arenfrfaestr

لا يُشترط أن تبدأ في سنٍّ مبكرة كي تصبح موسيقيًّا عظيمًا: دراسةٌ جديدةٌ تدحض الفكرة القائلة بأن ثمة فترةً حاسمةً للتعلم في مرحلة الطفولة

سيندي ماي

بدأ فولفجانج أماديوس موتسارت تدريباته الموسيقية في سن مبكرة عندما كان يبلغ من العمر ثلاثة أعوام، وعند بلوغه سن الخامسة، كان قد ألَّف بالفعل مقطوعته الموسيقية الأولى. أتقن موتسارت في طفولته العزف على البيانو، إضافةً إلى العديد من الآلات الموسيقية الأخرى مثل الكمان والأُرغُن والقيثارة، بكل المقاييس، كان موتسارت طفلًا عبقريًّا، لكنه لم يكن بأي حالٍ من الأحوال الملحن الوحيد الذي تميَّز بتلك الانطلاقة المبكرة، إذ ظهر العديد من الموسيقيين العظماء الذين سجلت صفحات التاريخ أسماءهم، مثل لودفيج فون بيتهوفن، ومارثا أرجريتش، وفينتشينزو بيليني، وكلاوديو آراو، وقد بدأوا جميعهم التدريب على الموسيقى في سنوات الطفولة المبكرة وأكملوا مسيرتهم في إبهار العالم.

ويطرح نجاح هؤلاء الموسيقيين السؤال الآتي: هل يحتاج المرء إلى بدء المسيرة في سنٍّ مبكرة كي يصبح واحدًا من العظماء؟  يَفترض كثيرٌ منا أنه كلما بدأ المرء في سنٍّ أصغر، حظي بفرصٍ أكبر في أن يصبح الأفضل، وقد دعمت أبحاثٌ معينة هذا الافتراض، بل إن بعض علماء النفس ذهبوا إلى الاعتقاد بأن هناك فترة محورية في مرحلة الطفولة المبكرة نمتلك فيها مقدرةً كبيرة للغاية على تَشرُّب الموهبة الموسيقية.  ومن هذا المنظور، فإن انتظار المرء إلى أن يصل إلى سن المراهقة أو حتى بدايات سن البلوغ قبل أن يبدأ تدريباته، سوف يكون سببًا في إهدار فرصة بالغة الأهمية.  غير أن دراسةً جديدة أجرتها لورا ويسيلديك من جامعة فِرايه أمستردام بالتعاون مع زملائها تتحدى وجهة النظر هذه.  تستكشف الدراسةُ احتمالية أن تكون العوامل البيئية والأسرية هي المسؤولة عن نجاح "مَن يبدأون المسيرة في سنٍّ مبكرة"؛ فقد لا يكون السبب في تميُّز هؤلاء الأفراد أنهم يتعلمون في مرحلة فريدة من مراحل عملية النمو، بل لأنهم يرثون الموهبة، أو ربما لأنهم يحظون بميزة استخدام الآلات الموسيقية والتعليم، أو يبدأون التدريب والممارسة في سنٍّ مبكرة، من ثمَّ، قد لا يكون تأخُّرك في بدء المسيرة عائقًا يحول دون انضمامك إلى قائمة العظماء.

عند عقد مقارنة بين مَنْ يبدأون في سنٍّ مبكرة وأولئك الذين تتأخر موهبتهم في الظهور، يُعد إجمالي الزمن المستغرَق في الممارسة أحد العوامل الحاسمة التي يجب أخذها بعين الاعتبار؛ فنحن نعلم أن الممارسة مهمة لأن المرء يمكن أن يستغرق آلاف الساعات حتى يكتسب الخبرة، لذا يتعين على أي دراسة تسعى إلى فصل المزايا التي يجنيها المرء من التعرُّض المبكر أن تضاهي بين زمن التدريب الذي يستغرقه مَنْ يبدأون المسيرة في سنٍّ مبكرة ومَنْ يبدأونها متأخرين، لكن هناك صعوبة في عملية المضاهاة تلك، تتمثل في أن الأشخاص الذين يتأخرون في البدء مع تكثيف الممارسة والتدريب يكونون في الغالب أكبر سنًّا بكثير ممن يبدأون في سنٍّ مبكرة مع القدر نفسه من الممارسة والتدريب، وبالنظر إلى أن بعض أنواع الأداء المعرفي غالبًا ما تبدأ في التراجُع في بدايات سن البلوغ، فإن المقارنة بين الأشخاص الأكبر سنًّا الذين تتأخر موهبتهم في الظهور وأولئك الذين يبدأون في سنٍّ مبكرة قد تؤدي إلى تضخيم مزايا البدء في سنٍّ مبكرة.

ومما يزيد هذا التحدي صعوبةً أن زمن الممارسة والسن ليسا العاملَين الوحيدين اللذَين يجب أخذهما بالاعتبار، فتخيل مثلًا أنك وُلدت في أسرةٍ كان أحد الأبوين فيها يعمل عازف بيانو ضمن فرقة موسيقية، من الوارد أن يكون لبعض جوانب الموهبة الموسيقية مُكوِّن وراثي، وإن كان الأمر كذلك، فربما تكون قد ورثت عن أحد أبويك استعدادًا للتفوق في مجال الموسيقى، وحتى إذا لم ترث ذلك الاستعداد، فإنك نشأت في بيئةٍ ذات ثراء موسيقي؛ إذ تتوافر آلة بيانو في منزلك ولديك أبٌ أو أمٌّ تعزف عليها بانتظام.  قد تقودك موهبتك الطبيعية أو ما تكتسبه من خبرات أو الاثنان معًا إلى البدء في النقر على مفاتيح البيانو وأنت ما زلت طفلًا صغيرًا، فمن حسن حظك أن أحد أبويك يمتلك المعرفة والخبرة اللازمة لرعاية هذا الاهتمام وتنميته لديك، فأنت بهذا تكون قد بدأت بالفعل في سنٍّ مبكرة، لكنك تتمتع في الوقت نفسه بمزايا عائلية وبيئية من شأنها أن تُسرِع من وتيرة تطورك في مجال الموسيقى.

استكشفت ويسيلديك وزملاؤها تأثير هذه المؤثرات العائلية والبيئية عن طريق قياس القدرة والخبرة الموسيقية لدى مجموعتين مستقلتين، إحداهما تضم عددًا من الموسيقيين المحترفين والأخرى تشتمل على توائم بالغين لديهم خبرة في مجال الموسيقى.  ومن خلال تضمين الموسيقيين المحترفين في دراستهم، أجرى الباحثون تقويمًا للقدرة والخبرة لدى مجموعة من الخبراء النشطين المُدرَّبين تدريبًا جيدًا والذين كانوا قد بدأوا تدريبهم في أعمارٍ مختلفة (تتراوح بين الثانية والثامنة عشرة).  ومن خلال دراسة التوائم المتماثلة، أمكن للباحثين دراسة الفروق والاختلافات في القدرة والخبرة الموسيقية لدى أزواجٍ من الأفراد ينتمون إلى البيئة الأسرية نفسها ولديهم الاستعداد الوراثي نفسه ولكنهم ربما يكونون قد بدأوا تدريبهم في مراحل عمرية مختلفة.

شارك في الدراسة المذكورة أكثر من 300 موسيقيٍ و7000 من التوائم، وتراوحت أعمار المشاركين بين 27 و54 عامًا.  وكان الموسيقيون الذين وقع الاختيار عليهم لا يزالون يعملون بالمجال، كما أن كل فرد من أفراد التوائم المشاركين كان قد تلقى تدريبًا على عزف الموسيقى في مرحلةٍ ما من حياته. سجل المشاركون السن التي بدأوا العزف فيها وعدد الساعات التي قضوها في التدريب أسبوعيًّا خلال فتراتٍ عمرية مختلفة (على سبيل المثال، من سن 6 أعوامٍ حتى 11 عامًا، ومن سن 12 عامًا حتى 17 عامًا).  باستخدام هذه المعلومات، استطاع الباحثون تقدير السن التي بدأ فيها التدريب وكذلك الممارسة التراكمية لكل مشارك، كما أكمل المشاركون أيضًا بيانات على شبكة الإنترنت، تناول أحدهما القدرة أو المَلَكة الموسيقية، وتضمَّن الثاني مستوى التحصيل الموسيقي، وكان اختبار القدرات يقيس المهارات الموسيقية الأساسية للتمييز بين النغمة واللحن والإيقاع.  أما اختبار التحصيل فكان بمنزلة تقويم لمقاييس مختلفة للنجاح الموسيقي، من بينها مجموعة الأعمال المؤلفة والمؤداة بالفعل، وعدد الجوائز التي حصل عليها العازف، والمراجعات النقدية لأعماله على المستويين المحلي والدولي، إضافةً إلى المقطوعات الموسيقية التي عزفها في الحفلات العامة.

وتشير النتائج التي توصل إليها الفريق إلى أن مَن يبدأون في سنٍّ مبكرة لا يستفيدون من الفرصة التي تتيحها لهم فترة النمو الحاسمة لتعزيز مهاراتهم وخبراتهم، وإنما يستفيدون من الممارسة والتدريب لساعات أطول، ونشأتهم في أسرةٍ لديها اهتمامٌ بالموسيقى، وربما امتلاكهم استعدادًا وراثيًّا للتميُّز في مجال الموسيقى.  درس الباحثون أولًا العلاقة بين البداية المبكرة والقدرة والتحصيل الموسيقي اللاحقين لدى أفراد كلتي العينتين اللتين تضمان موسيقيين وتوائم، وكان العنصر الضابط هو إجمالي زمن الممارسة والتدريب.  في هذا التحليل، وجد الباحثون ارتباطًا بين بدء التدريب الموسيقي في سنٍّ مبكرة وإحراز درجاتٍ أعلى في بعض مقاييس القدرة الموسيقية، غير أنهم لم يرصدوا ارتباطًا بين البداية المبكرة وارتفاع مستوى التحصيل الموسيقي، بعبارة أخرى، عندما ظل إجمالي زمن الممارسة ثابتًا، أحرز الأفراد الذين تعرضوا للموسيقى في سنٍّ مبكرة درجاتٍ أعلى في ما يتعلق بالمهارة الأساسية للتمييز بين النغمات، ولكنهم لم يكونوا -مقارنةً بمَن تجلَّت موهبتهم في وقتٍ متأخر – أوفر حظًّا من حيث تشغيل معزوفاتهم في القنوات الإذاعية أو الحفلات الموسيقية العامة، أو نيلهم الجوائز، أو خضوع معزوفاتهم لمراجعات نقدية على المستويين المحلي أو الدولي.

فحص الباحثون البيانات الخاصة بالتوائم كي يتسنى لهم فهم الدور الذي تؤديه العوامل الوراثية والبيئية في التفوق الموسيقي، وقد وضع الباحثون تقديراتٍ للعوامل الوراثية والبيئية من خلال مقارنة التوائم المتماثلة بعضهم ببعضٍ من جهة، وبالتوائم غير المتماثلة (الذين لا يتشاركون سوى في 50% من جيناتهم في المتوسط)، ومقارنتهم كذلك بالموسيقيين ذوي الخبرة في المجموعة عمومًا، فإذا لم يكن هناك مُكوِّنٌ وراثي للموهبة الموسيقية، فإنه سيُستَدل من ذلك على أن البيانات المستقاة من أزواج التوائم المتماثلة مشابهةٌ لتلك المستقاة من أزواج التوائم غير المتماثلة.  وبالمثل، إذا لم يكن للبيئة الأسرية تأثيرٌ يُذكر على النجاح في مجال الموسيقى، فإن بيانات التوائم الذين نشأوا معًا لا بد أن تكون مطابقةً لبيانات الموسيقيين الذين لا تجمعهم صلة قرابة، ومن غير المستغرَب أن تشير النتائج إلى أن الوراثة والبيئة تُسهِمان فعليًّا في القدرة والتحصيل في مجال الموسيقى.  وعند تثبيتهم هذه المؤثرات الوراثية والبيئية، وجد الباحثون أن البداية في سنٍّ مبكرة لم تعد كافيةً للتنبؤ بالقدرة الموسيقية.  ببساطةٍ يمكننا القول إن إحراز مَنْ بدأوا في سنٍّ مبكرة درجاتٍ أعلى في اختبارات القدرات لم يكن سببه أنهم بدأوا تدريبهم في وقتٍ مبكر، وإنما مردُّ ذلك إلى العوامل الوراثية والبيئية التي منحتهم ميزةً على غيرهم؛ فالأطفال من أصحاب الموهبة الفطرية في الموسيقى أو الذين لديهم أبٌ أو أمٌّ تتمتع بملكات موسيقية يكونون على الأرجح أكثر تعرضًا للموسيقى في سنٍّ مبكرة ويجدون مَنْ يرعى موهبتهم.  وتُفسر هذه العوامل الميزة -على مستوى المهارات الموسيقية- التي يتمتع بها مَنْ يبدأون في سنٍّ مبكرة على مَنْ تتأخر موهبتهم في التبلور.

لذلك يمكننا جميعًا أن نأخذ نفَسًا عميقًا وأن نهدأ بالًا إذا كنا قد عجزنا نحن (أو أطفالنا) عن بدء العزف على آلة موسيقية في سن الخامسة، فالمرحلةُ الحاسمة لم تفُتك؛ لأنها -كما تشير النتائج- لا توجد من الأساس، فإذا ظهر شغفك بالعزف على البيانو في سن المراهقة أو حتى بعد بلوغك سن الرشد، فهذا ليس معناه حرمانك من التميُّز إلى الأبد؛ فلا يزال بمقدور الأشخاص الذين يتعلمون العزف في وقتٍ لاحق من حياتهم أن يطمحوا إلى التفوق والتميُّز، تمامًا مثلما تمكَّن بيل ويذرز من تأليف وإنتاج مقطوعات موسيقية حازت جوائز وانضم بفضلها إلى قائمة مشاهير موسيقى الروك آند رول، مع أنه بدأ مسيرته الموسيقية في أواخر العشرينيات من عمره، ورغم كل ذلك، تُعد الممارسة مكونًا رئيسًا في أي وصفة لتحقيق النجاح؛ فإذا لم تبدأ مبكرًا، فقد تحتاج إلى السهر لوقتٍ متأخر وقضاء ساعاتٍ إضافية في التدريب، إذ إن الممارسة خير وسيلة للإتقان.

المصدر Scientific American

Rate this item
(1 Vote)
Last modified on الأربعاء, 30 حزيران/يونيو 2021 11:56
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل ساعدت الموسيقى على تجاوز الأوقات الصعبة في حياتك؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM