arenfrfaestr

العُقَيْر.. ميناء التثاقف الموسيقي .. بحثاً عن الرصيد المسجل  

عبّاس الصّادق

أرفق الباحث "عبد الخالق الجَنَبِيّ" هذه الصورة لميناء العُقَيْر (يقع شمال شرق الهفوف مركز الأحساء، ويبعد عنها سبعة وستين كيلومتراً) وهي تعود إلى العام 1930م، وتوجد في أرشيف شركة أرامكو،  ويقول الجَنَبِيّ: "وكأنّ مُلْتَقطَها (أحد المستشرقين الغربيين، لم يورد الباحث اسمه) لم يلتقطها إلا لشرح البيت الأخير من شعر بِشر بن أبي خازم الأسديّ (توفي 601 م) وذلك في قصيدة قالها يتهدّد فيها بني سعد بن زيد مناة بن تميم، وكانوا من سكان تلك المنطقة:

فأَبْلِغ بني سعدٍ ولن يَتقبّلوا    رسولي ولكنّ الحَزازَةَ تُنصِبُ

حَلَفتُ بربِّ الدّامياتِ نُحورُها    وما ضّمَّ أجوازُ الجِواءِ وَمِذنَبُ

وَبِالأُدم يَنظُرنَ الحِلالَ كَأنَّها   بأكوارها وَسطَ الأراكةِ رَبْرَبُ[1]

(الأُدم: النوق، الحِلالَ: المراكب البحريّة، الأكوار: جمع كور، وهو رحل النّاقة بأدواته، والرّبرب: قطيع البقر الوحشيّ)

ويصل الجَنَبِيّ إلى أنّ هذه الصورة هي ذاتها التي ذكرها بِشر في البيت الثالث أعلاه، ويضيف: تلك الصورة "ظلّت مألوفة في المنطقة حتى وقت قريب، وهي وصفه للنّوق المُنَاخَة قِبالة ساحل البحر، وهي تَنْظُر وتَنْتَظِر المراكب البحريّة لنقل حمُولتها على ظُهورها، والاتجاه بها إلى الأحساء ونجد[2]".

أقول: إنّ تجمعاتٍ كهذه قد يكون من الرّاجح أنّها كانت بمثابة نادٍ للترنّم والإنشاد والدّندنة؛ لقتل الانتظار، والأُنس والتسلية، ولعلّ نفس هذا المصوّر أو غيره من المستشرقين قام بتسجيل شيء منها؛ إن صحّ ما نُرجّحه، فلا دليل أقوى من "المخطوطات الصوتيّة" في دراسة الموسيقى؛ وبدونها أو بدون نصّ مدوّن يبقى هذا الترجيح مجرّد فرضيّات يعوزها البرهان، لاسيّما وأنّ أجهزة تسجيل الصوت في ذلك الوقت بدأت بالانتشار؛ وإن كانت حِكراً بِيَد الشركات والباحثين الذين ملأوا المنطقة لأغراض استخباراتيّة صِرفة في أغلبها، حيث يُرسِلون ما يظفرون به ويَغنمونه من وثائق وخرائط وتسجيلات لتراث الشعوب وحاضرها؛ إلى مَخابِر الدراسات الإثنوموسيقولوجيّة (ETHNOMUSICOLOGY). ولعل التسجيل - إن وجد - لم يكن بريئا حينها، فهو وإنْ كان ظاهره البحث والدراسة الأنثروبولوجيّة وباطنه الهيمنة والتحكم الأمثل بأبناء المنطقة وفق سياسة الهيمنة، فذلك لا يقلّل من قيمته وأهميّته، ولْنحسن الظنّ.. علّنا نظفر بشيء من تلك التسجيلات ونَقُول إنّه كان لغرض بحثيّ محض، المهم أن نحصل على شيء منه!، لنتعرف على موروثنا الموسيقيّ وما يرتبط به من أبعادٍ دينيّة وثقافيّة واجتماعيّة وغيرها.

بالعودة للهيمنة فإنّ لنا في الجزأين الثامن والتاسع (خُصِّصا لكل ما يتعلّق بالموسيقى في مصر)  من كتاب "وصف مصر" لنا فيهما عبرة حسنة، فقد كَتَبَ تلك الموسوعة باحثون سبقوا "نابليون بونابرت" ، فكان الاحتلال والهيمنة على مصر، ولم تكن حينها ثمّة أجهزة للتسجيل، ولكنْ كانَ الوصف والتَّدوين لموسيقى المصريين دقيقاً إلى حدّ ما، وحوى المجلدان دراسة للظواهر الموسيقيّة دراسة إنسانيّة موسيقولوجيّة اتضحت أهدافها فيما بعد، وزادت قناعة الباحثين بقدرة "الموسيقى" على رفد الباحثين بما يعينهم على فهم الشعوب ودراستها؛ وصولاً للتحكم الأمثل بها وفق سياسة مرسومة، وللإنصاف فإنّ مِن المستشرقين من قَدِم لبلدان المشرق وغيرها بغرض البحث والدراسة بعيداً عن الأغراض الاستخباراتيّة، وقدّموا لأبناء الشرق الكثير من الخدمات التي عجز عنها العديد من الباحثين المشرقيين.

وعلى كل حال فإن المراكز التجاريّة المهمّة ومنها "ميناء العقير" عادة ما تكون محطة للتثاقف الموسيقيّ وغيره، لا سيما في العهود التي سبقت اكتشاف النفط، فمنذ نشأة ميناء العقير "إبّان انبثاق نور الإسلام أو قبله بقليل[3]"، وكونه "فُرْضَةَ الصّين وعُمَان والبصرة واليمن[4]" في القرنين الأول والثاني الهجريين، مرورا بتنقّل الفرس والهند عبر هذا الميناء، وكذلك في دولة القرامطة وعهد  العُقيلين والجبرين[5] وصولاً إلى قدوم العثمانيين إلى المنطقة الذين "صيّروا من العقير الميناء الأول للمنطقة[6]" وإلى ما قبل اكتشاف النّفط، كل ذلك يشير إلى دور ذلك الميناء في التثاقف الموسيقيّ بين تلك الحضارات المتنوعة وحتى القريبة منها.

ولِغلبة انتشار ديانة الإسلام في المنطقة لنا أن نتخيّل ما الذي يُمكن أن يحدث حينما يحين وقت الصلوات، من رفع الأذان وتلاوة القرآن والترنم بالدعاء، وإنشاد شعر الرثاء أو المديح في النبي محمد وآله. فالأذان مثلاً يختلف أداؤه ومقاماته باختلاف المناطق وإن تجاورت، فأهل الحجاز لهم طريقتهم ومقاماتهم في الأذان، وللإيرانيّين طريقتهم ومقاماتهم ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ الأمر الذي يفتح الباب على مصراعيه لمختلف الوفود بالتثاقف الموسيقيّ، ولكن قد يقول قائل: ليس المقام مقام عبادة وتبتّل، ومِثلُ تلك الأجواء التجاريّة يغيب فيها حِسّ التديّن، وإنْ كان ثمّة حَدَث موسيقيّ فالأَوْلَى أن يكون دنيوياً لا دينيّا.

نقول إنّ أبناء المنطقة (إقليم البحرين القديم) يغلب عليهم التديّن والالتزام بتعاليم الإسلام، وإنْ صحّ غياب تداول وأداء الموسيقى الدينيّة التقليديّة في ذلك الميناء، فهل يمكن للموسيقى التقليديّة الشعبيّة أن تغيب؟ لا سيما وأنّ كلا المَوروثيْن الموسيقيّيْن البحريّ والبرّيّ يلتقيان في "ميناء العقير"، ونقصد بالموروث الموسيقيّ البريّ الموسيقى المرتبطة بوسيلة نقل حمولة المراكب البحريّة وهي الجِمَال، وما يرتبط بها من فنون موسيقيّة ضاربة في القدم كالحِداء (الحَدْي، الحَدْو)، وهي لا تزال تردّد حتى اليوم على شفاه رُعاة الإبل، أما الموروث الموسيقيّ البحريّ فهو ما يرتبط بوسيلة فنون مهنة الإبحار، وما يتقاطع منها مع فنّ الصوت وأغاني الغوص؛ الرائجة في بلدان الخليج.

 


[1] ديوان بشر بن أبي خازم الأسديّ، ص ٩، تحقيق عزة حسن، وزارة الثقافة والإرشاد القوميّ دمشق، ١٩٦٠م

[2] الجَنَبِيّ، عبدالخالق، بحوث تاريخيّة وجغرافيّة، الصفحات: ٨٤، ٨٥، دار المحجّة البيضاء، بيروت، ٢٠١٥م

[3] الجَنَبِيّ، بحوث تاريخيّة وجغرافيّة، ص ٨١

[4] مؤلف مجهول، المناسك وأماكن طرق طرق الحج، ص٦٢٠، تحقيق حمد الجاسر، دار اليمامة، الرياض، ١٩٨١م

[5] أنظر ، الجنبي، مصدر سابق، الصفحات (٩٦، ٩٧)

[6] المصدر السابق

Rate this item
(1 Vote)
Last modified on الأحد, 02 أيار 2021 09:24
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل تسهم الأغنية العربية المعاصرة في صون تراثنا الموسيقي؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM