المقالات

ما لا أحبه في مؤلفات موزارت (بتصرف)*

. قرات لك

                                                                        عبد العزيز ابن عبد الجليل

في هذا العنوان الذي يصدم كثيرا من القراء ما  يصدمني ـ إلى حد ما ـ أنا أيضا. وإن أنا أخذت في تبرير هذا الموقف wفذلك كي أوقف عاصفة الاحتجاجات بقدر ما أرغب في التخفيف من تردداتي.

نحن اليوم في كانون الثاني (يناير) 1956، وقد مضى على ولادة موزارت قرنان من الزمان؛ وفي هذه المناسبة وجدت الفرصة المواتية للخوض في هذا الموضوع. ومع ذلك فليس القصد إلى الانتقاص من القيمة الفنية لأعمال موزارت، ولا إلى انتقاد هذا العمل أو ذاك من أعماله، بل إن الأمر يتعلق في هذه الدراسة الموجزة بتجاوزات ارتكبتها طائفة عريضة من الجمهور ومن المتخصصين بخصوص صنف من مؤلفات موزارت، وهي تجاوزات يتحمل عواقبها بالدرجة الأولى من أسميتهم "المتخصصين".

وعندما يتعلق الأمر مستقبلا بذكر ما لا أحب من أعمال بتهوفَن أو شومان على سبيل المثال، فسيكون في وسعي أن أنتقل إلى مرحلة أكثر دقة في نقد هذا العمل  أو ذاك، لهذا المؤلف أو ذاك، بل وحتى للخصوصيات المميزة للأسلوب، وتقنيات الكتابة الموسيقية التي تبرز في مجمل أعمال المؤلف، وحتى في أكثرها شهرة.

وبالعودة إلى مؤلفات موزارت، أجدني حتما غير قادر على أن أكشف عما قد يمس بالقيمة التقنية أو التعبيرية في كل صفحة من صفحاتها، مثلما أجدني عاجزا عن المفاضلة بينها، ولاسيما منها ما كتبه في السنوات العشر أو الاثنتي عشرة الأخيرة من عمره.

ولعل في هذه العبارة الأخيرة ما يمنح القارئ مفتاح الاهتداء إلى مؤاخذاتي، ليس على موزارت بذاته،  ولكن على فئة من "المداحين" ولاسيما منهم  المندفعين الذين يسيئون إليه  من حيث لا يدرون. ومن المؤكد أن لهؤلاء أعذارهم التي يجدونها في الغموض التام الذي  اكتنف أعمال موزارت على مدى فترة طويلة من الزمن استغرقت معظم القرن التاسع عشر والجزء الأكبر من القرن العشرين.

وباستثناءات نادرة، لم تشق الرومانسية طريقها إلى موزارت، ولم تكن ترى فيه غير موسيقي من زمن مضى إلى الأبد ينتمي إلى  فترة الكتابة المشحونة بالزخارف التي سبقت مباشرة إرهاصات الثورة الفرنسية وولادة عالم جديد. وقد ظل موزارت بالنسبة للعقلية الرومانسية ذلك الموسيقي صاحب الشعر المستعار، فيما ظلت عبقريته بعيدة عن أن يتجادل فيها اثنان، هذه العبقرية التي تعترضها سلسلة من الأعراف كانت ما تزال حتى عهده قائمة.

وقد آن لسوء الفهم السخيف أن ينتهي بشكل طبيعي يوم انهارت الرومانسية الموسيقية ذاتها، وانفجرت بعض مفاهيمها، وحينئذ أدركنا عمق عبقرية موزارت وقوة إنسانيتها وسمو قيمة رسالتها. وقد كان هذا التحول من الأهمية بمكان بالنسبة لروائع المسرح الغنائي عند موزارت، فقد أدركنا لِلتَّوّ من خلال شخوصه الدرامية كيف تضفي موسيقاه على الإبداعات الشعرية حُللا من القوة والتنوع، مثلما استشعرنا متعة الاستماع للنبضات المختلجة عبر مؤلفاته السمفونية وموسيقى الصالونات.

في هذا الظرف بالذات، والذي شهد تطور العقلية العامة نحو موزارت، تأتي مجازفات من أسميتهم  قبل "المداحين"،  وهي مجازفات ترتبط بحدث تاريخي لا سبيل إلى الجدل حول واقعيته، وهو "أن موزارت كان طفلا معجزة"، وأنه ـ دون ريب ـ الأكبر عبقرية من بين سائر الأطفال العباقرة على مدى تاريخ الموسيقى.  والواقع المؤلم أننا لم نعد اليوم نعجب من ظهور أطفال خوارق في مجال العزف على الكمان أو على البيانو، فكثير هم الأطفال الذكور والإناث الذين برعوا في أداء أعمال بيتهوفَن أو ليست، أصبحوا ـ بكل أسف ـ يشكلون ظاهرة في الحياة الموسيقية؛ ومن نماذج هؤلاء أطفال يقودون الأوركسترا، وتقف من ورائهم حركة متدفقة من الدعاية والتشجيع، ومنافع غير معلن عنها في الغالب.  أما في مجال التأليف فقد تضاءلت  اليوم  ظاهرة الطفل المعجزة.

ومن الأكيد أن حالة موزارت ـ هي أيضا ـ لم تخل من الدعاية والمنافع المادية، إذ لولا والده ليوبولد موزارت، لما تأتى له أن يسيح في  حواضر البلاد الأوروبية، وهو ما يزال في سن السادسة من عمره.  بل إن المساعي الاستغلالية لهذا الوالد الذي أغرته المنفعة المادية هي ذاتها التي ستفضي إلى أن تفقد البشرية موزارت إلى الأبد بسبب ما ناله من التعب والإنهاك، ولمّا يتجاوز الخامسة والثلاثين من عمره، وهي سنوات لم يبلغ قمة المجد إلا في العشر الأواخر منها.  

ولأن موزارت رحل عن الدنيا باكرا فلن يكون في مقدور أحد أن يعيد إلينا ما كان يختزنه من روائع، وحتى أولئك الذين انكبوا ـ بدافع من تقليد والد موزارت ودون شعور منهم ـ على كل ما كتبه من أعمال في طفولته وشبابه معلنين أنها في درجة من السمو والعبقرية تضاهي روائعه الخالدة: كوزي فان توت، والناي السحري، وسمفونياته الثلاث الأخيرة. والحق أنهم يعبرون بشكل عابث عن مواطن ضعفه.

وتكمن نبتة الشر في فهرس كوشيل Koechel  الذي يصنف تحت رقم (1) أحد موتيات موزارت كتبه وهو في سن الرابعة في سياق إعجاب حاشيته، زاعما أنه أودع فيه كل عبقرية الطفل والمراهق. ومن البديهي والواضح بالنسبة لأي شخص يملك سمعا سليما وحكما قويما أن يكون ما كتبه موزارت في سن السادسة وحتى الرابع عشرة دون الروائع التي أبدعها في مرحلة النضج من عمره. وعلة هذا أن موزارت الطفل والمراهق كان خاضعا لروح التقليد، مثلما أنه ـ سواء كان عبقريا أم لاـ تحمل خلال فترة تعلمه نفس ما يتحمله المؤلفون من ألوان التأثير.  وإن من المدهش حقا أن يؤلف موزارت "كانتاتا" وهو في سن الثانية عشرة، غير أن إدراجها ضمن برنامج سالزبورغ لهذا العام (1956) ما كان ليزيد من قيمتها الفنية، فهي لا تعدو أن تكون عمل تلميذ مجتهد، ومن ثم فالأولى بها أن تكون في المكتبات، وليس في العروض الموسيقية الحية.

ومجمل القول فإن "مداحي" موزارت يسيئون أكثر مما يحسنون إليه، ومن المؤسف أن يضيع منا "موزارت الصغير"، والفنان اللطيف، المتوقد الذهن، هذا الذي لم يعش بعد حياته كرجل.

*        Antoine Goléa: revue  Musica, Pub mensuelle, imp Chaix St  Paris,        22, janvier 1956, pp .  10-12.

.