كندة حسن: الموسيقى عندنا كماليات وتحتاج إلى أماكن متخصّصة

. مقابلة

تنشر مجلة الموسيقى العربية الإلكترونية في ما يلي نص مقابلة مضى على إنجازها عقد كامل. والمجلة إذ تفعل هذا فهي ترمي إلى إطلاع قرائها على تجربة عاشتها مجموعة من الشباب الغيور على الموسيقى العربية في مطالع الألفية الثالثة.

المحرر

 

برزت مؤسسة «إيقاع» على الساحة الموسيقية العربية، وخصوصاً في بيروت، كمؤسسة إقليمية تكرس جهودها في شكل استراتيجي من أجل المساهمة في إيجاد وتشجيع وتنمية حركة موسيقية بديلة من موسيقى البوب السائدة في الأسواق العربية. وذلك عبر نقل موسيقى راقية إلى العالم، وتكوين حلقات الوصل المفقودة بين المشهد الموسيقي الجديد والجماهير العربية.  واختتمت «إيقاع» أخيراً ورشة عمل مخصّصة لموسيقيين من مختلف البلدان العربية بعنوان «لقاءات القاهرة»، والتي نظمت مثلها في آب (أغسطس) المنصرم، في بيروت وعمّان.  وأثبتت هذه الخطوة نجاحها في بيروت، في خلق مساحة تفاعل بين فنانين من لبنان ومصر والأردن، أي من البلدان التي تنشط فيها المؤسسة.

والتقى كل من فرقة «مشروع ليلى» اللبنانية (بوب وروك)، و«رسالة» المصرية، وفنان البوب الأردني عزيز مرقة، في ورشة عمل لثلاثة أيام. وقدّموا ما خلّفته الورشة من موسيقى في حفلات حيةّ في بيروت، بالتعاون مع المؤلفة الموسيقية جويل خوري وغيرها من الموسيقيين.  وبعد نجاح «لقاءات بيروت»، كان لنا هذا اللقاء مع مديرة «إيقاع» في لبنان الصبية العشرينية الفنانة كندة حسن.

 

ترويج الموسيقى الذكية

تشرح كندة أن «إيقاع» هي مبادرة أطلقها فريق من فنانين عرب يضم مزيجاً من الموسيقيين والمصورين الفوتوغرافيين، إضافة إلى فنانين تشكيليين ومخرجي أفلام.  مبدعون يطمحون لمشاهدة أعمالهم الفنية تبلغ ذروتها من حيث الانتشار والتأثير.  وتأسست «إيقاع» في حزيران (يونيو) عام 2007، لتعمل في إنتاج الموسيقى العربية البديلة وتوزيعها وإدارتها وترخيصها وتسويقها، إلى جانب تنظيم الفعاليات والمهرجانات. وتمارس المؤسّسة نشاطها الإقليمي من خلال مكاتبها في كلّ من عمّان وبيروت والقاهرة.

تفيد كندة بأن فكرة «إيقاع» الأساسية هي العمل على ترويج الموسيقى العربية الجديدة والذكية، على نطاق إقليمي وليس على نطاق محلي فقط.

أطلقت «إيقاع» حتى اليوم 16 ألبوماً موسيقياً بين إنتاج وتوزيع لفنانين فلسطينيين ولبنانيين وأردنيين. كما نظمت حفلات موسيقية في كل من القاهرة وعمان وبيروت لكل من المصري محمد عنتر، والأردني عزيز مرقة، واللبنانية جويل خوري. وتنتج «إيقاع» حالياً فيلماً قصيراً لغسان حلواني على موسيقى لتامر أبو غزال.

وحول ورشة العمل الأخيرة، تشير كندة إلى أن «لقاءات إيقاع» مشروع سنوي هدفه الجمع بين فنانين عرب والتنقل بهم بين المدن العربية، من خلال ورشة عمل مكثفة تهدف إلى الخروج بموسيقى جديدة تجمع بين أساليب هذه الفرق المختلفة وأنماطها في مزيج واحد، لتنطلق من خلاله جولة حفلات إقليمية تمر بكل من الأردن ولبنان ومصر.  وتتم الورشة تحت إشراف فني لموسيقي ذي خبرة مناسبة في التأليف والإخراج الفني.

انتهت «لقاءات بيروت» بين «مشروع ليلى» من لبنان، وفرقة «رسالة» من مصر وعزيز مرقة من الأردن. وتقول كندة إن الفِرق لها جمهورها المحلي الذي يحبها ويتابعها، وموسيقاها متقاربة من حيث المبدأ لكونها موسيقى تجمع بين الثقافتين الشرقية والغربية.  لكنها تشرح أن لكل من الفرق مزاجها الخاص بها، ففرقة «رسالة» أقرب إلى الفانك والروح الشعبي المصري، بينما يجمع عزيز مرقة ما بين الروك والجاز والموسيقى الشرقية في آن، باللكنة الأردنية. و«مشروع ليلى» فرقة شابة بدأت مسيرتها منذ عام تقريباً ونجحت في إيجاد نوع جديد من الأغنية اللبنانية في مزيج بين مدارس موسيقية غربية عدة. وتعتبر كندة أن الجمع بين هذه الفرق هو تجربة غنية، إذ أسفرت الورشة عن موسيقى جديدة صنعتها الفرق التي أكملت مسيرتها في عمان وفي القاهرة. إضافةً إلى «أهمية تعارف الموسيقيين وتعرّف الجمهور المحلي في كلّ مدينة على موسيقى البلاد المجاورة».

أما عن تفاعل الجمهور مع الحفلات والأعمال التي تصدرها «إيقاع»، في ظل شبه انعدام للثقافة الموسيقية الحقيقية في العالم العربي، فتصفه كندة من الناحية النظرية بالإيجابي جداً والمشجّع. و«لكن عملياً، ما زالت الثقافة في بلادنا في إطار الكماليات أو الزوائد، ومستوى المعيشة صعب جداً، والغالبية تبحث عن تأمين الحاجات الأساسية اليومية قبل التفكير في التثقيف».

وعن حال الموسيقى في لبنان، تعتقد كندة أنها في حال تطوّر لأننا نشهد حركة لبعض الفرق الموسيقية الشابة مثل فرقة «مشروع ليلى»، و «I Voice»، وفرقة «ربيع بيروت»، ويمنى سابا، وفادي طبال، وغيرها الكثير من الأسماء التي تحاول إيجاد هوية جديدة للموسيقى العربية. ولكنهم «على رغم طموحاتهم وجهودهم لن يذهبوا بعيداً، إن لم ينفتحوا على الموسيقى التي يُنتجها الفنانون العرب الآخرون»، تقول. وتضيف: «شخصياً أرى أن الفرق الموسيقية المحلية تصل في مرحلة ما إلى قمّتها، ثم تبدأ في مراحل لاحقة تكرّر نفسها للأسف، بعدما تحصل على الشهرة التي تريدها. وهذه هي حال غالبية الموسيقيين العرب المعروفين اليوم».

لكن ماذا ينقص هؤلاء الموسيقيين الموهوبين والذين يفقهون أبجدية الموسيقى الحقيقية، كي تُسمع أصواتهم وتنتشر أعمالهم في لبنان والخارج؟ وماذا ينقصنا في لبنان كي تكون لدينا صناعة موسيقى أو قطاع موسيقي ينتج ويربح ويسوّق ويصدّر موسيقى بكل ما للكلمة من معنى؟ «الترويج بكل بساطة»، تقول كندة. وتشير إلى أن دعم وسائل الإعلام مهم جداً، والترويج من خلال أفلام الفيديو والتوزيع المناسب للموسيقى حتى تصل إلى كل بيت، إضافة إلى تنظيم الحفلات بشكل دائم في مختلف البلاد العربية. هذا عدا عن الحاجة إلى الدعم المادي من الوزارات والمؤسسات والشركات الكبرى. وتشدّد على أن لبنان بحاجة ملحة إلى بناء أماكن متخصّصة لاستقبال حفلات موسيقية محترفة، حتى لا نجد أنفسنا نقيم الحفلات في المسارح غير المحترفة وعلى الطرقات.

 

«الصورة تبيع»

لماذا يشتهر الفنانون الأغبياء، في حين يبقى المبدعون منهم مهمّشين أو لا يجدون شركات تصدر لهم أعمالاً؟ «الجنس يبيع والصورة تبيع أكثر من الصوت»، تؤكد كندة. وتضيف: «نعيش في عصر الصورة وغريزة الجسد أقوى من العقل والذوق، والشركات الكبيرة تفهم ذلك جيداً وتستثمره لجني أرباح طائلة». وتظنّ كندة أن الشعب بدأ يملّ من صورة المرأة - الدمية المثيرة في شكل استفزازي، وبدأ فعلاً يبحث عن بديل لها.  وتعتقد أن عهد الـ «سيكس بومب» إلى زوال قريباً.

ظهرت في السنوات الأخيرة مؤسسات صغيرة كثيرة في لبنان (إنكونييتو، عِرب، فور ويرد...) تُعنى بالموسيقى البديلة، ولكن ما زالت جهودها ضئيلة ومتفرّقة في ظل وجود مؤسسات تجارية كبيرة بعيدة كل البعد من الموسيقى المبدعة.

- لماذا لا تتعاونون في ما بينكم لتؤسّسوا شركة كبيرة تفرض نفسها؟

تشير كندة إلى أن كل هذه المؤسسات لديها اختصاص معيّن تبرز فيه. فعلى سبيل المثال «عِرَب» تؤرشف الموسيقى العربية القديمة المهدّدة بالزوال، فهي تحاول إيجاد مكتبة موسيقية عربية مهمة. و«انكوغنيتو» تُنتج أعمالاً موسيقية لعرب ينطقون بلغات أجنبية وعربية، ولديها محل تجاري لبيع الأسطوانات والكتب والأفلام والأعمال الفنية المهمة.  أما «فورويرد» فتهتم بالموسيقى القريبة إلى جانب الكلاسيكية العربية. فكل يُساهم في إكمال الحركات الناقصة في المشهد الموسيقي ويهتمّ بالفن على طريقته. وتضيف: «أنا أؤمن بأننا لن نصل إلى مكان إن لم نعمل سوية. فلا يمكننا منافسة الشركات التجارية الكبرى التي كلنا مجموعين لا نساوي جزءاً منها، إن لم نواجهها معاً».

- ألا تعتقدين أن المشكلة الأساسية في انتشار الموسيقى الجدية والمبدعة تكمن في ثقافتنا الشعبية اليومية، وأنه لتأسيس مجتمع ذي حسّ وثقافة موسيقيين يجب البدء من المدارس أو مع الأطفال؟

«مئة في المائة، ومشروع موسيقى الأطفال بحثنا فيه مطوّلاً في «إيقاع».  ولكنه مشروع كبير جداً ويحتاج إلى دعم من وزارات التربية في البلاد العربية قبل كل شيء، إضافة إلى أشخاص مخضرمين لكتابة المناهج الموسيقية وأساتذة قادرين ولديهم إرادة قوية على تبنيه».  وتعتقد كندة أنه لا حاجة إلى منهج معقّد. كنقطة بداية، يكفي تثقيف الأطفال من خلال جلسات سماعية لموسيقى من أنحاء العالم، والارتقاء بأذواقهم الفنية وتعريفهم بالتأليف الموسيقي على اختلاف أنواعه.  وتؤكد أن «إيقاع» بدأت كتابة المشروع ولكنه لا يزال حبراً على ورق، وهناك «مناقشات في ما بيننا وبين بعض الموسيقيين الكبار العرب المستعدين لمشروع كهذا».

 

المصدر: جريدة الحياة اللبنانية