المقالات

"الولاعة بالموسيقى الأندلسية" - موضوع ندوة المهرجان الوطني الثالث والعشرين للموسيقى الأندلسية بفاس من 24 إلى 31 آذار/مارس 2018

. أخبار ومتابعات

بثينة الإدريسي

عاشت فاس ومعها حواضر مملكة المغرب تظاهرة "المهرجان الوطني للموسيقى الأندلسية المغربية،" من تنظيم جماعة فاس ومقاطعاتها وبالتعاون مع مجلس جهة فاس مكناس ومؤسسة تراث المدينة تحت شعار "التراث في خدمة الجهوية."  

بدأ المهرجان بحفلة افتتاحية في القاعة الكبرى لمدينة فاس شارك في إحيائها "جوق محمد العثماني" وكورال "أندلسية المغرب" برئاسة الدكتور عبد الحميد السباعي.  تلاها في نفس اليوم عرض السمفونية الأندلسية لمحمد العثماني بصحبة خمسين عازفا من ضمنهم منشدون شباب.  وقد نالت هذه التجربة، التي تضمنت "الميزان الأندلسي" بتوزيع سمفوني  ورؤيا موسيقية معاصرة، استحسان الكثيرين من الهواة.

ولقد عرف المهرجان في دورته هذه انفتاحاً على مقاطعات فاس، تنزيلا لسياسة القرب وتفعيلا لحدث المهرجان بين كل الأوساط والفئات العمرية.  وتضمن عروضاً موسيقية، وندوات، ومسابقات في الإنشاد، ومعرض "أعلام الموسيقى الأندلسية" الذي أقيم في رواق القاسمي واشرف عليه مصطفى العامري مدير المعهد الموسيقي  لفاس.

توالت أيام المهرجان ممتعة فقدمت الحفلات الموسيقية الخاصة بـ "النوبة والميزان" كاشفة أذواق وتلاوين مدارس موسيقية يجمعها نفس الهدف، ألا وهو الاحتفال بالموروث واستعادته بأرق حلة في تنافس مبدع وجمالية يهتز الجمهور لإيقاعات ميازينها الخمسة وللطبوع التي تتسرب إلى النفوس في ألفة وكذلك للاجتهادات على مستوى  التلحين.

أما عن ندوة المهرجان الوطني الثالث والعشرين للموسيقى الأندلسية، فقد اتخذ لها المنظمون عنواناً: "الولاعة عبر التاريخ وأثرها في خدمة التراث الموسيقي،" وأدارها عضو اللجنة المنظمة للمهرجان الدكتور رشيد بناني.  تحدث في الندوة الباحث والإعلامي في التراث الموسيقي عبد السلام الخلوفي الذي زكى في مداخلته طرح تشكيل "فيدرالية" تلم شتات الموروث وتدفع به نحو عقلنته وضمان حقوق المشتغلين فيه.  وتلاه الأستاذ الدكتور محمد اليملاحي الوزاني الذي عرض تجربة "دار الضمانة بطنجة" متوقفاً عند مفهوم الولاعة وتجلياتها على نفسية الولوع وايجابياتها من حيث العطاء والتأثير، ومبرزاً دور هذه الدار في حفظ هذا الموروث وإسهاماتها في تخرج كبار الموسيقيين والهواة.  أما الباحث ورجل الأعمال وعضو جمعية هواة الموسيقى الأندلسية بالمغرب عزيز العلمي الكرفطي فاستعرض تجربة جمعية هواة الموسيقى الأندلسية التي اشتغلت ولستين سنة بروح المحافظة على هذا الموروث ورعايته إن من خلال العروض الفنية والبحث العلمي والأدبي الموازي وإن لجهة استقطاب الناشئة بكل فئاتهم وأعمارهم لإتقانه.  وتوقف الكفرطي عند دار الآلة التي تجذب إليها الهواة والمتخصصين من كل مدن المغرب، وأمل استمرار الجمعية والدار في إذكاء وهج التولع مذكراً بهذين البيتين:

أَيا مُنْشِدِي حَمْدَانَ لَا خَانَكَ الدَّهْرُ        وَلا كَان لِلْمَحْبُوبِ صَدٌّ وَلا هَجْـرُ

وَإِنْ أَضْرَمَ الشَّوْقُ فِي قَلْبِكَ نَـارَهُ         فَلَا مُؤْنِسًـــا يَلِيقُ بِكَ سِوَى الصَّبْـر

بعد انتهاء العروض فُتح باب النقاش الذي انتهى بالإجماع على تشكيل هيئة تنظيمية كبرى تلم شتات الأعمال والأهداف، وتقيم للتراث أساسا صلبا يحفظ الموروث الموسيقي ويضمن كرامة العاملين فيه، وذلك بالتعاون مع الإعلام وعبر مواقع التواصل الاجتماعي بغية ترسيخه تراثاً إنسانياً عالمياً.

أضاء المهرجان الوطني الثالث والعشرون للموسيقى الأندلسية بفاس على مولوعي هذا الفن الذين قاموا بتعليمه وتحفيظه وجمعه ودراسته وتحقيقه وتدوينه، ما سمح للأجيال المتعاقبة بأن تدركه سجلاً فنياً يعبر عن وجدان أمة.  ولم يغفل المهرجان مساهمة البرامج الإذاعية والتلفزيونية في استجلاء القيم الإبداعية لهذا الفن وتوثيق ذاكرته. وفي الختام، فإن العناية بالموروث الموسيقي الأندلسي المغربي والسعي لبقائه والإرتقاء به واستمراريته في الذاكرة وفي الصدور وفي الكنانيش كما في الأنطلوجيات التي اكتملت بميازينها الخمسة والخمسين، لمسؤولية وطنية كبرى.