سعدون جابر: الانحدار الثقافي مخطط لتدمير المجتمعات العربية

. مقابلة

سارة محمد

في بهو الفندق الذي يقيم فيه بالعاصمة المصرية، تشعر وكأن المطرب العراقي سعدون جابر لم يغب عن القاهرة 25 عاما كاملة حفلت بالعديد من التطورات السياسية والاجتماعية.  تجلس معه لدقائق فيتسلل إليك الإحساس بأنك في مجلس عربي تتواشج فيه أواصر الأخوة والتوادد من فرط ما يحرص مرتادوه على مصافحة النجم الكبير والتقاط الصور التذكارية معه، وترى بعضهم يحدثه بحميمية وتفاصيل محددة رسخت في الذاكرة، كأنه يستأنف جلسة كانت بينهما في الأمس القريب. هكذا كانت أجواء الحوار الذي أجرته صحيفة “العرب” مع سعدون جابر، خلال زيارته القصيرة إلى القاهرة للمشاركة في الدورة الـ24 لمهرجان الموسيقى العربية الذي أحيا خلال فعالياته حفلا ساهرا في الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر الفائت، حيث كُرّم تقديراً لمشواره الفني الذي يمتد إلى نحو أربعين عاما.  جابر حدثنا عن الأغنية العربية بعامة والعراقية بخاصة، كما تحدث عن علاقته الحميمة بمصر وأهل الفن فيها.

 

فنان يغني كل الألوان العراقية من الريفي إلى المقام

عُشقُ الفنان العراقي سعدون جابر للقاهرة التي غاب عنها قسراً طوال 25 سنة، وذلك لأسباب سياسية، لم يتأثر بفترة البعاد الطويلة، فالبعيد عن عيني سعدون لم يكن يوما بعيداً عن قلبه، بعكس ما يقول المثل العربي القديم.

وتبرير ذلك على حد قول سعدون: أنها تعيش في وجدانه، لكون الحضارات العظيمة لا تموت أو يقوى عليها أحد.  وهذا في نظره ينطبق على الحضارة العراقية أيضا، مؤكدا أنه عوّض غيابه عن مصر بتقديمه أغنية لها من تأليف الشاعر عبد الرازق عبد الواحد الذي يسمى بـ”بالمتنبي الصغير”، وكان من المقرر أن يقدمها منذ 20 عاما، لكنها تأجلت حتى جاءت الفرصة الآن لتقديمها.

يرى سعدون جابر أن تواصله مع الشعب المصري لم ينقطع من خلال وجود ملايين المصريين في العراق، حملوا معهم سعدون جابر ونقلوه إلى الشعب المصري ضمن أغانيه الشهيرة، مثل طيور الطايرة، أمي، يا مضيع ذهب، مؤكدا أن جميعها أغان تحمل معنى الغربة التي تعيش داخل الإنسان، حتى وإن كان وسط أهله في بعض الأحيان، وبذلك أصبح هو في وجدان الشعب المصري كما بات الأخير في تكوينه.

 

الصحوة قادمة

عن أوجه التشابه أو الاختلاف بين أحوال مصر والعراق، قال جابر إن أهم تغيير حدث في مصر أنها أصبحت حرة، فقد أصبح الشعب منطلقا لتحقيق طموحه، أما العراق كدولة وشعب فيحكمها الأمل، ولولاه لما كان لها وجود، مشيرا إلى أن التاريخ جعل العراق يبتلي بكثير من الدواعش من قبل لكنهم زالوا جميعا، واستند في تفاؤله إلى أن نهوض مصر التي تقود الحركة العربية جميعها ستليه بالتأكيد صحوة في بقية الدول العربية، وفي مقدمتها العراق وسوريا.

للعراق أثر كبير في نشأة سعدون جابر الفنية وذكريات شكلت شخصيته الغنائية يرويها بقوله: تأثرت بوالدي الذي كان يغني في العائلة وبين العشيرة في المضايف العربية، إضافة إلى والدتي التي كانت تجوّد القرآن الكريم، وفي طفولتي كانوا يرسلونني إلى الدكان في نهاية الزقاق ولم يكن هناك كهرباء.

ويضيف: كنت أخشى الظلام فأذهب لأقيم الآذان، وعندما استمع لي الجيران، انتبهوا فنبهوا والدتي إلى أن صوتي جميل، وفي ذلك الوقت ظهر الراحل عبد الحليم حافظ وتعلقت بصوته، وبدأت أستمع للكثير من نجوم العراق منهم ناظم الغزالي، وداخل حسن، وفرقة الإنشاد، فاستطعت أن أجمع بين الألوان المختلفة للغناء العراقي جميعها، من الريفي إلى المقام.  وكثيرا ما كنت أغني مع أصدقائي في الشوارع والحفلات حتى عام 1971 حين دخلت الإذاعة كمنشد أغان بالكواليس، لأنني لم أكن أحب أن أعيش مشهوراً، وهناك استمعت لكوكب حمزة الذي لحن لي “طيور الطايرة” أول أعمالي الغنائية التي قدمتها عام 1972، بعد أن تقدم بطلب رسمي لضمّي إلى العمل في الإذاعة.

اختار سعدون جابر المرأة العراقية لتكون عنوانا لرسالة الدكتوراه التي حصل عليها منذ زمن، وهو موضوع مختلف عن الرسائل الموسيقية المعتادة، لكن الأمر مبرر عند المطرب العراقي: المرأة العراقية أكثر إبداعا في حياتها من الرجل، لأنه يترك لها كل شيء لتقوم به، فهي التي تزرع وتحصد، وتبني البيت، وتربي الأبناء، والحقيقة أن هذا هو دور الرجل في المجتمع العربي في الأغلب، وهنا كانت المرأة العراقية تدوّن هذا الظلم وتترجمه إلى شعر في ذاكرتها، لأنه لم تكن هناك مدارس أو تعليم في ذلك الوقت. اخترت هذا الموضوع للدراسة حيث تناولت القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

في تلك الفترة لم يكن التعليم حينها موجودا اللهم إلاّ في الكتاتيب، ولدى المُلا “رجل الدين”، فالرجل مثلا كان يمشي ببندقيته أو يركب على فرسه، بينما كان للمرأة دور خلاّق، وهو ما كانت تعبر عنه بالغناء، من خلال ما تسمعه من جدتها وأقاربها، حيث تروي ما بداخلها في كل لحظات حياتها، لكن هذا لا يحدث الآن، لأن وجود التلفزيون والإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة قضى على هذا الأمر، والمرأة الآن تردد ما تستمع له دون أن تبدع بنفسها.

رغم أن المطرب العراقي يعيش خارج بلاده منذ فترة إلاّ أنه فخور بقدرته على المحافظة على هويته الشرقية- العراقية، فلم تتأثر أغانيه بما صنعه الغرب في كثير من الفنانين العرب.

هذا التماسك الفني يرجعه سعدون إلى نشأته الدقيقة، فقد كانت أعماله الغنائية منذ بدايته مدروسة بعناية، وكان حريصا على اختيار معاني كلماته ولمن توجه، الأمر الذي جعلها تبقى في ذاكرة الناس حتى الآن، مشيرا إلى أن أغانيه “كانت تحمل بداخلها سر ديمومتها وعمرها الطويل، وهو ما جعل الشباب يحفظ أغانيه عن حق."

وحول تقييم الأغنية العربية حاليا، ومدى تأثرها بالتكنولوجيا الغربية في الموسيقى والتسجيلات، قال جابر: "إن الأغنية العربية أصبحت لا تبحث عن أذن بل عن رقص وحركة، وهو أمر لا بد من الانتباه إليه.   ويضيف: هناك العديد ممن يتغنون بكلمات نخجل أن نقولها لأنفسنا ولأولادنا، والأدب العربي كله في حالة انحدار، وهذا أمر مستهدف. "فالبترول ليس وحده هدف المحتل، إنما أيضاً الثقافة العربية في مجملها، عندما أخذوا من الأوطان كل شيء بقيت الثقافة، وعندما يصل المثقف إلى درجة من التفاهة في مختلف مجالات الفن والثقافة نقول إن المجتمع في خطر، وسلام على ذاك الزمان."

وتحدث المطرب الأصيل عن قدرته على مواصلته الغناء وسط هذه الأجواء العبثية فقال: هناك حكمة تقول إنك عندما لا تجد من يسمعك قل كلمتك وامض، وهذا ما أتبعه، أقول كلمتي وأذهب، ويستمعون لي وقتما يحبون، فأنا أغني ما أستشعره فقط، "والحمد لله إن وضعي في المجتمعات العربية أفضل مما كنت عليه في السابق رغم التعتيم الإعلامي، فما بالك إذا كنت مثلهم أظهر بشكل متكرر في الفضائيات،” وأضاف مازحا: “ربما وقتها أسكت كثيرا من المطربين العرب."

 

الأغنية الوطنية

الغناء للوطن من الأمور الهامة التي لازمت سعدون جابر، لكن ما يقدم على الساحة الغنائية حالياً في المناسبات الوطنية يحزنه، حيث يقول “عايشنا الثورة المصرية عام 1952 وأحداثها العظيمة مثل بناء السد العالي من خلال أغاني الراحل عبد الحليم حافظ، أما الذي أرخ للحرب العراقية الإيرانية فهو الفنان العراقي حتى هذه اللحظة، وعلى مدار أربعين عاما لا تزال أجمل أغانينا ما قدمناه للوطن، وكل ما قدمته من أغان حتى العاطفية منها يحمل روح الوطن وقدسيته، لكن للأسف لم أعد أسمع شيئا يفرحني الآن ممّا تغنى به المطربون الحاليون لأوطانهم رغم شهرة الكثير منهم.”

وتحدث جابر عن علاقته بالموسيقار المصري الراحل بليغ حمدي، وكيف قدم معه أربع أغان تعد من أشهر ما قدمه في تاريخه، وقال: كنت في أبو ظبي عام 1982، وفوجئت بأحد الأشخاص ينادي الراحل ويقول له “هذا سعدون جابر الذي تسأل عنه،” وبعد انتهاء حفلي تقابلنا، وقال لي إن أغنية “عيني عيني” كلما ذهبت إلى دولة أستمع لها، ثم اتفقنا أن نلتقي في الكويت بعدها بأشهر في بيت الملحق الثقافي العراقي.

ويواصل متذكرا: هناك ظللت أغني لأربع ساعات على العود وهو يستمع لي ولا ينطق بكلمة، بعدها قال لي: "لازم ألحن لك فهل تغني باللهجة المصرية، فقلت له أنا أغني كل الألوان، لكن ماذا لو أعطيتك شعرا عراقياً."  وأحضرت له بالفعل بعض النصوص للشاعر كريم العراقي، ثم طلب إلي أن آخذه إلى كربلاء، حيث مراسم العزاء الحسيني غرب الزناجير، لأنها تحمل معها موسيقى خاصة، ثم أخذ النصوص وذهب إلى القاهرة.

يختم جابر بقوله: بعدها بسبعة أشهر سجل موسيقاه، ثم جاء إلى العراق وقدمنا معا أغاني: “يا حبيبي”، “مشوارك حبيبي”، “أريدك” و”رحنا والله رحنا”، ولن أنسى أنه سجل الألحان على نفقته الخاصة، والحقيقة أن هذا الرجل أنبل وأكرم إنسان رأيته في عمري والشعب العربي خسره كثيرا.

 

المصدر: جريدة العرب القطرية