arenfrfaestr

الطب والموسيقى - 2 (بتصرف)*

عبد العزيز ابن عبد الجليل

ننتقل الآن إلى السؤال الثاني: كيف تمت الوحدة بين الطب والموسيقى؟ إنها قضية  احتلت مكانة بارزة في الطب القديم عبر العصور الوسطى وحتى القرن الثامن عشر. وإذا كانت التحولات المذهلة الناتجة عن الاكتشافات الحديثة في الطب قد انتقلت بالعلاج عن طريق الموسيقى إلى مستوى أدنى، فإن هذا لم يحل دون أن يحتفظ بأهميته على مستوى "الطب النفسي"، فضلا عما يمكن أن يمنحه التطور الحالي للطب الاجتماعي من فرص جديدة للانتعاش.    

صحيح أن العلاج بالموسيقى يستمد أصوله الساذجة من "الميثولوجيا"؛ وهذا موضوع خصه "بورطا" Porta الطبيب المعاصر للكاتب الفرنسي رابليه   Rabelais بمؤلف  حاول فيه إثبات جدواه.

لندع جانبًا الملك القديم "شاوول"، هذا الذي لا يمكن أن تهدأ أعصابه إلا بعد سماع أصوات القيثارة التي يعزف عليها النبي داود. ولندع جانبا أيضا "آسكليبياد"       Asclépiade   وهو يهدئ من نوبات حمى المستنقعات إحدى أوبئة روما القديمة. فالعلاج بالموسيقى - في رفقة الميثولوجيا - نزهة ممتعة للغاية، غير أنها مملة، وإشاراتها غامضة متناقضة لا تستقر على حال.  وسيكون في وسعنا أن نملأ صفحات كثيرة بالإشارات المسلية للعلاج بالموسيقى عبر العصور؛ ولكن دعونا نحاول البقاء على أرض الواقع، فقد كانت أمراض النقرس والروماتيزم المزمنة تعالج بواسطة الموسيقى والرقص! ألم يكن ذلك بالضبط هو الرياضة الإيقاعية ذاتها؟ 

علينا أن نفكر في الآلام المروعة التي كان المرضى يتحملونها عند إجراء العمليات الجراحية قبل اكتشاف التخدير.  لقد كانت عملية فتح المثانة أو المجرى البولي لنزع الحصى شائعة الاستعمال، غير أنها كثيرة النزيف شديدة الألم. ولقد ارتأى - ذات يوم - ماران ماري  Marin Marais   (1658 -1728) تلميذ المؤلف الموسيقي لولِّيLulli  كتابة سوناتة لآلتي الكلافَسان وفيولا الساق - وهو الذي سبق له أن ألف اثنتي عشرة سوناتة باسم "غرائب النقرس" Bizarreries de la Goutte - وكان غرضه يومئذ مساعدة المريض على اجتياز مراحل عملية فتح المثانة.   

وقد تفضل أحد هواة الموسيقى بتقديم شريط هذه السوناتة في اجتماع عقدته مؤخرًا جمعية تاريخ الطب، وانتهى العرض بالاستماع لآرييت شيقة؛ جرى ذلك احتفاءا بشفاء أحد المرضى وتحرره من براثن العملية الجراحية القاسية.  

من الملاحظ أن كثيرًا من أمراض المعدة ذات طبيعة عصبية، وأن المعدة بالتالي هي أكثر أعضاء الجسم تعرضًا للتشنج العصبي.  فقد قدم الجراح الفرنسي Joseph Récamier (1774 - 1832) وصفة طبية لدوقة سان جيرمان كتب عليها: "المعدة تحب الإيقاع، وعلى الدوقة أن تتناول وجباتها على صوت الطبل". وحتى عهد قريب كان الأطباء  يعالجون الربو بدروس الغناء. على أن العلاج بالموسيقى كان وما يزال أكثر استعمالا في حالات الأمراض العصبية العضوية.

دعونا نستمتع بهذه القصة الواقعية، فقد انتشر بأوروبا خلال العصر الوسيط مرض   ذو طبيعة عصبية، وكانت أعراضه الخارجية مثيرة للاستغراب. وقد ترك لنا الطبيب الإنجليزي اللامع "سيدنهوم Sydenhaum وصفا دقيقا لهذا المرض؛ ذكر فيه أن الناس في إيطاليا كانوا يعتقدون أنه ناتج عن لدغة رتيلاء  ضخمة.  وقد أشار الطبيب الإيطالي الشهير "باكَليفَي" Baglivi إلى التأثيرات المدهشة  للموسيقى في علاج هذا المرض بواسطة "نغمات معينة تنبض بالحيوية والبهجة والرشاقة قمينة بتحقيق النتائج الفعالة". وسيطلق على هذه "النغمات" اسم مشتق من اسم الرتيلاء  بالإيطالية tarentule التي هي أصل المرض. إنه "الترانتيللا"  Tarantelle، التي أصبحت اليوم تعني إحدى الأغاني الأكثر شعبية في إيطاليا.  

وقد أوصى بينيل Pinel باستعمال الموسيقى في علاج الاختلالات العقلية، كما استخدمها الدكتور ميركوران  Mercurin في علاج  فان غوخ  Van Gogh .

أما الطبيب الأمريكي "روبير هافَن شاوفلير Robert Haven Schauffler فقد ذهب إلى أبعد من كل ذلك، فوضع "دستورا للصيدلة الموسيقية" يصدر بمقتضاه وصفات يوصي فيها بالآتي:

  • في حالة الهَوَس الكارب: "ملك العفاريت Le Roi des Gnomes لـ"شوبرت"، أو "الاستهلال الكرنفَالي" Le Prélude carnavalesque لـ "دفَوراك.
  • في حالة الإنهاك العصبي الناتج عن الإرهاق: "الصباح"Le Matin لـ "غريغ" - "مولدافَيا" la Moldavie لـ"سميتانا".
  • في حالة الآلام النفسية الكبرى: الدراسة "صول الكبير" L'Etude en sol majeur لـ "شوبان" - السوناتة المؤثرة La Sonate Pathétique لـ "بيتهوفَن - كونشيرتو الكمان الجهير Le Concerto pour violencelle لـ "دفَوراك".
  • في حالة المِرَّة: L'Hymne à la joie نشيد الفرح لـ "بيتهوفَن".
  • في حالة الغضب: مغناة الحجاج Choeur des Pèlerinsلـ "فَاغنر".
  • في حالة الحسد: افتتاحيات شعراء نوانبيرغ المتجولين L’Ouverture des Maitres Chanteurs لـ "فَاغنر".

لقد كان مجال العلاج بالموسيقى في العصور القديمة واسعا يكاد يغطي سائر جوانب الطب، ثم تقلص في الوقت الحاضر ليصبح محدودًا في بعض الأمراض العصبية، وحالات عدم الاستقرار، وعند القلق أو الاكتئاب أو الاضطرابات الخفيفة.  وإن علينا اليوم بما نملكه من وسائل علمية وإمكانات مختبرية أن نتجه من جديد إلى دراسة "علم العلاج بالموسيقى" من منطلقين أساسيين:

  • أولهما: أثر الموسيقى على جهازنا العضوي. وهو موضوع يجعل من "السماع" مسألة تستحق في حد ذاتها كتابا قائما بنفسه. فالصوت الذي ينفذ إلى الدماغ عبر الأذن، هو أيضا ينفذ إليه من خلال أجهزة حسية أخرى: الذوق والشم والبصر والبشرة. من هنا تبدو الموسيقى وكأنها قادرة على أن تبث في أجسامنا مراكز مختلفة للإحساس، وأن تنشئ ما يمكن أن نسميه " الحس المواكب".

هناك حقيقة تبدو تافهة، وهي أن الموسيقي المثقف الذي يقرأ مدونة موسيقية ما يسمعها في الآن نفسه، وأن الألحان تستحضر الخطوط. وقد تم تشخيص هذه الحقيقة من خلال شريط "فانتازيا" الذي أنجزه والت ديزني حيث انعكست على الشاشة ألحان "توكاتا" و"فوغ" في ري الصغير لبتهوفن من خلال  خطوط ملونة، وبذلك أصبح الصوت والضوء بمثابة ذبذبات.

وسيكون من الضروري دراسة آثار اللحن على جسمنا من جهة، وآثار الإيقاع من جهة أخرى. وإذا كان للحن تأثير جمالي، فللإيقاع تأثير مادي، وهكذا فعندما تعلن الأبواق النحاسية في سمفونية "تي ديوم" Te Deum لبرليوز عن "يوم الحساب"، يتضاءل فينا الإحساس بجمال الألحان بقدر ما يقوى تأثير "الضوضاء" على جهازنا العصبي.

ونحن إذ ندرك جيدا مدى تأثير بعض موجات ضوء الشمس والأشعة فوق البنفسجية على أجسامنا فلا سبيل إلى إنكار ما للتموجات الموسيقية أيضا من أثر عليها.   

  • ثاني المنطلقين: وضع وصفات طبية دقيقة بقدر الإمكان لحالات معينة من المرض؛

على أننا قد نعدم هذه الدقة أحيانا في وصفات أمراضنا الشائعة.  دعنا نمثل لحالة لا يختلف فيها اثنان:

عندما تشعر في إحدى الأمسيات باليأس ممن حولك من الناس بسبب ما شاهدت في النهار من غباء وهمجية، فعليك أن تستمع لـ "رومانس"Romance en fa" لبيتهوفَن، أو لـ "ضوء القمر" Clair de Lune لديبوسي، فستعود إليك الطمأنينة حتما.

ومما لا ريب فيه، فإن مستقبل "العلاج بالموسيقى" سيكون هائلا بفضل الطب الاجتماعي إذا ما أعيدت دراسته مجددًا على الأسس العلمية الحديثة. وفي هذا الصدد نذكر: الموسيقى في المدارس، وفي المعامل، والبيمارستانات، وفي حصص الرياضة التقويمية

-------------------------

(*) Dr René Lacroix. La Revue Musicale. Editions Richard-Masse.1962 Paris.Numero Special n° 250 pp  33 - 37. 

Rate this item
(1 Vote)
Last modified on الأحد, 01 آب/أغسطس 2021 07:25
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل توافق بأن الإنصات للموسيقى الصاخبة يتسبب في حوادث؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM