خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

المقالات

كمانجي ضائع في بيروت

. أخبار ومتابعات

بقلم أسعد مخّول

        كان ذلك منذ حوالي سنتين حين دعاني صديق موسيقي إلى زيارة العوّاد جورج صوايا في بيروت، والتعرّف إليه. بدا الرجل قديمًا في العمر جديدًا في الموسيقى، كما بدا هادئًا مطمئنًّا، نحيل الجسم، انحنت قامته كثيرًا، إلّا أنّ غصونه كانت لا تزال وارفة، وفيها من الأمل والهوى ما يكفي دهرًا بأكمله.

تقاعدت أعواده على الطّاولة الكبيرة في وسط صالة مسكنه، أمّا ما تصدّر تلك الصّالة فهو مسجّل أسود كبير، تحيط به كميّة هائلة من أشرطة الكاسيت الّتي بدت وكأنّها تتخطّى أيّ كميّة أخرى في أيّ بيت أو مكتبة، والسّبب هو أنّه بعد كلّ مرّة يجمعها ويرتّبها، يعيد بعثرتها وتوزيعها وهدم أكوامها، رغبةً منه في العثور على تسجيل ما يشغل باله ويغريه. معظم تلك الأشرطة لا يحمل تدوينًا ولا عنونة، والرّجل يميّز في ما بينها بالاعتماد على الشّكل واللّون وآثار بصمات الأصابع، وأحيانًا على آثار التّكسّر الّذي تعرّضت له الأشرطة بفعل انهيارها وارتطامها بالأرض.

وقد يسّر صوايا لتلك الأشرطة أن تقيم بشكل دائم على مقربة منه، ليس لأنّ وضعه الصّحي لا يسمح له بالذّهاب المتكرّر إلى الغرف الدّاخليّة في المسكن وحسب، إنّما لأنّه يحبّ أن تجالسه باستمرار في وحدته وانفراده، وهي تتشارك في تلك المجالسة مع بعض طيور الحسّون الّتي تنتظر ساعات انقطاع الكهرباء، بحيث يتوقف المسجّل عن العمل وتهدأ الأشرطة، فتنتقل هي إلى الشّدو والغناء، وكثيرًا ما لجأ العوّاد، من دون أيّ ندم إلى محو أشرطة عزيزة، بإسراعه إلى استعمال أيّ منها لتسجيل هذين الشّدو والغناء حين تصفو الأجواء ل "لحساسين".

جلسته السّمعية تدوم ساعات وساعات إلّا في أوقات انقطاع التيّار، كما مرّ، وفي ساعات النوم. تتصدّر تسجيلات أمّ كلثوم بيادر الأشرطة تلك، وأوّل ما قاله لي وهو يحدّثني عن كنوزه: هل أنت مؤمن أم لا؟ قلت: مؤمن. قال:اسمع، إنّ في النّساء اثنتين: مريم العذراء في الدّين، وأم كلثوم في الغناء.

وتتوسّع قائمة التّسجيلات لتشمل القصبجي وعبد الوهّاب والسّنباطي وفريد غصن، وبعض المتفرّقات الشّخصيّة من أغان ومعزوفات وتقاسيم. وقد ربطته بفريد غصن، كما أوضح، علاقة متينة، وتتلمذ على يديه، وهو يحتفظ بتسجيلات مختلفة له، معظمها حصل في جلسات خاصة، سواء في مصر أو في لبنان، وهي جلسات تتضمّن العزف والغناء، مثل: العشرة صعبانة عليّ، يا هاجري، أيوه وحياة اللّي فات، وقفت أودّع حبيبي، عينيك سحريّة، وحقّك أنت المنى والطّلب، ضيّعت مستقبل حياتي، تقاسيم، فلامنكو... وقد بدا فريد غصن في عزفه منسجمًا أكثر ما بدا وهو يؤدي النّمط الإسباني، وذلك بسبب نشأته التّي تربّى خلالها على ثقافة أميركا اللّاتينيّة.

لكنّ المفاجأة اللّافتة لدى صوايا كانت تسجيلًا لجلسة موسيقيّة قصيرة يلتقي فيها بعوده مع عازف على الكمانجة، أعادني فور سماعه إلى سامي الشوّا، العازف الكبير، ولولا أنّ أحد روّاد تلك الجلسة الخاصّة قال لفرط طربه: آه يا منير، لقلت: إنّ هذا العازف هو سامي الشّوا بأمّه وأبيه.

-       من هو هذا العازف الجميل يا أستاذ جورج؟

-       هذا منير بيضون، بيروتي من عندنا.

-       وأين هو الآن؟

-       لقد رحل منذ زمن بعيد. أمّا أنا فعمّرت كثيرًا. الله أعطاني العمر الطويل. أنا في التّسعين الآن. زوجتي رحلت، وأخي أيضًا، ومنير هو الآخر رحل.

تلك التقاسيم التي اكتشفتها مصادفة في شريط الأستاذ صوايا هي من مقام شت عربان. بدأت جلستها؟؟ بدولاب قصير، ثم كانت الكمانجة وكان العود. التّقسيمة برأيي شديدة الشّبه بتقسيمة الشّوا. مرّت على اكتشافي هذا فترة غير قصيرة، وأنا لا أزال عند الاقتناع ذاته. لقد أتى العزف شديد الإحساس، متقنًا، معبرًّا، خاليًا من إشارات السّرعة ومن محاولات استجداء الإعجاب أو إدّعاء التّمكّن والبراعة. بدا العازف حافظًا لتلك التّقسيمة عن ظهر قلب، وكأنّها مقطوعة موسيقيّة مدوّنة من الطّرازات الّتي اهتمّ بها الشّوا، كالبشرف والسّماعي والتّحميلة.

لقد سار أكثر من عازف على درب سامي الشّوا، خصوصًا في تونس والعراق ولبنان، إلى درجة أنّه تمّ توجيه الانتقاد إلى هؤلاء لتأثّرهم بذاك العازف الكبير، وإطلاق أقواسهم على الأوتار وفق طريقته ونهجه. وأنا لا أرى عيبًا في ذلك ولا تقصيرًا، لا بل أرى فيه إبداعًا من حيث المقدرة على استعادة أسلوب جميل وإحياء فنّ أصيل، فما العيب في التّذكير بالأساليب العزفيّة الّتي سار عليها الشّوا والبُزَري والعقّاد والقضّابي والقصبجي والسّنباطي وبعيون وعبده صالح وعطيّة والأطرش وجميل بشير...؟ ما أقصده هنا هو الأسلوب العزفي من دون دخول تفاصيل المضمون اللّحني، فقد يلفتنا خطيب ما، على سبيل المثال، بنطقه وصوته ولياقته في اختيار لحظات الوقف وعلوّ النّبرة أو خفضها، وصولًا إلى الهمس في بعض الأحيان، من دون أن يكون فحوى خطابه مهمًّا. وقد يتميّز شاعر بنظمه، بينما يتميز آخر بإلقائه، وقد يتميّز ثالث بالموهبتين معًا، النّظم والإلقاء. من هنا فأنا حين أقيم المقارنة ما بين منير بيضون وسامي الشّوا فإنّما أقصد الأسلوب أو الإطلالة النّغميّة، لا بل اللّهجة العزفيّة، هذا إن كان في طريقة العزف لهجات مثل لهجات الكلام، أمّا الإمكانيّات اللّحنيّة الكبيرة للشّوا فهي حكر عليه، ولا يمكن توريثها لأحد غيره بالتأكيد، وتسجيلاته الكثيرة المتوافرة هي الشّاهد على ذلك.

بيضون كان صديقًا لصوايا، وكان زميلًا له ودائم اللّقاء به، من هنا فإنّني افترضت أنّ هناك أكثر من تسجيل لعزفه وفنّه بين الأشرطة، لكنني لم أعثر على شيء من ذلك، مع أنّني أكثرت من أعمال التّفتيش بين الأكوام المتوافرة، والسّبب هو أنّ صاحبنا، لم ينفّذ أيّ حالة من حالات الأرشيف. لقد قال لي وهو يتابع انهماكي واهتمامي: كان منير يحمل في جيبه بشكل دائم شريطًا يتضمن عزفه، ففي حال عدم تيسّر ظروف العزف المباشر، فإنّه كان يلبّي طلبات محبّيه بإسماعهم الألحان المسجّلة، هذا ما كان يحصل لديّ هنا في هذا البيت. لقد كانوا يشبّهونه بالعازف الحلبي المشهور الّذي كان يعزف مع عبد الوهّاب في أغانيه القديمة. قلت له: تقصد سامي الشّوا؟ قال نعم ذاك هو.

ورحت أستوضح صوايا حول المسكن الّذي كان يقيم فيه زميله الرّاحل. مرور السّنين حرمه من التذكّر. في كلّ مرّة كان يدلّني إلى مكان مختلف، وكنت أنطلق، وينطلق أصحابي للتّفتيش من دون جدوى في البداية، وكثيرًا ما كنا نثير الشّكوك حولنا فتكثر الاستفسارات بشأن هويّاتنا وأهدافنا، ونعود خائبين. كلّ ذلك إلى أن اهتدى أحد الأصحاب إلى المكان المطلوب على مقربة من مؤسّسة تجاريّة للأدوات المنزليّة، ترسّب اسمها في ذاكرة صوايا عبر الزّمن، وكانت لا تزال مستمرّة في العمل، لحسن حظّنا.

قابل صاحبي ابنَ الفنان في المسكن المقصود وقد استغرب الوارث اهتمامنا بأبيه. إنّه بالنّسبة إليه شيء من الماضي، ومقدرته العزفيّة ما هي إلّا هواية عابرة مثل باقي الهوايات اليوميّة. تمكّنت من مكالمته بواسطة الهاتف المحمول في جيب الصّاحب، فوعدني بمحاولة تأمين تسجيل ما لوالده على أن يتصّل بي لاحقًا. طلبت أن يعطيني رقمه، أعطاني إيّاه على مضض، أو قد يكون أعطاني رقمًا وهميًّا، إذ إنّني حين حاولت الاتّصال به بعد أيام للاستفسار، كانت المجيبة، بطريق الخطأ، امرأة أحالتني مباشرة إلى رجل كان إلى جانبها، انهال هذا الأخير عليّ بالشّتيمة والتّهديد ، محذّرًا إيّاي من تكرار الاتّصال على هذا الرّقم، وكانت مشادّة بيني وبينه بعيدة كل البعد عن الموسيقى وما إليها، اللّهم إلّا موسيقى الأناشيد والـ"مارشات" الّتي تدعو إلى الحرب والقتال. شكوت الأمر إلى صوايا فأبدى استغرابه لتمكنّي من بلوغ بيت الفنّان الفقيد، لكنّه لم يستغرب تصرّف الابن، مبديًا علمه بابتعاده المبكّر عن مسيرة أبيه، ابتعاد الشّمس عن القمر.

غريب أمر هذا الابن. لا تهمّه الموسيقى بماضيها وحاضرها، فهمت. لا يهمّه التّراث من أيّ نوع كان، فهمت أيضًا. لكن، ألّا يهتم بمن يتابع سيرة أبيه الفنّان، ويسعى إلى إحياء اسمه بين المتذوّقين، فهذا هو العصيّ على الفهم، والعصيّ على القبول.

لم أترك موسيقيًّا من أبناء الزّمن الجميل، وهؤلاء قلّة، إلّا وسألته عن شخصيّة منير بيضون. ولم أترك جامعًا للتّسجيلات الموسيقيّة العربيّة إلّا وسألته عن تسجيلات هذا الفنان. وطرحت الموضوع في الإذاعة اللّبنانيّة. وعدت إلى المجلّات القديمة أستدلّ منها إلى شيء ما. وكرّرت الاستفسارات أمام جورج صوايا، إلّا أنّني لم أصل إلى نتيجة.

* * *

المهمّ في الختام أن محاولات التفتيش عن تسجيلات الكمانجي الضّائع موضوع هذا المقال قد أفضت حتّى الآن إلى الفشل، خصوصًا أنّني أوقفتها عند اضطرار صديقي صوايا إلى إخلاء شقّته بسبب رغبة المالكين في هدم المبني برمّته تمهيدًا لإنشاء مبنى جديد يؤمّن المزيد من الأرباح العقاريّة. انتقل صوايا إلى منطقة جبليّة قريبة يمتلك فيها بيتًا، ومن هناك انتقل بعد فترة قصيرة إلى العالم الآخر. هنالك قد يلتقي زميله منير بيضون، وقد يعزف الاثنان، وقد يسّجلان ما يعزفانه على شريط كاسيت، لا على قرص ممغنط، إلّا إذا تعرّفا إلى تسهيلات هذا الأخير، وحين نزورهما نسمع ونعرف.