي يستهله المؤلف بتصدير يقر فيه بأن هذا العمل جاء امتدادا لما قام به عميد الأدبي المغربي الدكتور عباس الجراري بدءا بأطروحته "القصيدة"، رافعا أكف الدعاء له ولمؤسس النادي الجراري العلامة عبد الله الجراري.

بعد التصدير يأتي التقديم، حيث أشار فيه الباحث إلى التطور الذي حصل في القصيدة الزجلية على مستوى الشكل والمضمون مما أدى إلى جعلها إنجازا موسيقيا له مقوماته الفنية الخاصة على مستويات النغم والإيقاع والأداء. وفي سبيل إجلاء حضور الموسيقى في الملحون ذهب ابن عبد الجليل إلى بسط آراء الباحثين الأُوَلِ حول أصل تسمية الملحون والذين توزعت آراؤهم حول عزو هذه التسمية إلى المرجعية الموسيقية الصرفة، أو إلى المرجعية اللغوية التي يفهم من خلالها أن معنى الملحون هو الخطأ في اللغة، أو إلى المرجعية البلاغية التي يقصد من خلالها أن الملحون هو الكلام البليغ؛ ثم أن هناك رأيا آخر يوازن بين الرأي الأول والثاني؛ إذ يرى أن مصطلح الملحون يحمل معنى الخطأ اللغوي كما يحمل معنى الطرب والإنشاد. ورغم كل هذا، لا يختلف الباحثون في أن المكون الموسيقي جزء لا يتجزأ من هذا الفن، وهو حضور أملاه التثاقف الذي حصل على أرض المغرب بدخول الموسيقى الأندلسية، فأصبح الملحون غناءً له مقوماته الفنية الخاصة. ويقف ابن عبد الجليل عند مصطلحي "الكريحة" و" القياس" إذ يرى أنهما يدلان على ارتباط الملحون بالعزف الموسيقي والغناء، فالأول يدل على المنشد والثاني يعني القياس أي القالب الفني للقصيدة، ثم يذهب الباحث إلى بسط القصائد الشعرية التي وردت فيها المصطلحات الموسيقية من آلات وطبوع وغيرها. بعد ذلك ينتقل إلى التطرق للمرجعيات الثقافية لجمع مصطلحات طرب الملحون حيث يعزو بعضها إلى الشعر العربي وعروضه، والبعض الآخر إلى الموسيقى الأندلسية المغربية، والبعض الثالث إلى الغناء الشعبي المغربي، ثم ما له ارتباط بالموسيقى الشرقية، مشيرا إلى أن هذا الإرث الاصطلاحي المرجعي يوظف وفق آليات تركيبية وبلاغية ومفهومية خاصة مرتبطة بالسياقات المحلية لهذا الفن. ولم تفته الإشارة إلى الجهود الجبارة التي قام بها محمد الفاسي وعباس الجراري من خلال أكاديمية المملكة المغربية التي يعد ابن عبد الجليل أحد أعضاء لجنتها للملحون، فقد دعا المؤلف من موقعه إلى الكثير من الإجراءات العملية التي من شأنها أن تنهض بالبعد الموسيقي في هذا الفن مما سيشكل خطوة متقدمة في هذا الباب، منوّهاً بالجهد الجبار الذي قام به الجراري في صنعه لمعجم المصطلحات الفنية للملحون.

بعد ذلك يذكر ابن عبد الجليل السياق الذي جاء فيه هذا المعجم نتيجة قرار المؤتمر السادس للموسيقى العربية بالقاهرة سنة 1997، إذ حث المؤتمر على وضع المعاجم الاصطلاحية للموسيقى العربية. وهو ما دفع المؤلف إلى صنع هذا العمل الذي – وكما قلنا سابقا- كانت أسبابه منسوجة بالجو الثقافي الذي عاشه سابقاً من جهة؛ كما نسجت أسبابه بالمعاينة العلمية للمتون والأبحاث التي صدرت حول الملحون، كما عزز أهميته دخول الملحون كمادة تعليمية بالمعاهد الموسيقية الوطنية.

وقد ختم الباحث هذا التقديم بسرده للمنهج المتبع في ترتيب المعجم وكتابة مداخله وشرحها وهو ما سنفرد له كلاما خاصا عند الحديث عن منهجية العرض.

يقع معجم المصطلحات الموسيقية لطرب الملحون بين الصفحة 23 والصفحة 68، ويتكون من 165 مصطلحا مرتبطا بالبعد الموسيقي في طرب الملحون، إذ يترجم هذا الصرح الثقافي والحضاري الثري حياة الإنسان المغربي عبر التاريخ، وإقباله على هذا الجنس التعبيري الكوني الذي يودع فيه آلامه وأفراحه.

كما تدل هذه المصطلحات على نسقية اشتغال الفنان الملحوني وإحكامه صنعةَ هذا الفن بناءً على ميثاق عقلي منطقي قابل لأن يجسد وينتظم في شكل معمار نظري واضح البنى والمعالم.

تتوزع المصطلحات الواردة في هذا المعجم إلى ما يلي:

  • ما يتصل بالشعر: ولسنا في حاجة إلى التذكير بالعلاقة التي تجمع الشعر بالموسيقى في بساط الموسيقى العربية عموما والملحون تحديدا، وهو ما يدل عليه مصطلحا الكريحة (الغناء المصحوب بالكوال) والقياس (القالب الغنائي)، وإلى جانب هذين المصطلحين المركزيين يحبل المعجم بالكثير من المصطلحات الشعرية التي تروج في المجال التداولي للملاحنة، وهي: البرولة- البريولة (تصغير البرولة)- الحربة- الردمة- السارحة- السرابة- السرابة الحرامية- اسرارب حراميين- السرارب الحسناويين- الشعالة- الصروف- العذراوي-القد- القسم- القصيدة- لبيات- لحويط القصير- لعبار-لعروبي- مالي مالي- النواعر. وهي مصطلحات رغم ارتباطها الوطيد بالمكون الشعري، لا تقع بمعزل عن الممارسة الموسيقية، إذ تظل أساسية في التواصل بين الفنانين والأشياخ والمهتمين بهذا الفن عموما.
  • ما يتصل بالغناء: وعندما أذكر ارتباط الشعر بالموسيقى فإني أقصد مباشرة الغناء الذي ما هو إلا الوجه الأبرز لهذا الزواج، فقد جاءت في المعجم مجموعة من المصطلحات الدالة على الغناء منها قياسات مثل: الباكي- التواشح- الدكر-الرصيدي- القد- لقياص، ومنها عبارات غنائية مثل: أنا ياسيدي- بدل- تذييلة-التشحيرة- التعريب- التفجاج- التفريشة- التمويلة- جنب- احدى-الحفاظ -دامي دامي- داني- داودي- الدخول- دور اعليه- الردادة- الركاز- اركب- السرابة-السرادة- السرارب الحسناويين- السماوي- سيدنا سيدنا- شاخ- الشدادا- شيخ الكريحة- الشعالة- شيح النشادا- طيب- عسري- الغاني- الغيوان- فجج- الكباحي- لبدال- الحلايقية- لفصالا- لقلوب- لكريحة- لمجرد- لمعلم- المزلوك-موّل- النشاد- هو يا سيدي- يدخل شايب أويخرج شاب- ايركب- ايغني على جنب واحد- يمني.
  • ما يتصل بالطبوع: والطبع هو المجسد الجوهري للمكون اللحني في الملحون (كما طرب الآلة والسماع)، ومعجم الملحون طافح بمصطلحات الطبوع التي هي: الاستهلال- أصبهان- أصبهان صغير- بياتي- الحسين- الحكاز- الحكاز المشرقي- حمدان- الراست- الرصد- الرصيدي- رمل الماية- الصيكة- الطبع-عرق عجم- لمشرقي- المشركي- الماية.
  • ما يتصل بالإيقاعات: إذ معروف أن الإيقاع مكون بنيوي وأساسي في هذا الطرب، ويصطلح عليه بـ" لعبار" ، وتدل على مفاهيمه المصطلحات الآتية: أكباح-الحضاري- الكباحي- ماية أكباح.
  • ما يتصل بالآلات الموسيقية: ويتعلق الأمر بالآلات الإيقاعية والآلات النغمية. فأما الإيقاعية فهي: البندير والتعريجة والدربوكة والدف والطبيلة والطر والعياقة (التعريجة)- الكوال- الهندقة- الكف. وأما الآلات النغمية فنشير إلى أن جميعها آلات وترية باستثناء آلة النفير الهوائية، ولعلها دخلت حظيرة الملحون من الفن العيساوي الذي يجاوره ويلتقى معه في الكثير من المقومات والأنساق.  وهذه الآلات هي: الجناح- الجنك- الرباب- السنتير- السويسدي- السويسن- العود- الفرخ- الكمنجة- الكنبري- لفحيل- النفير- الهجهوج.  وفي سياق الحديث عن الآلات الموسيقية تجدر الإشارة إلى أن هناك بعض المصطلحات المرتبطة بالمكونات العضوية لبعض الآلات مثل: الحاشية والسطعة والصدعة ولحواشي واليم أو الأم (هنا يمكن القول إن ابن عبد الجليل لم يولِ اهتماما كبيرا للمكونات المادية للآلات واكتفى بالأشهر منها).  وفي سياق الحديث عن الآلات دائما لا بد من الإلماع ّإلى بعض المصطلحات الدالة على العناصر النقرية للآلات الإيقاعية مثل: الأم والندفة.  كما أن هناك مصطلحات دالة على تقنيات العزف نذكر على سبيل المثال: التكفاف- التهضيرة- التوسيد- الحضاري- الرش- اقبض، ومصطلح ميامي الدال على العازف على التعريجة بضربات قوية وسط المساحة المخصصة للنقر.  وفي الأخير نشير إلى أن هناك مصطلحات أخرى ذات دلالات مختلفة متصلة بالمجال التعليمي مثل: اطبع لو- الدمغي- دور اعليه- من لا يوزن بسرار بميزانو يبقى عايب، وهي مصطلحات رغم رواجها في المجال التعليمي لها بعد نقدي تقويمي للممارسة العملية. ويمكن أن نضيف إليها في هذا الصدد مصطلح خمسة او لخميس وكملجة شغل الروم.

وقد ذيل "معجم المصطلحات الموسيقية لطرب الملحون" بملحقين كما سبقت الإشارة، فأما الملحق الأول فهو عبارة عن جدول لقياسات الملحون جرد فيه الباحث 22 قياسا أصليا ذاكرا ناظمه وطبعه الرئيس وتسويته التي جرى بها العمل وحربته ثم القصائد التي تجيء على قده.  وفي ما يلي أسماء القياسات الورادة في الجدول: فاطمة- مليكة- الديجور- الزردة- المسموم- التوسل- أسيادي اولاد طه- اللطفية-الفرج- الباكي- يامنة- الفرانة- الصرخة- غاسق لنجال- لكناوي- فارحة- الوردة-طامو- المزيان- مازين اوصولك- ورقة مول الحب- الفرج.

وأما الملحق الثاني فجاء تحت عنوان:" الملحون والموسيقا الأندلسية" وهو في أصله عرض ألقاه الباحث في مهرجان " ملحونيات" بمدينة أزمور سنة 1997.  هذا العرض هو قراءة اصطلاحية تبحث في تاريخية انبناء المعجم الموسيقي المرتبط بطرب الملحون، وقد عمل فيه ابن عبد الجليل على تلمس مفاهيم المصطلحات في التاريخ والمنجز الشعري كما الممارسة الفنية المعاصرة.  وأول ملاحظة يمكن أن نسجلها في هذا الصدد هي أن الحديث عن علاقة الملحون بالموسيقى الأندلسية هو حديث يدفعنا –شئنا أم أبينا- إلى استنتاج مراحل تشكل الملحون كفن موسيقي، لأن المصدر الأساس لموسيقيته هو الآلة الأندلسية.  وقد كان الدكتور عباس الجراري والأستاذ محمد الفاسي سباقين إلى مفاتحة هذه المقاربة البينية، خصوصا الدكتور الجراري الذي أفرد لها مقالا خاصا تحت عنوان:" أثر الآلة على الملحون"[1].

ويُرجِعُ عبد العزيز ابن عبد الجليل أسباب هذا التجاور بين الموسيقى الأندلسية والملحون إلى معيار قيمي أساسي  جعل الموسيقى الأندلسية منفتحة تعقد اتصالها بفنون مجاورة، تأثرا وتأثيرا، أو ما أسماه الباحث بـ " الأخذ والعطاء".

وذهب ابن عبد الجليل إلى سرد أوجه هذا الزواج مستشهدا بكلام الجراري الذي حدد نقطة الاتصال الأولى في "الربع الثاني من القرن الثاني عشر حين حكم الأشياخ على قصائد بوعمرو الغزلية بأن تنحى من ميدان السرد في المجالس العامة عقابا على نظمه في المرأة" (ص36) وهذا المنعطف في رأي ابن عبد الجليل أدى إلى انتقال الملحون من أسلوب السرادة إلى الغناء.

بعد ذلك يشير المؤلف إلى أن الآلة الأندلسية طورت الجانب الآلي في الملحون فأضافت إلى المرافق اليدوية آلات أخرى كالكَوال، الدف، التعريجة، ومنها ظهر مصطلح الكريحة.

كل هذه المعطيات تبرر اهتبال شاعر الملحون بالفن الموسيقي حيث ظهرت الكثير من أسماء الآلات الموسيقية التي تؤكد ذلك، وهي معطيات تؤكد في نفس الوقت انتقال "رباعة" الملحون من صورة ساذجة إلى صورة تنتظم في الآلات الموسيقية المتنوعة. ومن ثَمَّ ذكر شعراء الملحون أسماء الطبوع، وهو أمر يحمل إلى الاعتقاد بتبني شيوخ الملحون لنظرية الموسيقى الأندلسية وتحديدا نظرية ارتباط الطبوع بالطبائع، مما سيؤدي لا محالة إلى استواء هذا الفن في الصورة التي نصطلح عليها الآن بـ" طرب الملحون" وسيفضي من جهة أخرى إلى بناء ما سماه ابن عبد الجليل على سبيل التجاوز بـ "شجرة طبوع الملحون"، وهذا التصادي القوي - حسب الباحث دائما- لم يُفْقِدِ الملحون شخصيته الفنية" فقد ظلت ألحانه أقرب إلى الأنسجة اللحنية التي تكسو ألوان الموسيقات الشعبية بحيث قلما تأتي على غرار ألحان موسيقى الآلة، اللهم إلا في الأداء الآلي لبعض المقاطع والمعزوفات الآلية من قبيل مقدمات قصيرة، ولقد ظلت الألحان الموسيقية في طرب الملحون دون الكلمات التي تكسوها ألقا، فهي قلما تسترعي الأسماع، أو تحرك الأعطاف على نحو ما نلاحظه في موسيقى الآلة"(ص77) ومن ثم يرى الباحث أن الارتجال منعدم في إنشاد القصيدة.

يرى ابن عبد الجليل أن توظيف الطبوع الأندلسية في فن الملحون يقوم على مجموعة من الخصائص:

  • ارتفاع قراراتها لتَواؤُمها مع طبيعة الإنشاد الفردي.
  • تعددها في جل قصائد هذا الفن، إذ هناك مجموعة يمكن أن نطلق عليها بـ "مراكز طبوع القصيدة"، حيث صنفها الباحث إلى طبوع أساسية وهي الاستهلال، ورمل الماية، الحجاز، عرق عجم، المشرقي، الصيكة، الأصبهان، وأخرى ثانوية وهي الحسين وانقلاب الرمل والرصد ولمشرقي رصد الذيل والعشاق.

يقول ابن عبد الجليل:" وهذه ظاهرة يسجل نقيضها في نوبة الموسيقا الأندلسية التي تقوم على وحدة الطبع، فلا تحيد عن الطبع الذي انطلقت منه حتى نهايتها إلا في حالة الصنعات اليتيمة المدرجة" (ص79) وهي خاصية تسمى بالبدال أو لقلوب بمعنى التفجاج أيضا.

إلى جانب شجرة الطبوع، تحدث المؤلف عن بنية القالب الغنائي حيث استقطر من قول المغراوي في قصيدة الحجام:

صوتها يغني عن ماية ونغمة الرباب

                               في الطبع، والمعنى، واللفظ والعبار

استقطر من هذا البيت عناصر اللغة الموسيقية في الملحون وهي:

  • اللحن الموسيقي (الطبع)
  • الشعر (المعنى واللفظ)
  • الإيقاع (لعبار)

يقول ابن عبد الجليل:" ولا غرو فالمغراوي في هذا البيت يوافينا بأول محاولة للتعريف بالقالب الموسيقي لقصيدة الملحون من خلال استعراض مقوماته البنيوية الأساسية: الشعر واللحن والوزن، وبذلك فهو يحقق السبق في هذا المضمار، مثلما حقق السبق في مجال الإيقاع بابتكاره للدندنة التي اتخذها لوزن أبيات القصيدة وبمثابة التفعيلات في تقطيع الشعر الفصيح، وكان على وشك أن يقيم لشعر الملحون عروضا على غرار عروض الخليل الفراهيدي" (ص81).

وفي سياق تأثر الملحون بالآلة – دائما- أشار الباحث إلى إدراج أهل الملحون لمقدمات آلية وغنائية وهي المشالية والتمويلة والسرابة، كما هو الشأن في الآلة التي تتوفر على المشالية والبغية وتواشي النوبات التي يوطأ بها للميزان وما ينتظمه من قوالب.

  • منهج المؤلف:

معلوم أن المعجم هو مجموع مصطلحات مرتبة ترتيبا معينا، مرتبطة بطريقة نطقية مع شرحها وتفسير مدلولها.   وتأسيسا على هذا المفهوم بنى الأستاذ عبد العزيز ابن عبد الجليل معجمه متوسلا بما يلي:

  1. ترتيبه بناءً على النظام الألفبائي (من الألف إلى الياء مع خلوه من حروف الثاء والذال والزاي والضاد والظاء والواو).
  2. كتابة المصطلحات حسب منطوقها عند أهل الملحون لا حسب أصله اللغوي، نذكر على سبيل التمثيل لا الحصر:

أصبهان- اِصبهان

الحجاز- الحكازْ

القياس- القياص

المشرقي- لمشرقي

القريحة – لكريحة...  إلخ

وهذا يحمل إلى الاعتقاد أن الباحث يتبنى موقفا نقديا يروم إعطاء القدسية للممارسة الشفوية الشعبية، إذ لا يسعى إلى فرض سلطة الثقافة الرسمية على ثقافة لها عتباتها وممهدات قراءتها.

  • منهجه في تعريف القياس: يذكر في البداية عروض القياس ثم مرمته، ويعرج على الحديث عن أصل تسمية القصيدة وصاحبها وأسباب نزولها ونماذج أخرى من قياسها.
  • منهجه في تعريف الطبوع: وتقوم طريقته على الآتي:
  • إبراز مرجعية الطبع، هل هي الموسيقى الأندلسية أو الشرقية أو غير ذلك؟
  • ذكر موقع الطبع ضمن التصنيف الذي أبدعه الباحث (الطبوع الأساسية والطبوع الثانوية).
  • تحديد قراره الأصلي ثم تحويله في التداول الفني مع ذكر نتائج هذا التحول، نذكر على سبيل المثال قوله إن طبع الاستهلال عندما ينتقل من دو إلى صول يصير راست شرقيا.
  • التمثيل بأبرز النماذج التي تغنى في الطبع.
  • منهجه في تعريف الآلة الموسيقية: ويقوم على وصفه لمكوناتها المادية وذكره لبعض الطرائف التاريخية المرتبطة بها، كما يجيب -الباحث أحيانا على هل الآلة الموسيقية إيقاعية أم وترية أم هوائية؟

وقد اعتمد ابن عبد الجليل في سرده للمضامين العلمية على الوصف والتحليل والمقابلة والمقارنة، من أجل إبراز خصوصيات الخطاب الملحوني في اتصاله بمرجعياته الفنية المختلفة.

على سبيل الختم:

وحوصلة القول في الختام، لقد عملنا من خلال هذه القراءة الوصفية على تتبع المضامين التي يحويها هذا المعجم الذي يعد خطوة جادة في طريق التقعيد للنظرية الموسيقية لطرب الملحون؛ إذ أنبت صاحبه من خلاله مقاربة موسيقولوجية لا شك أنها ستكون الطريق المعبد للكثير من الأبحاث القادمة.

وقراءتنا لهذا المعجم أفضت بنا إلى تسجيل ما يلي:

  • وجوب بقاء هذا العمل مفتوحا على الوجادة الاصطلاحية التي يمكن أن تظهر في القادم؛ سواء التي غابت عن صانعه، أو التي ستكشفها الأبحاث والدراسات العلمية، حيث إن كل بحث علمي يجعلنا أمام كم من المصطلحات الجديدة التي ستعد من صميم النظرية الموسيقية لطرب الملحون.
  • من المؤسف اليوم أن كتاب "معجم الموسيقى الأندلسية المغربية" الذي ألفه الأستاذ ابن عبد الجليل في سنة 1992 هو في عداد الكتب النادرة التي لا صدى يذكر لها في المعاهد الموسيقية الغارقة في أتون النظرية الموسيقية الغربية مما أبعد التراث فيها عن خصوصياته التداولية، ولا نريد أن يقع هذا في مجال الملحون، إذ الضرورة لازبة لجعل معجم المصطلحات الموسيقية لطرب الملحون من صميم السلم البيداغوجي لمادة الملحون بالمعاهد الموسيقية الوطنية التابعة لوزارة الثقافة، كما ندعو إلى تحيين "معجم الموسيقى الأندلسية المغربية" وجعله عنصرا جوهريا في العملية التعليمية في هذه المعاهد.
  • لائحة المراجع:
  • عباس الجراري، النغم المطرب بين الأندلس والمغرب، (المغرب- الرباط: منشورات النادي الجراري، 2002).
  • عبد العزيز ابن عبد الجليل، معجم المصطلحات الموسيقية لطرب الملحون،( المغرب- الرباط: منشورات النادي الجراري، 2020).

[1]عباس الجراري، النغم المطرب بين الأندلس والمغرب، (المغرب، الرباط: منشورات النادي الجراري، 2002)ص 41-58.

Rate this item
(1 Vote)
Last modified on الخميس, 30 أيلول/سبتمبر 2021 08:59
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل تحقق الموسيقى تناغماً بين النشاط الدماغي للعازفين وجمهورهم؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM