arenfrfaestr

الحاجة الحمداوية حاملة لواء العيطة في الوقت الحاضر

عبد العزيز ابن عبد الجليل

دأبت غالبية الدراسات التي همت العيطةـ، باعتبارها نمطا من أنماط الموسيقى الشعبية في المغرب، على النظر في الجوانب المتعلقة بالكلمة المغناة، وبلبوسها اللحني والإيقاعي.  ومع الإقرار بأهمية هذه الجوانب التي تشكل أبرز مكونات العمل الموسيقي مهما كان نوعه، فإن هناك جانبا آخر هو أيضا من صميم مكونات الأغنية الشعبية، وقلما نال من الدراسات  والبحوث حظه؛ ونريد به "الأداء" بصنفيه الآلي والصوتي، وما يرتبط به من أدوات وتقنيات تتجلى فيها أروع صور الإبداع والابتكار، وهي صور طالما كانت مثار إعجاب المستمعين، ناهيك بشيخ "العيطة المرساوية" في خمسينيات القرن السابق "محمد قيبُّو" الذي أجمع العارفون بهذا الفن على تلقيبه بـ"الماريشال".  فلقد بلغ في مجال العزف على الكمنجة درجة عز على كثير من حامليها حتى اليوم أن يدركوها في أداء العيطة.  ومع ذلك فإن أداءه لم ينل أكثر من أن يوصف بأنه "كان رائعا"، أو أنه "يأخذ بالألباب".  فما هي مواطن هذه الروعة؟ وما سر أخذه بالألباب؟ إن الجواب عن هذين السؤالين وما يجري في سياقهما يستدعي تنميط الآلة التي كان يستخدمها من بين أصناف أسرة الوتريات، وبيان خصوصياتها الفنية، كما أنه يستلزم الكشف عن التقنيات التي ينهجها في تناوله للكمنجة، وملامسة دستانها، ونقر أوتارها، وهي تقنيات تدخل في صميم ما يعرف بالوسائل المساعدة على تحسين الأداء، باعتباره مطية يركبها العازف لتحقيق الغايات المقصودة بالألحان من لذة المسموع، أو تحريك للانفعالات النفسية، أو تخيل المعاني الكامنة في الأشعار الملحنة.

لم يكن القصد إلى الحديث عن "الماريشال قيبُّو"، وإنما كان القصد إلى الحديث عن أعلام نسائية نبغن في مجالات الفكر والإبداع الفني ببلادنا.  ولأني اخترت من بين هؤلاء الأعلام رمزًا من رموز فن "العيطة" كان لا بد أن أمهد لحديثي بذكر فنان بصم هذا الفن بعبقريته، لأخلص إلى طرح السؤال التالي: ماذا كان نصيب الأداء في الدراسات التي همت  رائدة "العيطة" الشعبية الحديثة دون منازع: الحاجة الحمداوية، وهي تصدح بعيطاتها؟ 

يخيل إلي أن من يحاول التحدث عن الحاجة الحمداوية من هذه الوجهة كأنما يحاول تسنم هرم شامخ، ذلك أن طريقتها في غناء العيطة تشكل بالنسبة إليها ركنا من أركان الصناعة الموسيقية، فهي تتفنن في تلوين الفقرات الغنائية، وتجتهد في تشذيب العيطات، فتتجاوز الأساليب القديمة التي عفَّى عليها الدهر، من قبيل المبالغة والإفراط في طَرْق الطبقات الصوتية الحادة لِتُضْفِيَ على أدائها حُلىً من المحاسن الصوتية بما يناسب التطور الذي عرفته العيطة ذاتها  في العقود الأخيرة.

وعلينا أن نذكر أن هذه الفنانة المتألقة غدت مند أن رحل المرحوم "بوشعيب البيضاوي" إلى دار البقاء حاملة لواء "العيطة المرساوية" دون منازع، فقد تسنَّمت ذروة المهارة في غنائها، ولم ينل مَرُّ السنين من نضارة صوتها وجرْس نبراتها ما ناله من تجاعيد أناملها، فهي ما انفكت صاحبة الصوت المرن، تتصرف فيه وفي إمكاناته تصرف العارف الخبير بأسرار آلته، تراها آنا تخفض منه حتى لكأنه همس يحكي همس وحيد المغنية وقد وصفها ابن الرومي وهي تغني قائلا:

              تـتـغـنى كـأنـهـا لا تُـغَــنــي              من سكون الأوصال وهي تُجيدُ

              لا تـراها هـناك تجحَظ عين              لـــك مـــنـهـا ولا يـــدِر وريــدُ

              من هُدُوٍّ وليس فيه انـقطـاعٌ               وشُـجُــوٍّ ومــا بــه تــبــلــيــــدُ

فإذا هي بلغت من العيطة "العَدّانّ" أسعفتها أنفاسها وامتدت كامتداد آهات عاشقيها، وتراها طورا تصدح بصوتها عاليا، على أنَّ في علو صوتها وهي تطرق النغمات الحادة شَجىً لَيِّناً لا يخدش المسامع من فرط الحدة، ولا يركب التصنع أو ما يعرف بغناء الرأس.

لقد عرفت العيطة مع الحاجة الحمداوية تطورا إيجابيا تحولت معه إلى مُغناة شائقة تُوَشّيها زخرفتها الصوتية وهي ترجع "فراشها"، وتزينها الرشاقة، وهي تتهادى مترنحة بـ "غطائها"، لتفضي في "سدة" العيطة إلى أداء حثيث يستفز حاملي آلات الوتر، وضاربي آلات النقر.

عندما نذكر "العيطة" فإن أول ما يتبادر إلى الذهن مفهوم التنادي الذي يستلزم الصدح بالصوت؛ من هنا كان الصوت هو الأداة الرئيس في فن العيطة، وكان التحكم في استخدامه وتوظيف إمكاناته، سواء منها الفطرية أو المكتسبة، من آكد ما يعتمده المغني، ليس فحسب من أجل أن يحمل الكلمات إلى أسماع الناس، ولكن، أيضًا، من أجل أن يكسو هذه الكلمات أداءا معبرا له وقع وتأثير في نفوس الناس.

لقد أدركت الحاجة الحمداوية، بفضل ما أوتيت من رهافة حس تدعمه الخبرة الطويلة المِراس،  كيف تُسخٍّر طاقاتها الصوتية لخدمة العيطة، فجعلت منه أداة لترجمة المواقف، وتجسيد الصور والتمثلات، تنساب عبرَه آنا رنّات حَسْرَى وآهاتٌ كسيرة، فتتحرك لواعج الذكريات، وتتدفق عبره طورا إيقاعات تستنهض الهمم فيتحول المقطع الغنائي إلى ما يشبه النشيد الحماسي الموقع. أليس هذا هو ما نستشعره ونحن نسمعها إذ تغني:

                   خُوتْنا يا الاِسلامْ                 هَزُّوا بنا الاَعْلامْ

                   زيدوا بِنا الْقَـدّامْ                  اْيْــلَا اخْــيَـابَــتْ

                                     دَابَــا تَــزْيـَـانْ[*]

ختامًا، ماذا عسايَ أن أضيف، إلا أنها الفنانة التي شكلت بين الأصوات النسائية استثناءً أهَّلها دون غيرها لأن تدخل أستوديات الإذاعة الوطنية من أجل أن تسجل أغنياتها  بمصاحبة الجوق العصري في إطار توزيع موسيقي جديد ارتقى بالعيطة المرساوية الشعبية إلى مصاف الأغنية الوطنية الناجحة؟


[*] إذا خْيابتْ دابا تَزْيان: إذا ساءت الأحوال اليوم فستتحسن مستقبلا.

Rate this item
(1 Vote)
Last modified on الأربعاء, 30 حزيران/يونيو 2021 12:57
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل ساعدت الموسيقى على تجاوز الأوقات الصعبة في حياتك؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM