خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

المقالات

المخيم الموسيقي للشباب العربي ـ الدورة الأولى

. أخبار ومتابعات

من 1 إلى  8 مارس 2015 فاس - المملكة المغربية

       حراك موسيقي عربي بربيع يانع ذك الذي تجمعت أوصاله بحاضرة الثقافة والتراث، فاس المدائن، فاس القرويين وجامع الأندلس، فاس عاصمة العدوة الجنوبية  لقرون خلت،  وهي توائم توأمة الروح العدوة الشمالية (الأندلس) بالعلم و المعرفة و بالرجالات و النجدات،من مهبط الروحي  والوجداني حيث مثوى ابن عربي وابن الخطيب، ومهوى  عشاق الطرب الأصيل بأثر تاريخي رجعي  إلى القرن الثاني الهجري،  وبامتداد إيجابي يمتد إلى يومنا هذا.

       اثنا عشر قرنا من الإبداع و التأليف بإحدى عشرة نوبة وخمسة وخمسين ميزانا وما يقارب 1200 صنعة (أغنية).  كان لفاس الحظوة  بلمة  شبابية تربط الخليج بالمحيط ، في نسيج نغمي بطبوع مغربية وأنغام أندلسية ضمن المهرجان الوطني العشرين لموسيقى الآلة الأندلسية المغربية  برعاية ودعم سخيين من الجماعة الحضرية لفاس التي أبت إلا أن ينزل هذا المخيم تنزيلا رفيعا ضمن الدورة العشرين لهذا المهرجان. وما تنظيم المخيم الموسيقي للشباب العربي في أولى دوراته إلا نواة لعمل مشترك جاد بين جمعية بعث الموسيقى الأندلسية و المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وثمرة  لجائزة المجمع العربي للموسيقى عن العام 2013 التي تنساق  استحقاقا وإعجابا  بالعمل الجبار الذي تقوم به هذه الجمعية العتيدة منذ ثلاثين سنة خلت في المحافظة  على التراث  الموسيقي بإحيائه وتدوينه وتشجيع الباحثين فيه على التأليف،وتسجيل كل عروضه الموسيقية متابعة للتطور في العزف و الأداء عبر أنتولوجيات متعددة يعاد  إخراجها في عود على بدْء كلما استوفت الخمسة و الخمسين ميزانا.

       وقد نالت الجمعية دعم المؤتمر العام للمجمع العربي للموسيقى لسنة 2013 المنعقد في الدوحة بقطر، حيث خرج المجمع العربي للموسيقى بقرارات جادة و حيوية  منها  تدوين تاريخ الموسيقى العربية بسلطنة عمان ،تنزيل مقررات في التعريف بموسيقى الأقطار العربية  من خلال إقامة "مخيم موسيقي عربي"  كل سنة  يستفيد من تكوينه الشباب العربي بهدف خلق الفرصة لهؤلاء لاكتساب مهارات في مختلف الموسيقات  العربية  سعيا لتجميع شتات الهوية العربية الفنية و الموسيقية وإكسابها صفة العالمية .

        وبالفعل فقد كان تنزيل المخيم بهاته الأهداف الشمولية والموضوعية  أجرأة لغايات علمية تعليمية بمقاربة موضوعية ميدانية من خلال دورات التكوين، وأوراش العمل، ودروس في التطبيق على الأنغام    والطبوع، وعروض حول الموسيقى الأندلسية المغربية تتراوح ما بين الروحي الديني والأخلاقي والطبيعي فالوجداني العاطفي، وتفكك أدبيات النص الشعري  للصنعة (شعر عمودي ،زجل ،موشح،برولة )، ويكشف عن سر دورة الزمن اليومية  في النوبات الأندلسية، وذلك  بإشراف عام من الأستاذ عبد العزيز ابن عبد الجليل، ممثل المغرب في المجمع العربي للموسيقى، والأستاذ عبد السلام الشامي رئيس جمعية بعث الموسيقى الأندلسية، وبتأطير الأساتذة: محمد العثماني رئيس جوق أندلسي،  ومصطفى العمري مدير المعهد الموسيقي بفاس، والأستاذ الباحث عبد الفتاح بن موسى. وقد واكبت هذه الأنشطة  برامج سياحة ثقافية عبر محيط العاصمة الروحية للمملكة، وفي ضواحيها حيث تتربع مدينة "إفران" قمم الأطلس المتوسط الشامخة. 

       إن موسيقى الآلة الأندلسية المغربية اكتمل نموها في حاضنتين اثنتين :الأندلس والمغرب، بعد أن تشربت من ثقافتين شمال/ جنوب، وأينعت ثمارها بخصوصيتها المتنوعة، ثمتوسعت عبر محيط وسع قمم سييرانيفادا الإيبيرية، وتُبْقَال الأطلسية، حيث ترقد على الهضبة من أغمات المراكشية الذاكرة الإبداعية  لابن عباد  في هدوء و سكينة  ترسل  اللواقح مجدبات ، فتَعُدْنَ يانعات في تناغم فكري علمي وجداني هيأ لنتاج حضاري مشترك امتد لاثنتي عشر قرنا.

       اثنا عشر قرنا من التاريخ، من المستحيل أن يختزلها  تكوين عبر ثمانية  أيام من عمر المخيم الموسيقي الذي  استقطب أحد عشر شابا وشابة من  العراق والأردن والبحرين وتونس ولبنان ثم المغرب جمع بين الدراسة  والتعليم كما الموسيقى والترفيه والتثقيف،واستقبال رسمي  لشباب المخيم من طرف نائب عمدة فاس.، والجماعة الحضرية التي كان لها فضل رعاية المخيم.

       إن الدراسة في المخيم لامست جانبين اثنين:  جانبا نظريا  اشتغل عليه الأستاذان الباحثان عبد العزيز ابن عبد الجليل، وعبد السلام الشامي، حيث تناولا في استفاضة تاريخ الموسيقى الأندلسية  وتطورها  ودور المغاربة في المحافظة عليها، بدءا من قدوم زرياب  إلى الأندلس و استقراره بها ثم إنشائه مدرسة موسيقية ضاهى بها مدرسة الموصلي ببغداد، فكان بحق  هذا العصر عصر التنظير وبناء القواعد كما اتفق على ذلك المؤرخون.

       وقد كان لعوامل الرفاهية وخصوبة البيئة وتشجيع ذوي الشأن  والسلطان و اجتماع ذوي الأفكار من علماء متنورين دور في الإعداد لمناخ أكثر جاذبية  للابتكار ونشوء إبداع خصيب بمزاج عال وروح منفتحة، كما كان للعناصر الوافدة من الشرق بكل ما حملته من مزاج مبدع  فارق مواطنه ليعانق سماء  بألوان الطيف وبساطا  مزركشا وجداول تلتهم البوار، إسهام كبير في خلق إبداعات جديدة، وصنع فوارق ممزوجة أحيانا بتأثيرات لموسيقات محلية أو قارية  ظلت تسود شبه الجزيرة الإيبيرية. انه فعلا عصر التجديد وبناء الهوية، وبذلك تعتبر الموسيقى الأندلسية أحد الامتدادات و الروافد التي تفرعت عن الموسيقى العربية بمفهومها العام.

       وكسائر الألوان والنماذج الموسيقية التي أبدعتها العبقرية في ظل الانتشار الواسع للأمة الإسلامية، تشكل هذه الموسيقى خلاصة امتزاج وتلاقح المعطيات الفنية النابعة من طبيعة موسيقى العناصر البشرية المتساكنة بالأندلس وهي العرب، والأمازيغ، والقوط والصقالبة.من هنا كان  البدء  لبناء صرح موسيقي بغرب العالم الإسلامي، ليقترن اسم ابن باجة في القرن الخامس وما والاه  باسم زرياب في العبقرية والخلود فهو فيلسوف المغرب وإمام الألحان ومنظمها ومدخلها غالى المغرب وأول من مزج الحان الأندلسية بالحان النصارى كما يقول التيفاشي.

      لم تمر أيام المخيم الموسيقي دون بصمة، فقد قدمت نتيجة الدروس والتطبيقات على الصنائع والأنغام  التي اشرف عليها  مدير المعهد الموسيقي بفاس  الاستاذ مصطفى العامري باكورة هذا الجهد بجسم موسيقي جديد اخذ اسمه بين سائر الأجواق  الموسيقية بالمملكة، إنه "الجوق العربي للموسيقى الأندلسية"، وكان سابع مارس يوم  الميلاد، ويوم جني الثمار، وقد أينعت في محفل بهيج اختتم به مهرجان فاس نال الإنصات قبل الإعجاب ،وحظي بالتقدير والتثمين ، وتسارعت جل الجمعيات الناهضة بهذا الشأن إلى مباركة الجهد وتزكية الخطوات بالمبادرات والأفكار.

      فعلا انه مخيم شبابي بأوراق يانعة آملة في غد أكثر حياة و أملا يلم الشتات، ويبني خارطة عمل عربي بهوياته المختلفة بلا حدود أملا في المحافظة على هويتنا وسط متغيرات عصر قد لا يبقي ولا يذر !!!والدفع بالموروث الموسيقي نحو العالمية.

        واستحضر بيتين للرحالة المغربي ابن بطوطة  يتساوقان في نفس منحى دور المغرب في بناء جسم حضاري موسيقي بالخصوص تعاقبت على بنائه دول كالمرابطين والموحدين والمرينيين  والسعديين، والعلويين، وما نجم عنه من تلاقح عميق بين مفردات تراثية  اقتحمت جسم الموسيقى الأندلسية، بظهور البرولة و الدرج (ميزان) ونوبة الاستهلال فكانت البصمة المغربية  قوية  غيرت مجرى الألحان  والمعاني .

                       اَلْغَرْبُ أَحْسَنُ أَرْضٍ   **   وَلِـي دَلِـيـل عَـلَـيْـــهِ  

                       اَلْبَـدْرُ يَـرْقُـبُ  مِـنْهُ   **    وَالشَّمْسُ تَـسْعَى إِلَيْهِ

 

بثينة الإدريسي

ناشطة جمعوية في مجال التراث و التنمية المستدامة