المقالات

سيبيليوس وسمفونياته السبع ـ 1 ـ (*) بتصرف

. قرات لك

عبد العزيز ابن عبد الجليل

عاش جان سيبيليوس (Jean  Sibelius) منعزلا في بيته التائه وسط غابة فنلندا، كما عاش منعزلا وسط موسيقى عصره.  وتشكل سمفونياته السبع كتلة غريبة وغامضة في خضم إنتاج موسيقي معاصر لها؛ وقد اختار لها أن تشق طريقها الخاص في رومانسية صارمة تنتهي في نهاية المطاف عند فن كامل التجرد.  ودونما أي اهتمام بما يحيط به، فهو يغور في أعماق نفسه، غير عابئ بالوقت الذي سيصل فيه صوته إلى قلوب الناس. أما إنتاجه فهو باستمرار في تقدم مطرد، يزداد عمقا، بل وزهدا؛ إنه يشق طريقه نحو الاكتمال، متمثلا بمقولة أفلوطين: "إنه ينحت تمثاله بيده".    

ولد سيبيليوس سنة 1865 من أب طبيب وموسيقي. ومنذ طفولته الأولى ظهرت ميوله الفطرية نحو الموسيقى مع نزوع قوي نحو الأسلوب الجرماني، مما سيحفزه ـ فيما بعد ـ على شد الرحال إلى برلين وفيينا للدراسة قبل أن يسقر بمدينة هلسنكي بدءا من عام 1891 وعمره 26 سنة.

انضم سيبيليوس إلى ثلة من مثقفي فنلندا وهي يومئذ تعيش أبهى فترات نهضتها، وفي أجواء من الحماس الشعبي كتب "كانتاتا" وأربعة "أساطير" من بينها "بجعة تيونيلا" (The Swan of  (Tuonela) و"وادي الموت” (Kuolema)، فلقيت هذه الأعمال الترحيب، وحظي صاحبها بلقب "موسيقي وطن فنلندا".

عندما كتب سيبيليوس سمفونيته الأولى "العاصفة والاندفاع" كان صيته منتشرا بين جمهور معجب بعبقريته. فأي تعريف يمكن أن نعطيه لهذه السمفونية التي كتبها بعيدا عن أبطال ملحمة "كالفَالا" (Kalevala) الشعبية كيما يعبر عن قلقه الباطني؟  لقد جاءت الحركة الأولى بقوتها وعنفها لتكشف عن مؤلف متمكن من الكتابة السمفونية، وذلك من خلال المؤثرات الفنية المتمثلة في "ارتعاشات" الأوتار، وجعجعة الهوائيات، وهدير "الطبول"، هذه المؤثرات التي ترسم لوحة مثيرة للإعجاب لا يسع العواصف الرومانسية أن تحد من تأثيرها. لقد أصبح  سيبيليوس منذ هذه الفترة يمتلك أسلوبا بلغ من الوحدة والتجانس ما يمنحه القوة والمتانة. ومن وراء تنوع الخطاب وتدخل المؤثرات الصوتية التي تشكل واحدا من أبرز عناصر لغته، تسود إرادة ملحة تمسك بسائر خيوط الدراما؛ ومنذ هذه اللحظة تتبدى روعة التوزيع الذي وإن كان في الظاهر كليا فهو في الحقيقة مؤسس على نغمات صافية يصحبها إحساس حاد من التناقضات. 

أما الحركات الثلاث الباقية فهي ذات أهمية أدنى بالمقارنة مع الحركة الأولى، كما أنها موسومة بطابع تشايكوفسكي. 

كتب سيبيليوس سمفونيته الثانية  خلال سنتي 190‍1 و 1902على مقام ري الكبير. وفيما جاءت السمفونية الأولى قي سياق تاريخي طبعه الحماس الشعبي، فقد كتبت الثانية في ظروف مغايرة عرفت إقدام القيصر نيكولا الثاني الدوق الأكبر لفنلندا على إلغاء الحريات التقليدية للشعب الفنلندي، ومن ثم كان الحفل الذي قدم فيه سيبيليوس عمله مناسبة لانفجار وطني وضعه في طليعة دعاة الثورة والتمرد. وبالفعل، لم تمض إلا شهور قليلة حتى أقدم على كتابة رائعته "فنلنديا" التي سيصبح لحنها هو ذاته لحن "النشيد الوطني" لدولة فنلندا.

ألف سيبيليوس سمفونيته الثانية في مدينة "رابّالو" الإيطالية حيث أقام فترة بعد جولة فنية رفقة أوركسترا هلسنكي عبر السويد وهولاندا وبلجيكا وباريس وبرلين، وشاء لها أن تكون مرآة تعكس صراعاته وأفراحه وأمانيه. ويتجلى تأثير تشايكوفَسكي عميقا في حركة "الأليغرو" الافتتاحية، إلا أنه ينعكس على الجانب الآلي، وأحيانا على الإيقاع الراقص للتيمات أكثر مما ينعكس على بنية السمفونية وغنائيتها.  ها هنا يحس المستمع بالعذوبة، كما يحس بنوع من السعادة عز أن نجد لها نظيرا في أعمال تشايكوفَسكي نفسه. إنه "فلكلور خيالي" يرقص في ذاكرة المؤلف الموسيقي كمقدمة تمهد للـ "آندانت" المعتدلة التي هي حركة السمفونية الأساسية، والتي تتشابك فيها الرؤى الجنائزية والشاعرية في تطور رائع فياض حيث تبدو الفرحة الرعوية جريحة يستعصي التئام جرحها بسبب ما آل إليه مصير الوطن.  

ها هنا تنبعث من جديد روح "العاصفة والاندفاع"، وسيكون من دواعي انتصار الوعي الوطني الفنلندي أن نجد أنفسنا ـ دونما ريب ـ مدعوين للاندفاع تحت تأثير حركة "السكيرزو" الختامية حيث يهيمن  ـ للمرة الأخيرة ـ أسلوب تشايكوفَسكي المثقل بآلات النفخ وجلال الألحان.

تسجل السمفونية الثالثة التي كتبها سيبيليوس بين عامي 1904 و1907 في مقام دو الكبير قطيعة في أسلوبه كما في حياته، حيث لم يعد صخب المدن ولا الأسفار يناسب مزاجه.  لذلك قرر أن يغادر مدينة هلسنكي وأن يستقر في ريف "جارفينيا" حيث ابتنى بيتا أطلق عليه اسم زوجته "آينولا". وقد وجد في هذا البيت راحته. وفي هذا الصدد كتب يقول: كان من الضروري أن أترك هلسنكي لأن فني أصبح في حاجة إلى آفاق جديدة بعد أن غدوت غير قادر على التأليف.

في هذه الأجواء ألف سيبيليوس سمفونية ثالثة أسماها "سمفونية الشمال الرعوية"، وهي في الواقع عمل شاعري يضاهي عمل ييتهوفَن، وهي أيضا عمل تأملي شارد.  كل شيء فيها بهجة وشعر وغناء، وإيقاعات شعبية، وألحان رشيقة ثَمِلة. لقد تحرر سيبيليوس من عبء الإرث الرومانسي، فخفتت أصوات الأبواق، وعادت الوتريات إلى طبيعتها الكلاسيكية، مثلما استرجعت الألحان بساطتها وتم الحد من انسياباتها.  بل لقد أصبح في الإمكان تلمس مؤشرات التغيير التي ستضفي جمالها على السمفونية الرابعة، ثم في مدى أبعد على السمفونية السادسة.

لكن، دعونا نتوقف عند "الأندانتينو"، إنها وردة برية، ورائعة ومفعمة بالحنان. إنها رقصة حوريات كتلك التي نجدها في مؤلفات "سميتانا" أو "دفَورجاك".

للحديث بقية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

(*)  Jacques Lonchampt: - Revue  Musica, Pub mensuelle, imp Chaix St  Paris, n 19 PP 14 – 16.