arenfrfaestr

آنريكه جَرانادوس (بتصرف)

عبد العزيز ابن عبد الجليل

من الأحداث التي هزت الرأي العام خلال الحرب العالمية الأولى (1914-1918) إغراق الباخرة "سوسيكس" (Sussex) وهي في طريقها إلى أنكلترا بواسطة قذيفة من طرف غواصة ألمانية؛ كان ذلك يوم 24 آذار/مارس 1916، وكان من ضحايا هذه الكارثة الموسيقي الأسباني الشهير أنريكه جَرانادوس (Enrique Granados).
ولد جَرانادوس يوم 27 تموز/يوليو1867 بمدينة ليريدا من إقليم كاتالونيا الذي شهد عبر التاريخ وقائع حربية وصراعات عسكرية بدءًا بفترة الحرب الأهلية على عهد جول سيزار قيصر الروم، وانتقالًا إلى عهد الفتوحات الإسلامية، وانتهاءً بفترة نابوليون. وقد ظل جَرانادوس محتفظا في ذاكرته بضفاف نهر "سيكَر" (الذي أسماه العرب وادي الزيتون) وهو ينساب في انتشاء عبر منخفضات البرانس.
في وسعنا أن نقول :إنه كان - إلى حد ما - خُلاسيًا ، فوالده كاليكستو Calixto كُوبيٌّ من مواليد هافَانا، ووالدته آنريكيتا إيلفَيرا كامبانياEnriqueta-Elvira Campana غاليسة من سانتاديرا. هذه الازدواجية في الأصل تنعكس على مزاج أنريكه وعلى أعماله، إذ كثيرا ما نشعر في مؤلفاته بلا مبالاة وعدم اكتراث لا ريب أنه موروث عن والده القادم من جزر الآنتيل، كما نحس في نفس الوقت بالقوة الكاتالانية وبالحساسية الحالمة أو بالأحرى الشاعرية الوافدة من أرض غاليسيا المسكونة بالأساطير.
نضج موسيقي مبكر
استهوت الموسيقى جَرانادوس وهو ما يزال صغيرا، فعهد تعليمه للدون خوسيه جونسيدا Don José Junceda كي يلقنه مبادئ النظريات الموسيقية وتقنية البيانو.
وتشاء الأقدار أن ترحل عائلة جَرانادوس إلى برشلونة، ليستأنف الفتى تعليمه في هذه المرة تحت إدارة فرانسيسكو كَزافَيي خورنيت Francisco Xavier Jurnet، ثم على يد الأستاذ الذائع الصيت خوان- بابتيستا بوخول Joan-Baptista Pujol مؤسس إحدى أكاديميات الموسيقى التي تخرج منها كبار عازفي البيانو: الثلاثي الكاتالاني: مالاتس Malats، وبيدييلا Vidiella، وجَرانادوس الذي حصل على الجائزة الأولى في العزف على البيانو عام 1883 بعد أدائه سوناتة شومان في سلم صول الصغير.
وعلى غرار ما فعله من قبله آلبينيز (Albeniz) وفايا (Falla)، فقد تلقى دروس الهارموني على يد الملحن فيليب بيدريلFelipe Pedrell رائد الحركة التي انطلقت منها نهضة الموسيقى الإسبانية، والذي إليه يعود فضل الانتشار الواسع للألحان الفلكلورية القادمة من بعيد حيث تمتزج المعطيات الإيبيرية البحتة مع أخرى ذات أصول عربية وموريسكية.
ومن جهة أخرى واصل جَرانادوس العزف على البيانو بواسطة الدروس الخصوصية، وأفضى به كده إلى إنشاء أكاديمية شخصية كان لها دور فاعل في نشر الثقافة الموسيقية؛ وما انفك - من أجل السمو بمستوى عزفه - يواصل السير في سبل ابتكار تركيبات هارمونية وصيغ إيقاعية جديدة.
ومرة أخرى يحذو حذو ألبينيز وفايا، فيرحل إلى باريس في سبتمبر 1887 يحدوه أمل الالتحاق بمعهدها الموسيقي. غير أن الحظ لم يسعفه، فلم يشارك في مباراة القبول بسبب إصابته بالحمى، وترتب عن ذلك السماح له بحضور بعض الحصص بصفته مستمعا حرًا لا طالبًا منتظما، فلم يجد أمامه من سبيل غير التوجه إلى الدروس الخاصة على يد بيريو Bériot.
استقر جَرانادوس بباريس حيث التقى بـ "ريكاردو بينييس" Ricardo Vines، عازف البيانو المتميز، ولا سيما لأعمال المؤلفين الإسبان. كان لقاء الزميلين على درجة كبرى من التوافق والاكتمال، وكان إعجابهما بالمؤلفات الفرنسية بليغًا، ولا سيما مؤلفات ديبوسي التي ترتبط بالنهضة الفرنسية ارتباطًا وثيقًا.
وبعد سنتين قضاهما في باريس عاد جَرانادوس إلى وطنه، فقدم يوم 20 نيسان/أبريل 1890 أول عرض له في العزف على البيانو بقاعة المسرح الغنائي، ثم تلته عروض أخرى في إسبانيا وفرنسا. وخلال ذلك انكب على التأليف، فكتب للبيانو، والأوركسترا، والغناء المسرحي، بالإضافة إلى مجموع يحتوي على مقطوعات موسيقية صغرى جرى في كتابتها على نسق "غريغ" Grieg، والمؤلف الدانماركي "نييلس كَاد" Niels Gade، وشومان، وشوبان.
وعندما شبت نار الحرب العالمية الأولى سنة 1914 صادف أن كان في سويسرا في ضيافة العازف "شيلّينكَ"Schelling ، مثلما صادف أن تخلت إدارة أوبرا باريس عن وعودها بتقديم عمله "الكَويِيسْكاس"Goyescas بسبب ظروف الحرب السيئة.
وفي حالة من الإحباط أبحر جَرانادوس نحو أمريكا حيث تبنت محافظة نيويورك المشروع الفرنسي وقررت عرضه يوم 26 يناير 1916. وبالفعل فقد لقي العرض نجاحا كبيرا، كان من نتائجه دعوة صاحبه من طرف رئيس الولايات المتحدة إلى تقديمه في رحاب البيت الأبيض. ولأنه فاتته فرصة العودة إلى إسبانيا مباشرة فقد قرر أن تكون عودته عن طريق أنكلترا، فغادر نيويورك على متن الباخرة "سوسيكس"، وفجأة تعرضت السفينة لقذائف إحدى الغواصات الألمانية، بين "فُولْكِيستون" Folkestone و "دْيِيبّْ" Dieppe فحُوِّل جَرانادوس إلى زورق الإنقاذ، وكان على وشك النجاة من الغرق لولا أنه رأى زوجته تصارع الموج، فرمى بنفسه في اليم يريد إنقاذها، وما إن أدركها حتى طوحت لجة البحر بجثتيهما.
بعض من أعمال جَرانادوس
نادرون أولئك الذين لا يعرفون "الرقصات الإسبانية" لجَرانادوس. وإذا كانت مؤلفاته للغناء أقل شيوعا وانتشارا فإن "الكَويِيسكاس" (Los majos enamorados - العشاق الظرفاء) التي كتبها عام 1911 أساسا للبيانو بوحي من أعمال الرسام الإسباني "فرانسيسكو غويا"، تحوي المعزوفات الأكثر تأثيرا من بين إبداعاته.
ومن جميل أعماله أيضا "الشكاوى" Quejas، وهي عبارة عن دويتو غرامي شيق صاغه في نسيج لحني بسيط من أربعة أصوات، فشكل واحدا من أروع الآثار الموسيقية الإيبيرية.
وتكاد سمة الحزن الممزوجة بالعذوبة أن تطغى على جل مؤلفاته الصغرى، وذلك من قبيل "الشرقية" l'Orientale، وثانية "الرقصات الإسبانية"، ثم بصفة خاصة معزوفة "الحنين إلى الوطن" Nostalgie التي كتبها في سلم "ري الصغير" في ألحان ملؤها الحسرة القصوى، إضافة إلى "حدائق مرسية" Jardins de Murcie التي تشكل لوحات عالية الجودة تلتقي فيها ملامح المدرستين الكوبية والكاتالانية.
لقد كان جَرانادوس موسيقيًا بارعًا بحق، مات دون الخمسين عاما، وكان ما يزال قادرًا على العطاء لولا أن وافاه أجله المحتوم.


 [1] Ester Van LOO. Revue Musica, Pub mensuelle, imp Chaix, St  Paris,  juin 1958 n° 51, pp. 42- 44.

[1]  الخلاسي هو المولود من أبوين أبيض وأسود.

Rate this item
(0 votes)
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل الغناء النسائي العربي يحفظ التراث ويعلي صوت المرأة؟؟ ................................. تدرج مجلة الموسيقى العربية الالكترونية في عددها الحالي هذا الاستفناء المرتبط موضوعه بالمرأة بمناسبة احتفال العالم بيومها في 8 آذار/ مارس الفائت. المحرر
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM