المقالات

وأصبح للمالوف التونسيّ بيت!

. أخبار ومتابعات

عائشة غربي

 

في حضرة الجمال، امتدت الموسيقى الأندلسية في فضائها الرحب، تفوح منها رائحة الغربة والوطن والحلم والوصال والحنين إلى العودة، بحناجر أطربت السامعين في ليلة الأنس بمدينة الثقافة.

افتتح بيت المالوف فعالياته في العاصمة التونسية، مساء السبت الماضي، بحضور جماهيري كبير أمام فرقة فنية مكونة من أربعين عازفا ومنشدا بقيادة الفنان زياد غرسة وانسابت “درر المالوف” في قاعة الأوبرا بمدينة الثقافة، فأطربت السامعين وأبهرت الحاضرين، في ظل محاولات لطمس الهوية الموسيقية التونسية وتجلياتها أمام المد الشرقي والغربي.

سهرة حضرت فيها التفاصيل التونسية مع محبي الموشحات الطربية التي ورثتها البلاد وألهمت العباد فأسكنتهم وجدا وحبا بكلماتها الراقية وإيقاعها الموزون.  اللباس التونسي أيضا رافق الحفل، فتزّين الرجال بالشاشية، وتجملت النساء بالتصميمات البديعة بأقمشة ملونة وإكسسوارات متنوعة.

ألهبت الطبوع بترنيماتها حماس الجمهور وروت العطش بما سقاهم  في حضرة جمال الكلمة وحسن التقديم وفواصل النوبة.

زياد غرسة فنان تونسي استثنائي على خشبة المسرح، حامل لمشعل أبيه الفنان الكبير الطاهر غرسة، ممعن في ثقافته ملتزم بموسيقاه مع قدرة هامة على البحث والتجديد.

ويعد من المطربين القلائل الذين كرسوا حياتهم للفن التونسي الأصيل والعود الذي رافقه طيلة مسيرته، مستقطبا فئة كبيرة من الجمهور الذي ما زال يحنّ إلى عصر الأغنية الذهبية التونسية.

على جانبه الأيسر، تجلس المطربة سيرين بن موسى في بهاء أنثوي فريد واعتزاز بالأصول، تمسك عودها وتشدو بصوت جهوريّ، وكأنها أميرة في حضرة السلاطين.

 أدت نوبة الذيل، وغيرها من الطبوع العصية على مروجي اللحن الهجين، متربعة بذلك على عرش المالوف الذي طالما تبنته كتوجّه ودافعت عنه صوتا وأداء حسنا.

وقد عبر الحاضرون عن سعادتهم لهذا الحدث الذي يعكس إرادة لحفظ الذاكرة الموسيقية المحلية وتطويره من أجل الأجيال القادمة.  ودعا الجمهور إلى ضرورة بعث روح التجديد والبحث الموسيقي من أجل تسجيل التراث الموسيقي الذي لايزال أغلبه مجهولا بالنسبة للعديد من الموسيقيين.

بيت المالوف، ليس مجرد فكرة عابرة، بل هو روح تونسية ومغاربية خالصة، أتت بها رياح الأندلس فحطت رحالها في أغلب الأعمال الفنية التونسية قبل أن يغترب جمهورها عنها. وهي اليوم قبلة لعشاق المعنى واللحن ورؤية جديدة في ظلّ الانكماش الإبداعي والعزوف على استرجاع المجد الفني والإضافة عليه.  وهو خلاصة أجيال، استثمرت جهدها على مراحل زمنية مختلفة ولدت من رحمها العبارات المعتقة والأشكال الفنية الدسمة.

 

أكدت وزارة الشؤون الثقافية، أن “بيت المالوف” مشروع فني يهدف إلى إحياء الذاكرة وتوثيقها، بإشراف شيخ المالوف زياد غرسة.  وسيتضمن برنامج البيت عرضا شهريا تقدم فيه نوبات المالوف التونسي، كما يسعى إلى توثيق النوبات التونسية بكل مكوناتها واستكمال ما ينقصها من أجزاء مكونة لها، كالزجل، الفوندو، الشغل، الموشحات، السماعيات من خلال تسجيلها السمعي.

 وسيعمل وفق مدينة الثقافة، الفضاء الذي يحتضن البيت، على الجانب التكويني بتدريب المهارات والمواهب الموسيقية وتكوين الأساتذة والمعلمين في نمط الموسيقى الكلاسيكية التونسية.  من جانبه أكد المطرب التونسي زياد غرسة، على أهمية بيت المالوف في النهوض بالتراث الموسيقي التونسي ذي الأصول الأندلسية.  وبيّن في افتتاحية بيت المالوف أنه يعكس رغبة في إبراز قيمة التراث وتأكيدا لخصوصية المالوف في الثقافة التونسية باعتباره أحد تفاصيلها وآثارها البديعة.

 

مجلة ميم - 28 يناير 2019

.