arenfrfaestr

خماسي فرانز شوبرت (بتصرف) *

عبد العزيز ابن عبد الجليل

على غير عادة مقهى "بونيي"، فقد كان مساء يوم 4 تشرين الثاني/نوفمبر 1828 هادئا بعد أن غادره رواده المعتادون على صدى صوت صاحبه وهو يفاجئهم بقوله: "لقد ووري الثرى في هذا اليوم الموسيقي الصغير: شوبرت".

لا ريب أن هذا النعي الوجيز لا يرقى إلى مستوى العبارة التي سينقشها لاحقا الشاعر كَريللبَّارزير على شاهد قبر الهالك: "هنا وّارَت الموسيقى كنزا ثمينا، بل وآمالا أكبر."

"آمالا أكبر"؟ عبارة أدنى ما توصف به أنها مؤسفة للغاية. ألا يستحق هذا الموسيقي الذي أوتي موهبة خارقة للغاية وصفا أحسن، وهو الذي لم يتجاوز من العمر إحدى وثلاثين سنة؟  لقد ولد بالقرب من فَيينا عام 1797، وتوفي فيها عام 1828، فهو ابن هذه المدينة حتى أعماق روحه.

كان كل شيء في فَيينا يدعو إلى الغناء، مثلما كان كل شيء فيها يدعو إلى الرقص، ولم يكن شوبرت بمنأى عن هذه الأجواء، فمن حوله تزهو الحياة بأبهى الألوان، غير أنه لم يكن يحس فيها إلا بالكآبة والملل واليأس، وهو الذي ولد ونشأ في وسط عائلي متواضع طالما أحبط موهبته.

كان شوبرت خجولا، حسير البصر، ذميم المنظر، عاطلا عن الحب. لم يذق من متع الحياة سوى ما كان مبتذلا.  أحس بالحرقة حين بلغ الخامسة والعشرين من عمره وأدرك أن أيامه أضحت معدودة.  ومع ذلك فقد أقبل بلا هوادة على التأليف، فكتب "السمفونية غير الكاملة" ,Symphonie inachevée ،و"الطاحنة الجميلة"  La Belle meunière و"روزاموند"  Rosamund. وكانت فرصة سعادته الوحيدة في فوزه بصداقة عدد قليل ممن آمنوا بموهبته كالشاعر "مايرهوفر Mayrhofer، وهاوي الموسيقى الأرستقراطي الثَّرِيّ فرانز فَون شوبير  Franz Von Schober، والمغني الباريتون الشهير يوهان فَوغل   Johann Michael Vogl, الذي برع في أداء دور "ملك شجر المغث" le Roi des aulnes  في السابع من مارس 1821؛ فهؤلاء هم الذين كانوا يشكلون الجمهور الوفي لعروض شوبرت.

ومع ذلك فليس من اليسير الحصول على النجاح الدائم، فمن بين مئات الأعمال التي أنجزها والتي كادت تغطي سائر أنواع التأليف، لم يفز في مستهل عام 1820 بأكثر من عرضين لعملين اثنين هما: قداس فا الكبير" Messe en fa majeur (1814)، ولييد Lied واحد سبق أن ألفه عام  1819. وقبل ذلك سبق له أن وجه إلى الشاعر الكبير غوته بعض "اللييدات" التي لحنها على شعره طالبا منه أن يحليها بتوقيعه، فلم يتلق منه أي جواب. ثم عاد عام 1822 ليهدي بيتهوفن الذي كان يكن له بالغ التقدير "منوعاته على البيانو" Variations pour piano، فكان مصيرها شبيها بمصير التي سبقتها. وفي ذات السنة ألف سمفونية "ألفونسو وإستريللا"  Alfonso und Estrella، وعرضها على فَيبير Weber، فما كان من هذا سوى أن رد عليه بعبارة قاسية خالية من الرحمة: "يتعين دائما إغراق ... وإحراق أولى الأوبرات".  

في سنة 1827 حضر شوبيرت مراسيم جنازة بتهوفن، ومنذئذ سكنه هاجس الموت المحتوم، وخلال ثمانية عشر شهرا كرس جهده للتأليف، فكتب "سَفَرُ الشتاء"  Voyage d'hiver، و" لحظات موسيقية"les Moments musiquaux ، و "بادرة" Impromptus، و "أغنية البجع"، Chant du cyne و"السمفونية التاسعة في دو الكبير"، Neuvième symphonie en ut majeur، و"خماسي دو الكبير"  Quintette en ut majeur. وفي 19/11/1828 وافته المنية، ودفن في مقبرة فَاهرينكَ Wahring   غير بعيد عن لحد بتهوفَن.

الخماسي

عندما بلغ شوبرت الواحدة والثلاثين لم يعد فحسب ذلك الفنان الواعد، ولكنه أدرك ذروة المهارة وتراكم العطاء. فمن هم الموسيقيون - باستثناء موتسارت وباخ - الذين أظهروا في  مثل هذا السن ما أدركه شوبرت؟ لقد خلف إرثا غنيا ومتنوعا تمثل في ستمائة لييد، وعشر أوبرات، وسبعة قداسات، وتسع سمفونيات، وإحدى وعشرين سوناتة، وكذا في أعمال لا حصر لها لآلة البيانو ،وثلاثيات، وسلسلة من روائع الرباعيات المكتوبة للآلات. 

كيف لا نقدر في شوبرت هذا الفن المتفرد الذي يجعل ألحانه متدفقة بلا حدود ولا عنف، عاطفية دونما تكلف، مفعمة بألوان من التعبير الذي لا ينضب عن طبيعة فطرية في أساسها، ثم هي بعد ذلك كله ناعمة أنيقة متناغمة تضفي على أعماله الشباب والتألقً؟

تحليل الخماسي

كان شوبرت يقول: إن أعمالي هي بنات فكري وآلامي. وفي هذا الخماسي  الذي تم تأليفه في سبتمبر 1928 تتحقق وحدة درامية بشكل لم يسبق له نظير. وهو يحتل مكانًة توشك أن تكون فريدًة في موسيقى الحجرة بسبب كثافته التعبيرية ولونه الآلي الناتج عن استخدام آلتي تشيلو، هذا الاستخدام الذي شكل بعنفه في تلك الفترة حدثا فنيا مفاجئا.  ومهما يكن فإن شوبرت يتحدى العقبات، إن لم نقل إنه يخضعها. وهو اختيار أتاح له الحصول على توازن آلي فعّال وفي نفس الوقت على تآلفات لا نهائية مناسبة للتعبير عن عدد لا نهائي من المشاعر.  وما يزال لدى شوبرت الكثير مما يقوله بدون صخب، ولا هزات درامية عنيفة، وبعيدا عن  جو القلق الذي يغمر الخماسي الخامس عشر الذي كتبه قبل عامين.

يقوم الخماسي على مقام دو الكبير، تكسوه سحنة من الحزن ذات عذوبة شفافة. وهو في أربع حركات:

-       أولى الحركات "أليكَرو خفيف المرح" Allegro ma non troppo. فيه نحس وكأنما ينتقل بنا إلى مكان تكسوه أناقة الكتابة، وتظلله عذوبة التيمات، حيث تندلع المعاناة بصعوبة، وتتكشف في عريها الموجع أغنية الخضوع، وتنسحب ترنيمة المسافر الوحيد من الليل الجامد. -       الحركة الثانية عبارة عن أداجيوAdagio  تتكشف عبر أجزائه الثلاثة الحجب الثابتة عن مساحات يسودها الصمت، وتنبجس ثلاثية متلاحمة من الشعر الإلهي والغنائي عبر وعيد مظلم ينبثق من أوتار التشيلو الثاني.   -       الحركة الثالثة "سكيرتزو أون، ترِيَّو مع استئناف السكيرتزو"   Scherzo un trio et reprise du scherzo. هي لحظة تأمل مركزي رائع، وهي صلاة خاشعة، تتيح تناقضا صارخا مع السخرية الغاضبة للسكيرتزو.-       الحركة الرابعة "أليكَريتو" Allegretto . إنها رقصة ينخرط فيها الخيال وقد خلا من الهموم على إيقاعات هنغارية. تُرى، هل هي ابتسامة قلقة لروح أحبطها الألم؟ أم أنها صدى لذكريات ما؟     


*Claude Frissard. Revue MUSICA n° 60 - mars 1959 imp CHAIX ( seine)   pp 22-23

 


 

Rate this item
(1 Vote)
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل توافق بأن الإنصات للموسيقى الصاخبة يتسبب في حوادث؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM