arenfrfaestr

الاتّصال بالآخر ما بين الماضي والتكنولوجيات الحديثة

سيف الدّين بوراوي*


لا جدال في أنّ كافّة الفنون كانت ولازالت تعتبر الملاذ الأقرب إلى الإنسان أين ما كان ومهما كانت الصفة الاجتماعية المنسوبة إليه. فمن البديهي أن تحتلّ الفنون جمعاء مكانة هامّة لدى الفرد لما تحمله من صور تعبيرية غالبا ما تكون مستوحاة من الواقع أو دعونا نقول من الخصائص الجمالية التي تفرزها الحياة بصفة عامّة.
ولا شكّ في أنّ الموسيقى قد ساهمت بطريقة أو بأخرى في إثارة الرغبات أو بالأحرى الجانب الذّاتي الإنساني مهما كانت انتماءاته الفكرية، وهذا ما يجعل الموسيقى بشتّى ألوانها وتصنيفاتها من أكثر الأشياء التي تستطيع تحرير العفويّة إن صحّ التعبير«فالموسيقى بالفعل قريبة من الإنسان، إذ هي تحتلّ مكانة واضحة في الحياة الاجتماعية بفضل تعدّد وظائفها»1 .
ومن هذا المنطلق قد تتّضح لنا كرؤية أوليّة، العوامل المساهمة في تداخل وتعدّد المقوّمات الإبداعية في المجال الموسيقي عموما، حيث نعتقد أنّ المخاض الفكري الناتج عن التحوّلات الاجتماعية الكونية، ساهم بشكل فعّال في إثارة المسائل المتعلّقة بالذاتيّة الفنيّة وأصبحت "الأنا" كقيمة طاغية دون الأخذ بالاعتبار حدود الشكل والمضمون في بعض الأعمال الفنيّة التي يصفها مؤلفوها أحيانا بالمعاصرة والمجدّدة، وأنّها ترتقي لمتطلّبات العصر بما هي متطابقة مع آليات الحداثة، لكن دون الرجوع إلى مضامين تلك الصفات والبحث في مفاهيمها الأصلية والعميقة التي من شأنها أن تفصح عن مظاهر التوافق أو التنافر خاصّة داخل تلك المقترحات الفنيّة المتأتيّة عن طريق الاتّصال بالآخر سواء كانت بصفة مباشرة أو غير مباشرة.
وفي هذه النقطة نشير إلى مسألتي التثاقف والمثاقفة كدليل قاطع على تفاقم الصراع الحضاري في العالم حيث أنّ «أكثر النزاعات الموجودة الآن والأكثر وضوحا، ليست في الحقيقة بين طبقات اجتماعية، بل بين جماعات لها ثقافات وهويّات مختلفة»2 .

لذلك نجد أنّ موضوع الهويّة أصبح ومنذ سنوات عديدة محلّ اهتمام كبير من قبل الباحثين في شتّى العلوم، فاختلطت المفاهيم كلّ حسب اختصاصه بحيث لم ترد جميعها على نفس الشاكلة، فمنهم من يعتبر أنّ الهويّة تستمدّ أركانها من المظاهر الشعبية وأنّ «الممارسات الثقافية الشعبية تنجز من قبل الشرائح الاجتماعية الواسعة، على خلاف الإنتاج الثقافي الفردي المتّسم بنخبويّته»3 . وهنالك من يعتبر أنّ الهويّة تتّخذ بعدا سايكولوجيّا أي أنّها ذات توجّهات وسلوكيّات خاصّة جدّا يدرجها حسين سعد داخل إطار الأصالة حيث يعتقد أنّها «ترجمة ذات الأمّة قولا وفعلا، وهي عندئذ أصالة الفرد في التعبير عن أصالة أمّته»4 .


وفي المثال التونسي نستطيع القول بأنّ المشهد الموسيقي عرف مرحلتين بارزتين لاحظنا من خلالهما تغييرا واضحا داخل المحيط الصوتي عموما، فالمرحلة الأولى أتت مع بداية الثلاثينات والتي تميّزت بالصحوة الفنيّة خاصّة بعد انعقاد مؤتمر الموسيقى العربية الأوّل سنة 1932، والذي ساهم في بثّ فكرة الحفاظ على التراث الموسيقي العربي وتوجيه النخب الفنيّة في البلدان العربية نحو صيانة ذلك التراث وإثرائه بأعمال جديدة، ولسوف نستعرض أبرز ما تلا تلك الفترة خاصّة وقد شهد الوسط الموسيقي بتونس آنذاك جملة من الإجراءات الإدارية والفنيّة كلّلت بإنتاجات وأعمال موسيقية عرفت النّور باتّباعها مسارات تجديدية ذات توجّه حداثي، تخلّلتها تجارب فردية لموسيقيّين تونسيّين أظهروا مدى النضج الفنّي الذي انجرّ عن الوعي الثقافي في التعامل مع الآخر.


أمّا المرحلة الثانية فتتمثّل في ظهور التكنولوجيات الحديثة خاصّة في بداية التسعينات، حيث اخترقت المجال الموسيقي بشكل سريع أو دعونا نقول مفاجئ في بعض الأحيان، فالتكنولوجيات الحديثة اليوم متواجدة داخل مختلف الأنماط والأذواق الموسيقية، بل إنّ حضورها يكاد يكون أمرا ضروريّا لا سبيل للاستغناء عنه لما يوفّره من ربح للوقت أو تفاد للاكتظاظ على الركح، ونقصد تقليص عدد العازفين داخل المجموعات الموسيقية وغيرها من الأشياء الأخرى...
لكن هذه الموجة (التكنولوجيات الحديثة) هي في الحقيقة مجموعة من الآليات والتقنيّات معظمها آت من الثقافات الغربية خاصّة والبعيدة عن واقعنا الثقافي، وهذا ما قد يجعلنا نثير مسألة التجديد في موسيقانا وتحديد الضوابط الثقافية والنظرية وكذلك الأبعاد الجمالية قبل المخاطرة باستعمال ألفاظ ومعان ذات رؤى مستقبلية حقيقية، حيث أنّ «مجتمعاتنا وفكرنا لم ينتج الحداثة، ولم يعشها بل عاش مزيجا حضاريّا اختلط فيه التقليد بالحداثة على مختلف المستويات. وما بدأنا نتلمّس معالم الطريق ونتعرّف على هذا المزيج الغريب حتّى داهمتنا موجة جديدة يطلق عليها ما بعد الحداثة»5 .
لذلك فإنّنا اليوم أمام عدّة تساؤلات حول جدوى التكنولوجيات الحديثة وتموقعها داخل المنظومة الموسيقي بتونس، وما مدى الاستفادة المتأتيّة منها على المستوى الفنّي بشكل عامّ أو حتّى على المستوى الأكاديمي على وجه الخصوص؟


1. حول الاتّصال الثقافي:
عرفت البلاد العربية منذ النصف الأوّل من القرن العشرين تغيّرا جذريّا في مقارباتها الثقافية، ويعود ذلك التغيير لما عرفته الشعوب العربية من انسياق في وضعية فكرية وثقافية استثنائية بعد انحلال مؤسّسة الخلافة العثمانية وبعد استقلال عدد من البلدان العربية عنها. ثمّ إنّ ذلك التغيير الجذري التبس بالتلاقي الثاقفي المباشر الذي «جاء به الغرب فدفع الشرقي والعربي والمسلم إلى رؤية جديدة ومنظور حديث»6 .
وقد بلغ ذلك التأثير أوجه في منتصف القرن العشرين حيث ظهرت عدّة حركات إصلاحية عربية دعت بعضها إلى ضرورة الحفاظ على الموروث العربي الإسلامي ودعت بعضها الأخرى إلى ضرورة الاقتباس من الفكر الأوروبي المعاصر وخلصت بذلك الموروث التقليدي باعتباره كان سبيل تقدّم الأمم الأوروبية والغربية عموما.
وفي الميدان الثقافي البحت وخاصّة في المجال الأدبي والفنّي تجلّى ذلك الانفتاح على الثقافة الغربية والاقتداء بها لدى بعض المثقّفين الأدباء والفنّانين العرب في انتقالهم إلى البلدان الأوربية وتلقّي دراستهم وتكوينهم الأكاديمي في أبرز المؤسّسات الجامعية الأوروبية ممّا خوّل لتلك النخبة أن تنتج عددا من الأعمال الفنية الحديثة التي بدت ملامح التجديد فيها جليّة شكلا ومضمونا، والتي حافظت على اللّهجة العربية الأصيلة بطريقة دقيقة رغم استخدامها لبعض مقوّمات الفكر الأوروبّي الحديث.
وعلى ما يبدو فإنّ المثقّفين العرب الذين حملوا لواء التجديد آنذاك، كانوا درسوا جيّدا مقوّمات الثقافة الغربية الحديثة وتمكّنوا من استيعابها وخاصّة من توظيفها عمليّا وبطريقة متقنة في أعمالهم التي لاقت رواجا منقطع النظير في ستّينات وسبعينات القرن الماضي، ولعلّه من الممكن تبرير ذلك النجاح بأنّ المثقّفين المبدعين راعوا في إنتاجاتهم مقوّمات الثقافة الغربية دون أن يقلّدوا تقليدا أعمى الأعمال الأجنبية.
تبعا لذلك فإنّ ما يشدّ اهتمام الباحث في التجربة الأولى من التقاء الثقافة العربية بالثقافة الغربية أنّه لم يقع تصادم تامّ بينهما، بل إنّهما التقيا في عديد الأعمال بطريقة جدلية نقدية يمكن للباحث استخراجها من تحليل العديد من تلك الأعمال، ما يؤكّد أنّ المثقّفين الأدباء والفنّانين كانوا متمكّنين إلى درجة كبيرة من أسس العمل الأدبي والفنّي وتقنيّاته الموروثة والمقتبسة من الثقافة الأجنبيّة على حدّ سواء. فالتثاقف العربي الغربي الأوّل كان مثمرا إلى حدّ كبير وساهم كثيرا في بروز روافد جديدة للإبداع الأدبي والفنّي.
وتجدر الإشارة في الميدان الموسيقي إلى تبنّي مؤسّسات العمل الثقافي الحديثة لطرق التعليم ومناهجه الغربية وتدريسها للأجيال الجديدة التي تمتّعت في نفس الآن بالثقافة الموسيقية التقليدية التي قوامها النقل الشفوي والثقافة الغربية المؤسّسة على التعامل مع النصوص الموسيقية الكتابية وأبجديّاتها.
ولئن كان ذلك التلاقي الثقافي في الميدان الموسيقي على تلك الشاكلة في التجربة التاريخية الأولى أواسط القرن العشرين، فإنّها لم تكن على نفس المستوى في التجربة الثانية التي ظهرت معالمها مع نهاية القرن العشرين وأوائل الألفية الجديدة. ولسائل أن يسأل عن الأسباب الكامنة وراء فشل بعض التجارب المعاصرة خاصّة في دمج المقوّمات الموسيقية العربية بالمقوّمات الغربية؟
وعلى ما يبدو فإنّ الإجابة عن مثل هذا التساؤل تستدعي إعادة النظر في كيفيّة تكوّن الأجيال المعاصرة، ونعتقد في هذا المجال أنّ طرق التعليم الموسيقي التقليدية ساهمت في جانب كبير منها في تردّي وضعيّة الفنّانين المعاصرين، فلا هي وفّرت لهم فرصة الاطّلاع الكامل على التراث الموسيقي العربي الأصيل، ولا مكّنتهم كذلك من استيفاء مقوّمات الفنون الغربية. وقد نتج عن هذا التردّد والنقص في التكوين الأكاديمي ظهور أعمال معاصرة مرتبكة إلى حدّ ما وغير واضحة المعالم.
ولا نكتفي في هذا المجال بانتقاد الطّرق الأكاديمية بل على ما يبدو لنا فإنّ الأجيال الموسيقية المعاصرة ظلّت مقصّرة في تعميق معرفتها وثقافتها الموسيقية، كما وأنّها لم تجتهد جيّدا في دراسة الأعمال الفنيّة العربية التي ظهرت في الستينات والسبعينات. وكان لهذا التقصير آثاره السلبية على عدد كبير من الأعمال الفنيّة المنتجة في عصرنا الحديث في تونس خاصّة حيث تفتقر جلّها إلى الإتقان في إدماج المقوّمات الفنيّة الأجنبيّة الحديثة والمعاصرة، بل إنّ عددا منها اكتفى بالتقليد والمحاكاة التامّة للأعمال الأجنبية ممّا أفقد تلك الأعمال صبغتها الأصلية وجعل منها عبارة عن تلفيق غير مجد وغير قابل للاستساغة لدى الذائقة الفنيّة عامّة.
كما وأنّ من آثاره أن ابتعدت تلك الذائقة الفنية العربية عن مقوّمات جماليّاتها الأصيلة، وأصبحت لا تكترث إلاّ بالأعمال الأجنبية التي لا تمتّ إلى ثقافتنا العربية بصلة. وفي ذلك خطر كبير في اعتقادنا على ذائقة الأجيال القادمة التي قد ينتهي بها الأمر إلى الذوبان في عناصر الثقافة الأجنبية وفقدان مقوّماتها الثقافية الأصيلة التي طالما غذّت الإبداع الموسيقي العربي لعدّة قرون.


2. من ملامح الاتّصال الفنّي بتونس:
منذ بداية الثلاثينات عرف المشهد الموسيقي بتونس عدّة تغييرات جذريّة انعكست على طبيعة الممارسات الفنيّة بصفة عامّة، حيث ساهمت إلى حدّ ما في انتعاشته خاصّة مع بروز بعض التوجّهات الثقافية قصد الإحاطة بالفنّ الموسيقي وحمايته من التهميش الذي نال منه في السابق. كما أدّت تلك التغييرات إلى بروز عدّة تجارب وتصوّرات فنيّة شخصيّة كانت سببا في إثارة الجدليّة الخاصّة بمظاهر التثاقف والمثاقفة في ما بعد.
في اعتقادنا فإنّ مؤتمر الموسيقى العربية الأوّل الذي انعقد بالقاهرة سنة 1932، ساهم في تغيير المناخ السمعي داخل الوسط الموسيقي بتونس، كما كان دافعا لاتّخاذ بعض الإجراءات الفنيّة أبرزها بثّ فكرة الحفاظ على التراث الموسيقي وتوجيه النّخب الفنيّة نحو صيانة ذلك التراث وإثرائه بأعمال جديدة. إضافة إلى ذلك فقد طرحت مسألة التعليم الموسيقي داخل المؤتمر آنذاك واعتبارها من الأولويّات التي يجب إيلاؤها اهتماما جديّا لدى سائر الأقطار العربية.


وفعلا فقد أتت الرشيدية حاملة لتلك الرؤى في إطار مثاقفة إيجابية كأوّل اتّصال بالآخر أتى بصفة مدروسة إن أردنا القول. في ما بعد أصبحت الرشيدية تحتوي على ثلاثة أقسام رئيسية ضمن أشغالها وهي:
- قسم توثيقي يعتني بجمع التراث الموسيقي وحفظه من خلال تدوينه لأجل مراجعته وتلقينه للأجيال القادمة بشكل جيّد.
- قسم فنّي يتمثّل في إنشاء أوركسترا صلب الرشيدية تقوم بعرض الموسيقى الموروثة أو حتّى المؤلّفات الموسيقية الجديدة التي تنصهر ضمنها العناصر الفنيّة الموروثة.
- قسم أكاديمي يرتكز على التعليم الموسيقي من خلال إدماج ثقافة موسيقية أوسع وأشمل.
من خلال الأقسام التي ذكرناها يمكن اعتبار الرشيدية كمحطّة أساسية أولى أدّت إلى تغيير المناخ السمعي عموما سواء كانت على مستوى التنفيذ الموسيقي من خلال إدماج آلات غربية ومضاعفتها مع مرور الوقت، أو على المستوى التعليمي حيث تخرّج منها بعض الموسيقيّين الذين تواصلوا أحيانا مع الفكر التجديدي حسب تصوّراتهم وتوجّهاتهم الخاصّة.
وكمظهر آخر من مظاهر الاتّصال بالآخر، قد يجدر بنا الحديث عن الأوركسترا السيمفوني التونسي، هذا الهيكل هو في الحقيقة من الإحداثات الأوروبية بتونس «فعندما أسّست بلديّة تونس المسرح البلدي الجديد عام 1902 تعاقدت مع فرقة موسيقية قارّة لمصاحبة عروض الأوبرا الأجنبيّة تتركّب من 45 عازفا وفريق رقص متكوّن من 19 راقصة وجوقة إنشاد تتألّف من 35 عنصرا»7 .


وقد عرف الأوركسترا السيمفوني سابقا بعض الانقطاعات نتيجة أحداث مختلفة أبرزها اندلاع الحرب العالمية الثانية، ثمّ عاد لنشاطه تحت إشراف "لويس جافا" (Louis Gava) و«بعد أن تحصّلنا على الاستقلال أصبحت البلدية غير قادرة على أن تتصرّف فلم تجد فرنسا من وسيلة سوى أن تلحق الأوركسترا السيمفوني بالقسم الفرنسي في الإذاعة ولم يتوقّف نشاطه إلاّ مع حرب بنزرت»8 .


وبعد مرور ثماني سنوات عاد هذا الهيكل ليصبح تحت المسمّى التونسي في سنة 1969 ليكون له تأثير مباشر على المجال الأكاديمي المختصّ حيث التحق به في ما بعد عدد من الموسيقيّين التونسيّين الذين زاولوا التعليم الموسيقي الغربي، ولعلّ أبرزهم أحمد عاشور الذي كان أوّل موسيقي تونسي يشرف على قيادة الأوركسترا السيمفوني والذي كان يهدف «للمساهمة في الرّفع من مستوى ذوق الجمهور التونسي وفتح نافذة فنيّة على روائع الإبداعات الموسيقية الكلاسيكية العالمية من خلال أدائها على هيئتها الطبيعية»9 .


يمكن القول بأنّ الوسط الفنّي بتونس وفي الفترات التي تلت الاستقلال، أصبح أكثر نضجا خاصّة مع تعدّد معاهد التدريس المختصّ والتي لعبت دورا هامّا في تأسيس ثقافة موسيقية راقية داخل مجتمعنا بصفة عامّة. فبرزت عدّة تجارب شخصيّة التمسنا من خلالها جرأة كما إتقانا في أعمالهم التي ظهرت فيها ملامح الاتّصال مع الآخر وتحديدا الموسيقى الغربية. وقد يجدر بنا في هذا السياق، الإشارة إلى محمد سعادة الذي ترك رصيدا هامّا من المؤلّفات الموسيقية باختلاف أنماطها وأشكالها وتوظيفاتها. كما يعتبر من الموسيقيّين القليلين الذين كانت لهم ثقافة موسيقية مزدوجة ومنفتحة على العالم، حيث مكّنه اطّلاعه على الموسيقى الغربية بمختلف نظريّاتها وأساليبها وتركيباتها، من تأليف أعمال جعلت منه مميّزا في وسطه فاستطاع أن يؤسّس له توجّها فنيّا اعتمد من خلاله المراوحة ما بين الموسيقى العربية والغربية في إطار ازدواجيّة ثقافية تعكس مدى وعيه بضرورة التجديد الموسيقي المدروس.


ومن بين الموسيقيّين الآخرين، ظهر محمد القرفي في بداية السبعينات متواصلا مع الفكر التجديدي فأرسى لنفسه أسلوبا موسيقيّا خاصّا يعتمد على الكتابة الأوركستراليّة الغربية، والتي يرى فيها سبيلا إلى تطوّر الموسيقى العربية عموما. وقد استطاع محمد القرفي بفضل دراسته المعمّقة لأبجديّات الكتابة البوليفونية والتي زاولها بفرنسا، من أن يمرّر خطابا موسيقيّا يطمح إلى إكساء الموسيقى مساحة صوتيّة أوسع من خلال توزيع النّغمات داخل تركيبة أوركسترالية تحتوي آلات موسيقية تتراوح ما بين محليّة ودخيلة معلّلا ذلك بقوله:«إمّا أن تكون الموسيقى وسيلة ترفيه وتسلية وحينئذ لا فائدة من طرح موضوع التطوّر أو حتّى التفكير فيه وإمّا أن تكون ثقافة وتوعية وبهذا المفهوم يمكن أن تدخل في نسق التطوّر العامّ كجزء أساسي من مقوّمات الحضارة»10.


3. التكنولوجيّات الحديثة (إشكالية الاتّصال بتونس):
«إنّ فتح مجال التأثّر بالموسيقى أو الموسيقات الأخرى، يختلف وقعه باختلاف الواقع الحضاري، فهو لدى المجتمعات المهيمنة تكنولوجيّا واقتصاديّا، ليس ذا خطورة ملحوظة»11 . وقد يدفعنا ذلك إلى طرح عدّة تساؤلات تتعلّق بوضعيّة المجال الموسيقي بتونس في الوقت الرّاهن، والذي أصبح يعاني حالة جمود فكري أدّت في أغلب الأحيان إلى الانسلاخ الثقافي والانحراف عن المسار التجديدي المدروس والمعقول نتيجة تداخل مفاهيمه وشروطه الأساسية.


ونعتقد أنّه منذ أوائل التسعينات بدأت تظهر ملامح تراجع الإنتاج الموسيقي بتونس، وهنا لسنا نتحدّث عن الكميّة بقدر ما نشير إلى جودة وحرفيّة الأعمال الفنيّة التي أصبحنا لا نصغي إليها إلاّ في مناسبات نادرة جدّا، هذا وأنّ الحدث الموسيقي في عصرنا أصبح مقترنا بنظام تكنولوجي لم يعد قادرا على الاستغناء عنه، وقد أدّى ذلك إلى انقلاب الموازين حيث تاهت مقاييس الإبداع بقيمها وثوابتها في عصر غلبت عليه الصورة والاستهلاكية واعتماد القاعدة الجماهيرية (الافتراضية) كمقياس أساسي للنجاح المزعوم.
من الطبيعي أن تحدث بعض التغييرات داخل المجتمعات من فترة إلى أخرى وذلك حسب ما يتوافق مع متطلّبات أيّ عصر كان، لكن هنالك بعض الخصوصيّات التي لا تتحمّل تلك التغييرات، أو بعضها قد يتطلّب تطويرا ممنهجا أي بصفة تدريجية. لكن يبدو أنّ التكنولوجيّات الحديثة قد نالت من الوسط الموسيقي بتونس، وأصبحت تحتلّ أغلب مجالاتها وذلك مفاده أنّ مجتمعنا في تجاوز سريع لحدوده الجغرافية الثقافية ممّا جعل من عمليّة الاتّصال بالآخر غير إيجابية في أغلب الحالات حيث نعتقد أنّ موجة التكنولوجيّات أتت بصفة مفاجئة نتيجة لهيمنة بعض الدول المتقدّمة اقتصاديا وخاصّة إعلاميا، وأنّ اعتمادها عشوائيّا سيربك حتما تلك الصيرورة الفنية التي لطالما كانت في علاقة مباشرة بالمجموعات المحليّة التي تعدّ مصدرا أساسيّا مستوحى منه أغلب الأعمال الفنيّة الإبداعية.
وحتّى نضع الأمور في نصابها، فلسنا بصدد توجيه أصابع الاتّهام إلى النظام التكنولوجي بقدر ما نتساءل عن الغياب الكلّي لمناهج التفكير فيه، وهنا تحديدا يمكن أن نشير إلى الأسباب التي كانت وراء التأثير السلبي للتكنولوجيّات على المجال الموسيقي. ولعلّ ذلك يحيلنا

أوّلا إلى مراجعة برامج التعليم الموسيقي المختصّ والتي نراها سببا رئيسيّا في تفاقم الأزمة الفكرية في وسطنا الموسيقي حيث أنّ أغلب المؤسّسات لازالت تتبّع طرقا ومناهج تعليمية تقليدية في تلقين المادّة الموسيقية، تعتمد أغلبها على النظام الشفاهي منذ سنوات عديدة، وذلك - حسب اعتقادنا - يعدّ سببا هامّا من أسباب الجمود الفنّي وافتقاد آليات الخلق والإبداع والبحث عن المواصفات الجمالية القيّمة لسبل تواصلها.


ثانيا نجد أنّ وسائل الإعلام أصبح لها شأن في توجيه القطاع الموسيقي بتونس، كما أنّها لعبت دورا ملحوظا في انحدار الذائقة العامّة. ونعتقد أنّ ذلك سببه الغياب الكلّي لآليات التوعية الثقافية مع عدم توفّر مبدأ تكافؤ الفرص ممّا أدّى إلى ظهور شغور فنّي سمح للدخلاء بالتجرّأ على امتهان الميدان الموسيقي عشوائيّا والذي أدّى أيضا إلى تفاقم الأزمة الفنيّة أكثر فأكثر.


ثالثا، قد تجدر بنا الإشارة إلى شبكات الإنترنت بما تحمله من مواقع التواصل الاجتماعي وخاصّة مواقع استعراض الفيديوهات الموسيقية بشتّى أنواعها، فهي مع الأسف أصبحت ملاذا لأولئك الذي يلهثون وراء الشهرة السهلة، والذين تفتقد أعمالهم إلى أبسط مقوّمات الإبداع بما تحمله الكلمة من معنى، والخطر من هاته المواقع لا يكمن في وفرتها أو سهولة الحصول على مادّتها، بل إنّها في عصرنا تحلّ محلّ النقد الفنّي المختصّ الذي يساهم في الارتقاء بالذّاتية لدى الإنسان المبدع وكذلك الذّائقة العامّة. كما أنّ تلك المواقع أصبحت تتيح فرصة تقييم مختلف الأعمال الموسيقية بصفة افتراضية للعامّة، ممّا انعكس سلبا على قيمة التظاهرات والمهرجانات والمناسبات التي عرفت في السابق صدى جيّدا على المستوى المحلّي والإقليمي كذلك.
من خلال ما أوردناه في بحثنا هذا، لاحظنا أنّ المجال الموسيقي بتونس افتقد لحلقة تواصل نراها أساسيّة داخل المسار التجديدي ككلّ ألا وهي تغيير جذري في برامج التعليم الموسيقي المختصّ الذي نعتقد أنّه غير مواكب للمتغيّرات الكونيّة بقيمها الجماليّة. كما أنّه ساهم في تدعيم الجمود الفكري والذي أثّر سلبا في كيفيّة استغلال موجات التكنولوجيّات الحديثة التي ما انفكّ ظهورها في أوساطنا الفنيّة يتسارع يوما بعد يوم، وأنّ دراستها وإدماجها ضمن البرامج التعليمية الموسيقية قد أصبح أمرا ضروريّا حتّى نتحصّل على معادلة متوازنة ما بين المعرفة والإبداع وإلاّ كيف السبيل إلى التزعّم بممارسة قيم الحداثة إذا ما نظرنا إلى الغرب الذي أصبح يفكّر في ما بعد الحداثة.


قائمة المراجع:
 بشّة (سمير): الهويّة والأصالة في الموسيقى العربية، تونس، منشورات كارم الشريف، 2012، 227 ص.
 سبيلا (محمد): الحداثة وما بعد الحداثة، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، 2007، 110 ص.
 سعد (حسين): بين الأصالة والتغريب، بيروت، المؤسّسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط. 1، 1993، 32. ص.
 الصقلي (مراد): الموسيقى التونسية وتحديّات القرن العشرين، تونس، وزارة الثقافة والمحافظة على التراث، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون بيت الحكمة، 2008، 83 ص.
 عزّ الدين (يوسف): تراثنا والمعاصرة، مصر، دار الإبداع الحديث للنشر، 1987، 203 ص.
 القرفي (محمد): تعدّد الأصوات ووسائل تطبيقه: تقنيّات الهارموني، تونس - منوبة، مركز النشر الجامعي، 2012، 310 ص.
 القرفي (محمد): نظرات في الموسيقى والغناء والفرجة (تونس في القرن العشرين)، تونس، مطبعة فنّ الطباعة، 2015، 423 ص.
 المهدي (صالح): سيمنارات الذاكرة الوطنية وتاريخ الزّمن الحاضر، تونس، مؤسّسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات، 2008، ص. 169- 224.
 بوعزيز (سمحون): "الثقافة الشعبية وإشكالية التعريف"، تونس، مجلّة الحياة الثقافية، العدد 271، وزارة الثقافة والمحافظة على التراث، ماي 2016، ص. 4-7.
 قطّاط (محمود): "الموسيقى أحد أهمّ مظاهر الهويّة وتأكيد الذّات"، مباحث في العلوم الموسيقية التونسية، العدد الأوّل، تونس، المخبر الوطني للبحث في الثقافة والتكنولوجيات الحديثة والتنمية، 2008، ص. 3- 17.
 الكحلاوي (محمد): "من مظاهر الحداثة في الموسيقى التونسية خلال القرن العشرين"، تونس، مجلّة الحياة الثقافية، العدد 125، وزارة الثقافة والمحافظة على التراث، ماي 2001، ص. 22- 36.


ملخّص المقال:
تحظى مسألة الاتّصال الثقافي باهتمام كبير على مستوى البحوث الأكاديمية حيث أثارت بعض المؤلّفات الموسيقية والتي اكتسبت صبغة تجديدية، جدلا واسعا في ما يتعلّق بإيجاد المقاربة التي تجمع كلّا من عناصر الثبّات والتحوّل داخل إطار الأصالة والمعاصرة. والوسط الموسيقي بتونس شهد من التغييرات التي جعلته يفتقر إلى معادلة صحيحة لتلك المقاربة نتيجة لتحوّلات عديدة، ارتأينا من خلالها مقارنة الفكر التجديدي الناتج عن الاتّصال بالآخر ما بين الماضي وما آلت إليه الوضعية الموسيقية في خضمّ الاقتحام السريع للتكنولوجيّات الحديثة لعصرنا.


 * طالب بمرحلة الدكتوراه اختصاص موسيقى وعلوم موسيقية بالمعهد العالي للموسيقى بتونس.
 1 الصقلي (مراد): الموسيقى التونسية وتحديّات القرن العشرين، تونس، وزارة الثقافة والمحافظة على التراث، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون بيت الحكمة، 2008، ص. 44.
 2 بشّة (سمير): الهويّة والأصالة في الموسيقى العربية، تونس، منشورات كارم الشريف، 2012، ص. 67.
 3 بوعزيز (سمحون): "الثقافة الشعبية وإشكالية التعريف"، تونس، مجلّة الحياة الثقافية، العدد 271، وزارة الثقافة والمحافظة على التراث، ماي 2016، ص. 5.
 4 سعد (حسين): بين الأصالة والتغريب، بيروت، المؤسّسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط. 1، 1993، ص. 32.
 5 سبيلا (محمد): الحداثة وما بعد الحداثة، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، 2007، ص. 67.
 6 عزّ الدين (يوسف): تراثنا والمعاصرة، مصر، دار الإبداع الحديث للنشر، 1987، ص. 18.
 7 القرفي (محمد): نظرات في الموسيقى والغناء والفرجة (تونس في القرن العشرين)، تونس، مطبعة فنّ الطباعة، 2015، ص. 37.
 8 المهدي (صالح): سيمنارات الذاكرة الوطنية وتاريخ الزّمن الحاضر، تونس، مؤسّسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات، 2008، ص. 212.
 9 الكحلاوي (محمد): "من مظاهر الحداثة في الموسيقى التونسية خلال القرن العشرين"، تونس، مجلّة الحياة الثقافية، العدد 125، وزارة الثقافة والمحافظة على التراث، ماي 2001، ص. 34.
 10 القرفي (محمد): تعدّد الأصوات ووسائل تطبيقه: تقنيّات الهارموني، تونس - منوبة، مركز النشر الجامعي، 2012، ص. 822.
 11 قطّاط (محمود): "الموسيقى أحد أهمّ مظاهر الهويّة وتأكيد الذّات"، مباحث في العلوم الموسيقية التونسية، العدد الأوّل، تونس، المخبر الوطني للبحث في الثقافة والتكنولوجيات الحديثة والتنمية، 2008، ص. 3-17.

Rate this item
(1 Vote)
Last modified on الأحد, 28 شباط/فبراير 2021 13:10
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل الغناء النسائي العربي يحفظ التراث ويعلي صوت المرأة؟؟ ................................. تدرج مجلة الموسيقى العربية الالكترونية في عددها الحالي هذا الاستفناء المرتبط موضوعه بالمرأة بمناسبة احتفال العالم بيومها في 8 آذار/ مارس الفائت. المحرر
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM