المقالات

مسرح "لا فينيس" بالبندقية

. قرات لك

عبد العزيز ابن عبد الجليل

أسس مسرح "لا فينيس" (La Fénice) في قلب البندقية، وكان الذي وضع تصميم بنايته هو المهندس "جياننانتو سيلفَا" (Giannanto Selva).  وتم تدشينه يوم 17 مارس 1792 بتقديم أوبرا "ألعاب داكَريجانتي "Jeux d’Agrigente" للمؤلف الإيطالي جيوفاني بيسيّللو "”Giovanni Paisiello بمشاركة مغنية السوبرانو بريجيدا بانتي “Brigida Banti” التي أضفت على الألحان نكهة خاصة بصوتها الذي جمع بين العذوبة والجمال والشاعرية.  ومنذئذ أصبح مسرح "لا فينيس" يشكل إلى جانب لا سكالا "La Scala" بميلانو وسان كارلو “San Carlo“ بنابولي ثالث المعالم التي حملت هام الغناء الأوبرالي في سماء إيطاليا، تعرض على خشبته أعمال خيرة المؤلفين الموسيقيين الإيطاليين من أمثال دومينيغو سيماروزا “Domenico Cimarosa“، ويوهان سيمون مايير “Johann Simon Mayr”، ونيكولو أنطونيو زينغاريللي "Niccoló Antonio Zingarelli"، تصدح بها أصوات كبار المغنين أمثال جيرولامو كريشينتيني “Girolamo Crescentini” ، وجيوسيبينا كَراسيتي "Giuseppina Grassini"، هذه الأخيرة التي سمعها نابليون وهي تغني في الحفل الذي أقيم على شرفه في 1 كانون الأول/ديسمبر 1807 بعد أن أعلن عن نفسه ملكا على إيطاليا، فضمها إلى حاشيته بدافع كان مزيجا من الإعجاب والعشق.

وتتوالى العروض الأوبرالية على خشبة مسرح "لافينيس" بعد ذلك، ففي سنة 1813 قدم جيواكينو روسيني "Gioachino Rossini" في المسرح أوبرا تانكريدي "Tancredi" فلقيت نجاحا منقطع النظير، وبعدها بعشر سنوات عاد ليجدد لقاءه بالجمهور مع أوبرا سيميراميد "Semiramide" التي أدت دورها الرئيسي زوجته المغنية إيزابيللا كولبران ”Isabella Colbran”.  وفي سنة 1826، قدم سافيرو ميركادانتي “Saverio Mercadante" السيدة كاريتيا "La Donna Caritea"، وتلتها أوبرا “I Capuleti e i Montecchi” عام 1830 للمؤلف الموسيقي فينشينزو بيلليني “Vincenzo Bellini”...

في مارس 1835 سيفتح المسرح أبوابه لفترة استثنائية قصيرة أدت ماريا ميليبران “Maria Malibrane”  مغنية القرن ثلاث أوبرات من تأليف روسيني: عطيل “Otello” ولا سينيرينتولا "La Cenerentola"، وحلاق أشبيلية "Il barbiere di Siviglia".
 
في الثاني عشر من كانون أول/ديسمبر 1836، دمرت النار جزءا كبيرا من المسرح تطلب إصلاحه فترة امتدت ستة أشهر استأنف بعدها نشاطه المعهود، فاستقبلت خشبته أوبرا بيليساريو "Belisario" للمؤلف الإيطالي غايتانو دونيتزيتي  "Gaetano Donizetti"، ثم أوبرا إيرناني "Ernani" للمؤلف الموسيقي الإيطالي جوسيبي فيردي "”Gieuseppi Verdi هذه الرائعة التي استقى مادتها من أحد الأعمال الأدبية للكاتب الفرنسي فَيكتور هوغو.

وسوف تأتي سنة 1848 لتصبح إيطاليا خاضعة لسلطة عدة دول أوروبية من بينها أمبراطورية النمسا التي استأثرت لفترة طويلة بالبندقية.  وعلى مدى ثلاث سنوات ظل المسرح مغلقا، ثم استأنف نشاطه عام 1851 تحت ظروف قسرية بقرار صادر عن قائد جيش الاحتلال الجنرال النمساوي "كَوزودوفَسكي"، فقدم عرض أوبرا لا ترافَياتا “La Traviata”  لفَردي دون أن يحالفه النجاح.  وقد شكل هذا القرار عبئا ثقيلا على أرباب المسرح انعكست آثاره السلبية على الأعمال الموسيقية ذاتها بتغيير عناوين هذه الأعمال لما قد تحمله من شعارات ورموز قد تبعث على تظاهر الجماهير وتمردها ضد الأجانب، الأمر الذي أدى إلى إقدام المشرفين على إدارة المسرح إلى افتعال الأسباب لإغلاقه، فآثروا اختلاق علة التصريح بإفلاسه على الاستمرار في تحمل الرقابة النمساوية.  واستمر المسرح على هذه الحالة حتى عام 1866 تاريخ انتهاء الوجود الأجنبي في البندقية، فعادت الحياة إليه، وجرى حفل الافتتاح يوم 1 تشرين الثاني/نوفمبر 1866 بعرض أوبرا الحفلة التنكرية "Un ballo in maschera" لفردي بحضور فيكتور إيمانويل الثاني الذي كان قد أعلن ملكا على البلاد عام 1861؛ ومنذئذ أصبح فَردي بموسيقاه رمزا لاسترجاع الوطن، واستعاد مسرح "لافينيس" الحياة بعد توقف أربى على عشر سنوات .

 
 

.