arenfrfaestr

ثقافة الموسيقى .. نحو آفاق صحية علاجية

محمد طيفوري

لطالما تردد السؤال، على مر الحقب والأزمنة، عن بدايات الموسيقى في حياة الإنسان؟ فكان الجواب أن الموسيقى فطرة بشرية، ووجود طبيعي في هذا الكون.  فالظاهر أن الإنسان قد أحس بالموسيقى، منذ أن أصبح إنسانا، وشعر بألحان الطبيعة المحيطة به، فسمع الموسيقى في حفيف أوراق الشجر، وفي هدير الشلال، وفي تموج البحر وهيجانه، فالموسيقى ركن من أركان وجود الطبيعة.   

تعلم الإنسان تنغيم الكلمات، وعرف التصفيق وطقطقة الأصابع أو الضرب على الأرض، ما قاده إلى الغناء والتلحين. فأبدع معزوفته الموسيقية الأولى، ثم جاء الغناء للتعبير عن أحاسيس النشوة والسعادة. وكانت أغاني الحب، ثم أحاسيس الألم والرهبة والخوف من الطبيعة. بمضي الزمن طور لعبة الضرب، واخترع من الأشياء المحيطة به آلات موسيقية، بدءا بآلات النفخ "الآلات الهوائية"، ثم النقر "الآلات الإيقاعية"، فالآلات الوترية، واستطاع من خلالها أن يعبر عن مشاعره. وشيئا فشيئا ارتقى بالموسيقى والغناء إلى شكلهما الإنساني الراقي المعاصر. 

لغويا، كلمة "موسيقى" ذات أصل يوناني، مشتقة من "موسا" وتعني الملهمة. وتزعم الأسطورة أن جوبيتير الملك الروماني، كان يصحب معه في جولاته فتيات يلقبهن "موساجيت"، كل منهن تزاول فنا من الفنون الجميلة "الغناء والرسم والدراما والكوميديا والخطابة والفروسية"، بذلك يكون المعنى القديم لكلمة موسيقى هو الفنون بصورة عامة، وانفردت التسمية فيما بعد بلغة الألحان والعواطف.     

انتقلت الموسيقى في تطورها من الأسطورة إلى المعتقد، فبعد أن كانت الشعوب القديمة تقيم طقوس العبادة باحتفالات موسيقية، سخرتها الأيديولوجيات في تحقيق التلاحم وتوحيد الصفوف، وتوجيه عواطف المريدين. فعند الاستماع لموسيقى دينية، يشعر المرء بتعاظم تأثير الفكرة الدينية فيه. وقد تكرر هذا الأمر حديثا، حين استخدمت النازية معزوفات شهيرة لترسيخ أيديولوجيتها، وتوحيد صفوف الألمان. كما أن المعزوفة التاسعة للموسيقي بيتهوفن بمنزلة بيان سياسي واجتماعي عن التضامن الإنساني.

تاريخيًا، حضرت الموسيقى في ثقافات الشعوب دون استثناء، فكل الحضارات - بحسب تيودور فيني - دخلت العصر التاريخي مزودة بآلات موسيقية، وكان لدى بعضها ركام من الأساطير يفسر اختراعها. ويشهد وجود الآلات الموسيقية على انفصال الخط اللحني والإيقاعي عن الكلمات، ويبقى التساؤل قائما حول طريقة وتوقيت الاكتشافات التي أسست مفاهيم الإيقاع واللحن، كوحدات تعبيرية متباينة، وأدت إلى اختراع الآلات الموسيقية، التي كانت - أصلا - مجرد أدوات مساعدة للألحان والإيقاعات التي يصنعها الإنسان، ثم أصبحت بعد ذلك بديلا عنها؟       

ففي النصوص المسمارية السومرية، على سبيل المثال، معلومات ورسوم تتعلق بالموسيقيين وأصنافهم واختصاصاتهم ومراكزهم، تفيد بأن معظم الموسيقيين في العهد السومري كانوا رجال دين تابعين للمعبد. وقدست قبائل شعوب أمريكا اللاتينية الطبل، لما يمثله من أهمية في طقوسهم وشعائرهم الدينية. وطور المعلم "شيفا ماهاديفا"، قبل أكثر من سبعة آلاف عام، السلالم الموسيقية الهندية التقليدية التي تدعى "راغا"، كي تنسجم مع إيقاعات الطبيعة، بحيث تعزف كل "راغا" أو تغنى فقط في فصل محدد، وفي وقت محدد من اليوم، لكي تعطي تأثيرًا عاطفيًا خاصًا في الموسيقي وفي المستمعين.  

وابتكر المصريون الفراعنة قبله العزف الديني على المزمار، واستخدموه في طقوس دينية فرعونية. وتأثر اليهود بهذه الثقافة الفرعونية، فأنشدوا نصوصا برفقة المزمار، ثم استمر المزمار عند المصريين، ولاحقا تم إدخاله الفن الديني الصوفي.  وساعد الصوت الحزين والشجي الذي يطلقه المزمار على انتشاره، فانتقل تدريجيًا إلى الدول العربية الأخرى، حتى باتت فيها التعبيرات الفنية في الأعياد الإسلامية، في إذاعة أو قناة تلفزيونية، تكون بوساطة معزوفة بآلات المزمار.     

يروج أن الموسيقى في العالم الإسلامي ظلت بعيدة عن الشعائر والعبادات الدينية، حتى عهد الدولة العثمانية، حين ظهرت الحركات الصوفية التي دمجت الموسيقى بطقوسها، فالصوفيون يرون أن الموسيقى وسيلة لتدريب النفس على الكمال الروحاني والتناغم مع الذات، مع الإشارة إلى أن ما تدعيه الصوفية ابتكارًا هو مجرد انتحال عن موسيقى سبقتها، كانت شعوب قديمة تقوم بها في مواسمها الدينية.

عودًا إلى الادعاء الصوفي الذي لا يصمد كثيرًا أمام وقائع التاريخ ومعطياته، فقد ازدهرت الموسيقى في الحضارة الإسلامية منذ العصر العباسي، حيث قام عديد من العلماء والفلاسفة بدراستها والعمل على تطويرها، مستندين بداية إلى النظرية الإغريقية القديمة، وأسهمت أسماء وازنة في هذه الحقل المعرفي، مثل: الفارابي وابن سينا والكندي وصفي الدين الأرموي وقطب الدين الشيرازي.

دون أن ننسى قائمة طويلة لموسيقيّ ما قبل الإسلام أمثال المهلهل، وهو لقب عدي بن ربيعة وعلقمة بن عبدة وأعشى ميمون بن قيس، حتى قال عنه أحدهم جوابًا عن سؤال أشعر الناس؟ "امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وزهير بن أبي سلمى إذا رغب، والأعشى إذا طرب".

واستقبل أهل المدينة الرسول الكريم بالإنشاد يوم الهجرة، وأنشدوا في وصفه "طلع البدر علينا"، مستخدمين الطبول والدفوف.

وضع العرب نحو 200 مصنف في سائر الفنون والعلوم الموسيقية، في الفترة ما بين القرنين التاسع والـثالث عشر، وتفجرت قنبلة النهضة الموسيقية في الأندلس، ما بين القرنين الثامن والخامس عشر، حيث أنشئت أول كلية موسيقية في سالامانك، الواقعة حاليا في مقاطعة قشتالة في وسط شمال إسبانيا، وأصبحت قرطبة بؤرة للثقافة الموسيقية.  نهضة لم تدم طويلا، بعدما تلقى الأوروبيون نورها، وأعادوا إشعاله في أوروبا أوائل القرن الـسادس عشر، ما أفرز ظاهرة انتقال الشعراء من العالم الإسلامي إلى جنوب أوروبا في العصور الوسطى، وسموا بالفرنسية"تروبادور" (tropadour)، وهذه الكلمة مشتقة من العربية "طرب دوار". 

تكرر السيناريو نفسه مع المسيحية، حيث ظهر الغناء "الغريغوري" في القرن السادس زمن البابا غريغوري، الذي يعرف بأقدم أنواع الموسيقى في الكنيسة، الذي يكون عبارة عن ترتيل نصوص دينية لألحان بسيطة مع إيقاعات محددة. وعادة ما تؤديها مجموعة تغني في الوقت نفسه، وذلك دون الاستعانة بأي آلات موسيقية، وأشهرها "هلّولويا" التي تعني "مدح الرب". 

بعيدا عن روابط الموسيقى بالمعتقد، نذكر أن الإمام الغزالي، صاحب كتاب "إحياء علوم الدين" من القرن الخامس الهجري، قال "من لم يطربه العود وأوتاره، فهو فاسد المزاج، ليس له علاج"، بينما تحدث ابن سينا عن أن "الغناء أحسن رياضة لحفظ الصحة من العناء".     

يذكر أن الطبيب أبقراط كان أول من استخدم الموسيقى بين اليونانيين، إيمانًا منه بقدرتها على تخفيف التعب والإرهاق، وتعديل المزاج وشفاء الأمراض النابعة من الإنهاك العقلي والجسمي.  وعربيّا، توصل أبو يعقوب الكندي إلى أثر الموسيقى في تطبيب الأمراض النفسية والعقلية، كما رتّب ابن سينا العيدان وأساليب عزفها.  وتوصل العلم حديثًا إلى هذه الحقيقة، فشرع في استخدام الموسيقى للعلاج من بعض الأمراض، فقد استعين بأشكال من الموسيقى للتخفيف من الألم، ووضع نظام صوتي موسيقي لتخفيف آلام مرضى السكتة الدماغية، ولاسترجاع نطق المصابين بها.

المصدر: جريدة الاقتصادية


 

Rate this item
(1 Vote)
Last modified on الأحد, 01 آب/أغسطس 2021 07:22
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل تحقق الموسيقى تناغماً بين النشاط الدماغي للعازفين وجمهورهم؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM