خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

المقالات

تأثير الجانب الأدائي على الأبعاد اللحنية في الموسيقى العربية

. Uncategorised

 

خالد الجمل

"إن الأداء وأسلوبه عنصر هام من بين العناصر الفنّية المحدّدة للنمط الموسيقي، إذ يمكّن في العديد منالحالات من تحديد الأنماط الموسيقية والتفرقة بينها،"([i])كما يمكّننا أيضا من تحديد اللهجة الموسيقية للأثر المؤدّى. ومن أبرز العناصر الموسيقية التي تتأثّر بالجانب الأدائي الأبعاد اللحنية. حيث يمكن أن يتعلّق هذا الجانب بطبيعة الآلات الموسيقية النغمية([ii]) المستعملة وقدرتها على تنفيذ الخصائص النغمية لمختلف الأنظمة الموسيقية. فالدرجات المقامية وأبعادها في الموسيقى العربية تختلف مقاديرها حسب النظام اللحني المنتسبة له وترتبط أساسا بالثقافة الموسيقية السمعية التي يعتاد عليها الموسيقي. لذلك نرى في كثير من الأحيان عدّة اختلافات في الأداء بين عازف وآخر أو بين مجموعة موسيقية وأخرى. ولذلك، نريد في مبحثنا هذا أن نقدّم خصائص الدرجات الموسيقية وأبعادها اللحنية في الآلات الموسيقية، إضافة إلى طرح بعض إشكاليات توظيفها وتأثيرها على الأداء الموسيقي العربي.

1. طبيعة الآلات الموسيقية النغمية وتأثيرها على الأبعاد اللحنية

   إن الناظر إلى أغلب الفرق الموسيقية العربية ليجد فيها تركيبة آلية نغمية تتكوّن من مجموعتين. مجموعة تشتمل على آلات ثابتة يتم فيها تثبيت المقادير الصوتية للدرجات الموسيقية وتحديدها بنسب معيّنة، مثلآلة القانون والأورغ...، ومجموعة أخرى تشتمل على آلات غير ثابتة في درجاتها الموسيقية كآلة الكمنجة والعود والناي... ويرتبط الأداء الموسيقي عادة بطبيعة هذه الآلات الموسيقية التي يتم استعمالها.

1.1. طبيعة الدرجات الموسيقية في الآلات الغير ثابتة

 إن من طبيعة الآلات الغير الثابتة أن تتميّز فيها الدرجات الموسيقية بالتغيّر والتحرّك. وقد يصعب أحيانا تحديد نسب الأبعاد اللحنية وتدوينها إذا اقترن الأمر باستعمال بعض العناصر الأدائية التقنية. فالآلات الوترية مثلا كالكمنجة والعود وغيرها يتم فيها استخراج الدرجات الموسيقية عبر تثبيت الأصابع في مواضع مختلفة من  الوتر، ومن خلالها يتم تحديد ارتفاع الصوت الموسيقي ونسبته من خلال استخراج نسبة الوتر المهتز([iii])، وهو ما يشبه في هذا الجانب آلة المونوكورد التي استعملها اليونانيون القدامى في تقديم نظرياتهم الموسيقية. و قد يتأثّر الارتفاع الصوتي ببعض العناصر التقنية التي أشرنا لها سابقا والتي يمكن أن يستعملها العازف بطريقة إرادية أو غير إرادية أثناء أدائه، وهي التمويج الصوتي وجاذبية الأصوات الموسيقية.

أ. التمويج الصوتي

    إن مفهوم التمويج الصوتي في الموسيقى هو عبارة عن"تفاوت في مقدار البعد اللحني، وهو  اهتزاز الارتفاع الصوتي بشكل منتظم."([iv])وقد يختلف أداء التمويج باختلاف سرعة العزف، حيث يمكن أن يكون التمويج واضحا َعندما تكون سرعة اللحن الموسيقي بطيئة، وعندما تزداد السرعة، فإنّه قد تنقص حركيّته ويمكن أن يتلاشى. ويقول "غي ريبال" Guy Reibelفي هذا السياق، أنه " إذا ما ازدادت السرعة بين الدرجات الموسيقية في اللحن، يتلاشى بذلك التمويج."([v]) ويضيف سيف الله بن عبد الرزاق بأن"التمويج المستعمل عند أداء الموسيقى الشرقية يُعرف بتوسّعه وبطنه مقارنة مع نظيره المستعمل في الموسيقى الغربية... ويبقى اختيار النوع المعتمد طبقا للسير اللحني وكذلك للاختيارات والميولات الشخصية للعازف."([vi]) وبالتالي، فإن الأبعاد اللحنية يصعب أحيانا إدراكها وتحديدها سمعيا.

ب .  جاذبيةالأصواتالموسيقية

  إن مفهوم جاذبية الأصوات يتعلّق بوجود علاقة تأثير بين الدرجات الضعيفة الثانوية والدرجات القوية المحورية المجاورة لها، والتي تكتسي أهمّية أكبر في السلّم الموسيقي، حيث يقول مراد الصقلي:

"وجود تنظيم محكم لدرجات السلّم، هذه الدرجات التي تختلف أهمّيتها ويختلف تأثيرها في البناء المقامي، من ذلك وجود درجات متحرّكة بفعل الجاذبية الطبيعية بين درجات المقام إذ أن الدرجات الأكثر أهمّية تجلب نحو الدرجات الأخرى التي يتغيّر ارتفاعها بعض الشيء أثناء الأداء بالنظر إلى بناء الجملة الموسيقية."([vii])

فعندما نأخذ البُعد "دو"، و"سي"، بحيث تكون الدرجة "سي" هي الدرجة الحساسة لأنها "تميل دائما نحو  الدرجة الأساسية"([viii])، فسنلاحظ اقتراب هذه الدرجة في مقدارها الصوتي نحو درجة الارتكاز بصورة أحيانا تكون مدهشة، على الرغم من أن البعد الذي يفصل بين "سي" و"دو" هو نصف بعد طنيني، وغالبا ما يقوم الموسيقي ببلوغ نسبة ربع الطنين أو أحيانا أقل، وعند الاستماع، نستشعر بنصف بعد طنيني.([ix])وتعتبر هذه الظاهرة من أبرز الخاصيات التي تولّد إشكالا لدى المتلقّي الموسيقي في تحديده لنسب مقادير الأبعاد اللحنية نتيجة عدم ثباتها واستقرارها. وهو إشكال يستوجب عند معالجة هذه التغيّرات الصوتية استعمال الوسائل العلمية الرقمية الإعلامية، لأنها يصعب إدراكها وتحديد نسبها سمعيا.

   إذن، فمن خلال طبيعة الآلات غير الثابتة، يمكن أداء مختلف المقادير الصوتية دون التقيّد بنسب نغمية محدّدة تثبت الدرجات الموسيقية، وهو ما تميّزت به بعض الفرق الموسيقية العربية التقليدية من خلال محافظتها على تركيبة التخت وعدم إدراجها لآلات ثابتة.

2.1. طبيعة الدرجات الموسيقية في الآلات الثابتة

  إن مفهوم الآلات الثابتة يتعلّق بثبوت درجاتها وعدم الخضوع إلى الحركية الصوتية التي يمكن أن تصدر أثناء الأداء. لذلك فإن نظام الدرجات الموسيقية في الآلات الثابتة عادة ما يكون وفق النظام اللحني المعدّل. والمعروف أن أبرز الآلات الثابتة التي يتم إدراجها في الممارسة الموسيقية العربية هي آلة البيانو، إضافة إلى توظيف آلة الأكورديون  ـــ أحيانا ـــ  التي تتميّز بنفس نظام درجات وأبعاد آلة البيانو. فآلة البيانو"تم تصنيعها على أساس الأصوات الثابتة في السلّم الغربي المعدّل"([x])، بحيث يشتمل الديوان على مجموع اثني عشر ملمسا، تُقدّر فيها نسبة النصف البعد بـ 50سنت من مجموع 1200سنت، أي أن الاثني عشر نصف بعد تكون متساوية المقدار، وهو ما يمثّل النظام المعدّل ويتم ترجمة قيمة النصف البعد فيه بـ 21/12.

إن الآلات الموسيقية ذات الأصوات الثابتة والمصنّعة على الغرار نفسه _ أي على أساس السلّم الغربي المعدّل_ مثل الأكورديون والجيتار والبانجو والماندولين وما إليها، لا تستطيع بما فيها البيانو، أداء سوى عدد محدود من المقامات الشرقية"([xi])،لأن أغلب المقامات العربية يتكوّن سلّمها الموسيقي من أبعاد ذات ثلاثة أرباع البعد الطنيني وتختلف في مقاديرها. وقد كان هذا الطرح محل اهتمام المشاركين في مؤتمر القاهرة سنة 1932، حيث كانت نوايا بعض المشاركين إنشاء آلة بيانو بصبغة عربية تتضمّن 24ربع بعد طنيني يتم من خلالها أداء مختلف المقامات العربية. ويشمل هذا النوع من البيانو "ملامس إضافية أخرى تؤدّي أرباع البعد التقريبية"([xii])، وهذه الآلة " ظلّت غريبة ومرفوضة بالنسبة للموسيقا الشرقية، لأن الخصائص التي تتمتّع بها تتنافى تماما وطبيعة التخت الشرقي"([xiii]).

  وبالرغم من فشل إنشاء هذه الآلة، فإنّ التقدّم التكنولوجي والرقمي قد ساهم في ابتكار آلات ألكترونية مصوتة يتم برمجتها مثل آلة الأورغ، لا تتطلّب إضافة ملامس أخرى، بل يتم برمجتهابحافظة تمكّن من تغيير الدرجة عادة بمقدار ربع بعد طنيني، مع إمكانيّة التحكّم والتغيير في هذا المقدار بتثبيته بنسب معيّنة. نتيجة لذلك، فإن تثبيت الدرجات الموسيقية في هذه الآلة قد "يجعل الموسيقى العربية تفقد إحدى مميزاتها ألا وهي دينامية النغمات وتأقلمها مع الحركة المقامية وخصائص كل بلد."([xiv])

  وبخصوص آلة القانون، قال كامل الخلعي: "وأما صفة دوزانه فقد جرت العادة بأن يشدوا عليه أربعاً وعشرين نغمة كل نغمة منها ثلاثة أوتار متساوية في الغلظ والدقة... وأنه مرتّب على نغمات صحيحة لا أرباع فيها."([xv]) ولاستخراج النغمات العربية، "يوضع عادة عربا معدنية على  طرف القانون الأيمن، ويتصرّف العازف في استعمالها حسب النغمات في الفصل الغنائي. وقد شاعت طريقة تثبيت أربع عربات لسهولة استعمالها وتقسّم إلى أربع مسافات متساوية."([xvi])

ونفهم من ذلك، أن آلة القانون تكون الدرجات الموسيقية فيها قائمة على أساس نظام معدّل عربي ذي أرباع البعد، باستثناء تركيا حيث تم اعتماد تقسيم العربات في هذه الآلة حسب الكومات.

2. بعض إشكاليات توظيف الآلات الثابتة في الممارسة الموسيقية العربية

_ إشكالية اختلاف مقادير الأبعاد اللحنية في الأنظمة الموسيقية العربية:

    تمثّل الدرجات المقامية في الأنظمة الموسيقية العربية ما يُعرف بـ"ربع البعد الطنيني" وإن لم تصح هذه التسمية، وهو من أهم الدرجات التي ينبني عليها اللون المقامي الموسيقي العربي والتي تختلف مقاديرها اللحنية حسب اللهجة الموسيقية والخاصيات الجمالية للنظام اللحني وتأثّراته الثقافية، حيث يمكن أن يتغيّر مثلا مقدار بعد الثنائية المتوسّط "seconde neutre" الذي يفصل درجتي السيكاه والعراق بالدرجات المجاورة ما بين 125سنت و180سنت([xvii]).

  ويمكننا من خلال هذا الجدول أن نلاحظ مدى اختلاف مقادير درجتي العراق والسيكاه مقارنة بدرجة اليكاه من خلال بعض التجارب القياسية بحساب السنت.([xviii])

جدول مقادير درجتي السيكاه والعراق في مختلف التجارب القياسية مقارنة بدرجة اليكاه

       الدرجات الموسيقية       

 الأنظمة

          اللحنية

درجة العراق

مقدارها على الوتر مقارنة بدرجة اليكاه بحساب السنت

درجة السيكاه

مقدارها على الوتر مقارنة  بدرجة اليكاه بحساب السنت

Collengettes  (الموسيقى العربية)

354 

852

رؤوف يكتا  (الموسيقى التركية)

384   

882 

على الدرويش (الموسيقى السورية)

362   

860  

ميخائيل مشاقة

344

850

منصور عوض (الموسيقى اللبنانية)

333 

836 

اسكندر شلفون (الموسيقى اللبنانية)

350

854 

توفيق الصباغ([xix])

355

854

كامل الخلعي

369

871

معهد موسيقى القاهرة سنة 1929-1930؟؟

354    

852    

إدريس راغب بك

369

871

 

  نلاحظ من خلال الجدول اتفاقافي مقادير درجتي السيكاه والعراق  بين إدريس راغب بك وكامل الخلعي، ونتائج مؤتمر القاهرة 1932،وهو ما يدل على اعتماد النظام المعدّل العربي ذي24صوتاًمتساوية، في حين تبرز مختلف المقادير الأخرى على مدى تنوع الانتماء الجغرافي والتاريخ الحضاري للأمم العربية وتغيّر لهجاتها.فالمدرسة التركية تقدّر فيها درجة السيكاه 882سنت ودرجة العراق 384سنت، في حين تكون مقادير هاتين الدرجتين بـ 333 سنت لدرجة العراق، و836  سنت لدرجة السيكاه. وهذا الاختلاف في بعض المقادير المتفاوتة، جعل من الموسيقي أو المتعلّم "لا يزال ضائعا بين ربع الصوت النظري وأرباع الصوت العمليّة لأنه يرى عمليا أنه ما يدعى بربع الصوت ليس هو بربع صوت دائما، فتارة هو أكثر وطورا أقل حسب الحركة النغمية والمقامية، وحسب البلد الذي ينتمي إليه."([xx]) وهو ما مثّل إشكالا وعائقا من حيث تقنين المقامات الموسيقية وتوحيد سلّمها على اختلاف أشكالها، ومن حيث إشكاليات توظيف آلات موسيقية ثابتة لأداء مختلف هذه المقادير المتغيّرة.

_ توظيف الآلات الموسيقية الغربية في أداء الأثر الموسيقي العربي:

   منذ القرن التاسع عشر، شاع في الأوساط الموسيقية إدخال الآلات الغربية؛ وقد  انتقد رؤوف يكتا خلال حضوره في مؤتمر الموسيقى العربية بالقاهرة سنة 1932وأثناء جلسة مناقشات لجنة السلّم الموسيقي، مشهدا موسيقيا تمثّل في ظهور شاب من وفد الجزائر اعتلى المسرح وبيده آلة الماندولين المقسّمة إلى اثني عشرة نصفا متساوية ليؤدّي بعض الألحان الجزائرية، وهو ما دفعه للتساؤل هل كان هذا الأمر هيّنا في نظر العازفين من أبناء الجزائر إلى هذا الحد؟([xxi])

ولعل هذا الأمر ينطبق أيضا على الموسيقى التونسية خلال بداية القرن العشرين، حيثاكتسحت فكرة التمازج بين الآلات الغربية والشرقية الوسط الموسيقي. فنرى أن البعض من الموسيقيين قد استعمل ـــ عند أدائه لقطع موسيقية من المالوف التونسي ـــ آلات غربية ذات أبعاد دياتونية ووظفها أيضا عند المصاحبة الغنائية،  كالبيانو والهارمونيوم والآلات النحاسية الهوائية. وتأكيدا لذلك، نرى من خلال بعض التسجيلات الصوتية لمحمد القادري كيفية توظيف آلة الهارمونيوم واستعمالها لعزف بشرف صيكة سنة 1930"، إضافة إلى مصاحبة هذه الآلة لـخميس ترنان في أدائه لناعورة الطبوع، والتي نجد فيها مفارقة بين الأداء الغنائي والمصاحبة الموسيقية من حيث طبيعة الـأبعاد اللحنية المستعملة وعدم التطابق بين الطرفين. وهذا ما يمكن اعتباره من سلبيات التوظيف الآلي الذي برز خاصة في بداية القرن العشرين، حيث اعتبر مراد الصقلي أن"ما شهدته الموسيقى التونسية عموما منذ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين من استعمال آلات لحنيّة متعدّدة (مثل البيانو والأكورديون والقانون مثلا) لا تسمح بالأداء الدقيق لطبوعنا ونغماتنا قد ساهم تدريجيا في فقدانها لمسافاتها وحركاتها اللحنيّة المميّزة من جرّاء تأثيرها على أذن الموسيقيين ومخزونهم." ([xxii])

   وفي السياق ذاته، مثّل أداء الفرق الموسيقية العسكرية للمالوف التونسي نوعا من فقدان الطبوع الموسيقية لبعض خاصياتها اللحنية. فهذه الفرق غالبا ما تطغى عليها مجموعة الآلات الهوائية النحاسية التي تتميّز بطابعها الغربي وبأبعادها الدياتونية. في حين أن خصائص النظام اللحني للموسيقى التونسية يتميز بوجود أبعاد لحنية تقارب الثلاثة أرباع البعد الطنيني، وتختلف مقاديرها الصوتية في كل طبع. نرى من خلال ذلك تأثيرا على الكتابة الموسيقية  التي ظهرت بوادرها في تونس وفي العالم العربي خلال القرن التاسع عشر. وكانت وهنا يذكر فاتيس"Fétis"أن الاحتكاك بين الشرقيين والأوروبيين خلال القرن التاسع عشر ساهم في إضعاف نكهة الموسيقى العربية، خصوصا في تونس والجزائر بحكم تأثير الموسيقى العسكرية والتعليم الموسيقي الغربي حيث فقدت نسبيا ميزاتها وخصائصها من خلال هذا الأسلوب"([xxiii]).

  نتيجة لذلك، نرى أن مثل هذا التوظيف قد يُفقد الموسيقى التونسية خاصياتها اللحنية ويـؤثّر سلبا على الخاصيات الجمالية والتقنية للطبوع التونسية. 

_ المزج في الفرق الموسيقية العربية بين الآلات الثابتة وغير الثابتة:

 إن الناظر إلى الفرق الموسيقية الحديثة يجد اكتساح آلتي الأورغ والقانون اللتين تعتمدان على نظام ربع الصوت المعدّل. وهنا يقول كفاح فاخوري بأن هنالك:

"مسألة أخرى لا بد من التطرّق إليها هنا وهي سوء استخدام آلة ثابتة النغمات كالـ"الكيبورد" إلى جانب آلات العود والناي والقانون والكمان في مصاحبة الغناء، والنتيجة كارثة إذا كان اللحن من مقام فيه واحد أو أكثر من الأصوات المتحرّكة (أي ما يعرف بأرباع الأصوات). والطامة الكبرى كانت في الحلول المرتجلة التي لجأت إليها مصانع آلات الـ"الكيبورد" في الدول الصناعية حين قامت بتزويد هذه الآلات بما سمّته "التشريق" لتسويقها في العالم العربي على أنها آلات قادرة على أداء الموسيقى العربية ومقاماتها، فقسمت النغمات إلى أرباع أصوات متساوية على غرار قسمة السلالم الموسيقية في التراث الموسيقي الغربي إلى أنصاف أصوات متساوية ."([xxiv])

  والإشكال في هذا المزج، أن طبيعة الأبعاد اللحنية في الآلات الموسيقية مختلفة، فينساق العازف على الآلة الغير ثابتة في فرقة آليا وراء التأثّر بخصائص النظام المعدّل للآلات الثابتة الموجود، وهو ما قد يكوّن في بعض الأحيان تفاوتا في كيفية تقدير بعض الأبعاد. في هذا السياق، يقول مراد الصقلي بأن "مزج الآلات الموسيقية الثابتة بالغير ثابتة بإدخال الآلات الألكترونية مثل الأورغ واستعماله الربع بعد معدّل وتأثيره على مستوى الفرقة الموسيقية".([xxv])

يقول (أورغونار قدسي) أن "العديد من الحكومات في البلدان ذات النظام المقامي فرضت على فنانيها سياستها في اتخاذ المنهج الغربي لتطوير الثقافة الموسيقية. نتيجة لذلك، قدّمت مجموعات موسيقية تقليدية موسيقى بأسلوب أوروبي، أو بإدخال الهارموني أو كذلك بتقديم الموسيقات القديمة بتنفيذ الأوركسترا السنفوني، وهو ما أدّى في غالب الأحيان إلى نتائج سلبية."([xxvi]) ولعل ما يؤكد هذا الرأي في تونس، هو ما أوصت به ندوة معهد الرشيدية لتطوير الموسيقى التونسية التي أقيمت سنة 1965بفتح أقسام لكل الآلات الغربية والاستفادة من التجربة اليونانية التركية في تطوير بعض آلات النفخ إلى أداء أرباع الأبعاد الصوتية حتى يمكن استعمالها في جميع المقامات الشرقية.([xxvii])

 

خاتمة

نستنتج في خاتمة مبحثنا أن الخصائص الموسيقية العربية عموما لا ينبغي أن يتم أداؤها بآلات ثابتة وفق نظام معدّل. فمن خلال ما قدّمناه من مختلف مقادير الدرجتين المقاميّتين السيكاه والعراق، نلاحظ مدى تنوّعها واختلافها حسب الأنظمة الموسيقية المتعدّدة. كما رأينا كيف وقع توظيف آلات غربية لأداء قطع موسيقية من التراث التونسي، وهو ما يُعتبر في الواقع من التشويه الذي حصل للموسيقى التونسية. إضافة إلى أن توظيف آلات معدّلة قد ساهم في ضبط الأداء الموسيقي وحصر الدرجات الموسيقية بمقادير محدّدة، وهو ما قد يساهم في تغيير الذوق الموسيقي العام من خلال ما تفرضه هذه الآلات من سماع درجات موسيقية ثابتة ومضبوطة بتعديل يعتمد أساسا على السلّم الموسيقي العربي المعدّل. وربما كان هذا التوظيف لغاية التجديد الموسيقي الذي لا يزال يُطرح إلى يومنا هذا، وذلك من حيث إدخال التوزيع الموسيقي في الموسيقى العربية والكتابة الهارمونية. لذلك، يقول مراد الصقلي أن التجديد الموسيقي لا بد وأن يحافظ على مقوّمات الهويّة الموسيقية عموما، وذلك "بأن تكون الآلات اللحنية الجديدة غير ثابتة، بحيث تسمح بالأداء الصحيح للمسافات الخاصة والمتحرّكة المميّزة للسلّم الموسيقي التونسي المتّحرك.

 


الهوامش

[i] الصقلي، مراد : الموسيقى التونسية وتحدّيات القرن الجديد، تونس، وزارة الثقافة والمحافظة على التراث، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون،  بيت الحكمة، 2008، ص. 31.

[ii] نعني بالآلات الموسيقية النغمية، مختلف أنواع الآلات وأقسامها التي يتم من خلالها تنفيذ الألحان الموسيقية، ولا تشمل بذلك الآلات الإيقاعية.

[iii]FAMOUZADAH, Vedad,  La musique persane: Formalisation algébrique des structures, Rapport de stage à l’équipe représentation musicale, Paris, l’IRCAM, Mars- Mai 2005, p.3.

http://repmus.ircam.fr/_media/mamux/papers/famourzadeh-2005-thesis.pdf  (consulté le 12 Mars 2013)

[iv]REIBEL, Guy, L'homme musicien, Paris, Edi.sud, 2000, p.83.

«Il fluctue aussi parfois au moyen de vibrato du son, oscillation quasi régulière de la hauteur sur elle même. »

[v]Ibid.,  p.83.

«Dés que le dessin mélodique note à note s'accélère, le vibrato disparait. »

[vi] ابن عبد الرزاق، سيف الله: « قراءة في واقع تدريس آلات الموسيقى العربية من خلال المناهج (آلة الكمان نموذجا) »، مجلة البحث الموسيقي، عمان- الأردن، المجمع العربي للموسيقى- جامعة الدول العربية، المجلّد السادس، عدد1، 2007، ص.137.

[vii]الصقلي، مراد: الموسيقى التونسية وتحديات القرن الجديد، تونس، المجمع العربي للعلوم والآداب والفنون_ بيت الحكمة،2008، ص. 18.

[viii]كوبلاند، أ: « عناصر الموسيقا الأربعة»،الحياة الموسيقية، دمشق، وزارة الثقافة، عدد 4-3، 1993، ص.70.

[ix]LEIPP, Emile, Acoustique et Musique, 3ème Edi. Paris, Masson, 1980, p. 132

[x] شريف، صميم:  « البياونو الشرقي»،الحياة الموسيقية، دمشق، وزارة الثقافة، عدد 4-3، 1993، ص.218.

[xi] (العنوان السابق) المرجع نفسه، ص. 218.

[xii] (العنوان السابق) المرجع نفسه، ص. 220.

[xiii] (العنوان السابق) المرجع نفسه، ص. 220.

[xiv]الأب يوسف طنوس، « تعليم الموسيقى العربية: واقع ومشاكل وحلول»،  مجلة البحث الموسيقي، عمان- الأردن، المجمع العربي للموسيقى- جامعة الدول العربية، المجلّد السادس، عدد1، 2007، ص48.

[xv] الخلعي،كامل، الموسيقى الشرقي، القاهرة، الدار العربية للكتاب،1993، ص. 5.

[xvi] العقيلي، مجدي، السماع عند العرب، ط.1، الجزء الرابع، دمشق، مطبعة دمشق،1976، ص. 31.  أنظر كذلك:

عبد الله، سهاد نجم، المنهج الحديث لدراسة آلة القانون، ط.1، صفاقس/تونس، دنيا للنشر والتوزيع،2007، ص. 4- 5.

[xvii]SKOULIOS, Markos,  KOKKONIS,  Georges,« Théorie et pratiques modales dans l'Orient: un itinéraire»,  in De la Théorie à L'art de l'Improvisation: Analyse de Performances et Modélisation Musicale, Culture et cognition musicales, Paris, Edit. Delatour France, , décembre 2005, p.10-12.

[xviii] أخذنا قياسات أبعاد درجتي السيكاه والعراق من  المراجع التالية:

D'ERLANGER, Rodolphe, La musique arabe, vol. 5, Paris, Geuthner, 2001, p.23-47.

كما قمنا باستخراج المقادير بحساب السنت لكل من القياسات التي قدّمها كامل الخلعي وتوفيق الصباغ، وذلك بتحويلها إلى علاقة لوغاريثمية تشمل علاقة مقدار طول الوتر المهتز  بالطول الجملي للوتر الذي يساوي 1000مم.

[xix] شوقي، يوسف : قياس السلم الموسيقي العربي، القاهرة، دار الكتب،1969،ص.160.

[xx]الأب يوسف طنوس: المرجع السابق، ص48..

[xxi] يكتا، رؤوف: مطالعات وأراء حول مؤتمر القاهرة، ترجمة: عبد العزيز أمين الخلعي، القاهرة، مطبعة السعادة، الطبعة الأولى، 1934، ص. 17.

[xxii]  الصقلي، مراد: المرجع السابق.ص.65.

[xxiii]FETIS, Joseph François,Histoire générale de la Musique, Tome II, Paris, Firmin Didot frères, 1869.p38-39.

« C'est  par les cours et par des personnages haut places que le changement s'opérera: déjà l'on remarque en Algérie que le gout de la musique arabe a diminué dans la population indigène par l'influence de la musique militaire des régiments français; à Tunis, ou le gout arabe est plus prononcé qu'à Alger. »

[xxiv] فاخوري، كفاح: «التربية الموسيقية والتحديات التي تواجه الموسيقى العربية»، مجلة البحث الموسيقي،الأردن، المجمع العربي للموسيقى- جامعة الدول العربية، المجلّد السادس، عدد 1، 2007، ص102.

[xxv] الصقلي، مراد:المرجع السابق.ص.65.

[xxvi]ERGUNER, Kudsi,  « La question de l'artiste», in Colloque Maqam et création, Paris, Fondation Royaumont, 7 et 8 Octobre 2006, p.56.

[xxvii] تقرير ندوة تطوير الموسيقى التونسية المنعقدة بالمعهد الرشيدي للموسيقى التونسية، تونس، كتابة الدولة للشؤون الثقافية،  17 أفريل - 14 ماي 1965، ص2.