المقالات

أي موقف للشباب من الموسيقى المعاصرة (*) (بتصرف)

. قرات لك

عبد العزيز ابن عبد الجليل

على مدى فترة استمرت طيلة سنتي 1954 و1955 كنت أقدم للشبيبة الموسيقية الباريسية حلقات متتالية حول الموسيقى الحديثة اخترت لها ثلة من المؤلفين الموسيقيين المعاصرين ممن يجسدون اتجاهات متنوعة ودالة، هم طوني أوبان(Tony Aubin) ، وهنري دوتييو (Henri Dutilleux)، وآندريه جوليفَيه (André Jolivet)، وفرنسيس بولنك (Francis Poulenc)، وسيرج نيغ (Serge Nigg)، وآرثر هونيغير (Arthur Honegger).  وكنت أخص كل واحد من هؤلاء بحلقة مستقلة يًسمع خلالها عمله قبل أن يتناوله هو نفسه بالتحليل. فإذا انتهى كان عليه إجابة أسئلة واستفسارات المستمعين قبل أن تختم الحلقة بالعودة ثانية إلى سماع عمله الموسيقي.

كانت هذه الطريقة مفيدة للغاية لأنها أتاحت للمستمعين فرصة التواصل المباشر مع العمل الموسيقي ومع صاحبه في الوقت نفسه.  فما هي الخلاصات التي استفدتها من هذه التجربة؟

  1. يسجل في البدء أن أكثر الأعمال قبولا هي الأقل جرأة في الكتابة الموسيقية،  فهناك موسيقى حديثة، وموسيقى حديثة، غير أن مصطلح الحداثة الذي كثيرا ما يستعمل بشكل عشوائي لا يعني بالضرورة الإبداع الأصيل، وإنما يكفي أن يطلق على العمل المعاصر؛ فلقد شهد عصرنا نشوء أعمال جد متطورة وأخرى عادية، وإذا كان كل من ميسيان   (Messiaen) ودوروفلي (Duruflé) على وشك أن يصطفا إلى جانب المؤلفين المعاصرين، فإن أولهما يبدو أكثر ميلا إلى التجديد في حين لم يصنع الثاني أكثر من تمديد التعبيرات الجمالية للمؤلف الموسيقي الفرنسي غابريل فوريه (Gabriel  Fauré).

ونعود إلى ما كنا بصدده، فنسجل أن "رقصة الموتى" (La Danse des morts) رائعة آرثر هونيغر (Arthur Honegger ) وبّول كلوديل (Paul Claudel) حظيت بالرتبة الأولى لدى جمهور المستمعين، أما الرتبة الثانية فقد تقاسمتها "ستابات ماتير (أي معااناة مريم العذراء عند الصليب)"Mater)  (Stabat لـ بولنك، و"السمفونية الرومانسية" (Sinfonie “Romantique”) لـ طوني أوبان، و"كونشيرتو" (Concerto) سيرج نيغ، فيما كانت "سوناتة" (Sonata) دوتييو، و"كونشيرتو آلة مارتينو  والأوركسترا" (Concerto for ondes Martenot and orchestra) لـ جوليفَيه مثار نقاش بلغ درجة من الحدة  بين الأنصار والمعارضين. وفي اعتقادي أن مثل هذا "الترتيب" حري بأن يحظى بقبول مستمعين أكثر معرفة وحنكة، طالما أنه يعطي الأولوية للتعبير على الاجتهاد.

  1. كان التحليل الموضوعي مثار نقاش ساخن بين المستمعين، بحيث وفر لبعضهم فرصة للاستفادة، وضاعف من قدرات التركيز والاهتمام لآخرين، بينما كان غير ذي جدوى بالنسبة لعدد غير قليل.  هكذا توالت آراؤهم وفق قاعدة التعارض بين الأضداد. فمن قائل: كم أنا آسف على ما بذلته من جهد في التحليل من أجل لحظة سماع عادية؛ ومن قائل: لست قادرا ولا راغبا في أن أعلل انطباعاتي؛ ومن قائل: الأعمال الجيدة عصية على الفهم، وعلى التقييم مهما بلغ عمقهما، والواقع أن المؤلف مهما حاول الإفصاح عن نواياه فلن يلامس الحقيقة إلا نادرا.

قد نقضي بتفاهة هذا الرأي لولا أننا نجد عند فولتير (Voltaire) ما يؤكد وجاهته، إذ يقول: كل إبداع فني نابع من الغريزة، وهكذا فقد كان بيار كورنيي (Pierre Corneille) وهو يبدع مسرحية هوراس وكورياس (Horace - Horati and Curiati) كمثل الطائر الذي يصنع عشه.

  1. لا وجود ـ طبعا ـ لأي منطق يبرر اختلاف الآراء، فإن ذلك من طبيعة الناس، ومن ثم لم  يكن غريبا أن تكون سوناتة "دوتييُّو" موضع ثلاثة أحكام متباينة، يقول أولها: "في إمكاني أن أواصل الاستماع لهذه السوناتة حتى الصباح؛" أما الثاني فعنده أنها "غرور، ومجانية مطلقة؛" وأما الثالث فيقول: "لا ريب أن في هذا العمل عبقرية في الكتابة الموسيقية، غير أنني لا أجد فيه أثرا للشاعرية."     

 ________________

 

(*) Bernard Gavoty - Revue  Musica, Pub mensuelle, imp Chaix St  Paris, n 19, pp 2-5.

.