سميح شقير : الغناء الملتزم ركن مهم في الثقافة الإنسانية

. مقابلة

حاوره : محمود الخطيب

قد يكون الفنان والموسيقي السوري سميح شقير من القلائل الذين ما زالوا يتمسكون بفهم (أن الفن رسالة وطريق لا تسلية وابتذال) ، وهذا ما يتضح من خلال أعماله التي يقدمها تباعا. شقير الذي يكشف في حديثه لقراء (الدستور الثقافي) عن حال أغنيته ، وطموحه بأن يقدم مشروعه المتمثل بأداء أغان للأطفال ، وأن يصدر أسطوانتيه الجاهزتين ، أخذ على عاتقه منذ بداياته التي تعود للعام 1982 إيصال الضمير العربي إلى أنحاء العالم ، وتحفيز همم الشباب ، فهو المغني والمؤلف الموسيقي والشّاعر وصاحب "حناجركم" و "بيدي قيثارة" والذي أحيا العديد من الحفلات الموسيقية المؤثّرة على مدى 26 عاماً في كل من سوريا ، والأردن ، ولبنان ، وألمانيا ، وروسيا ، وأوكرانيا ، وبريطانيا ، وتونس ، والولايات المتحدة ، والعديد من الدول الأخرى. وأصدر العديد من المجموعات الشعرية ، والأعمال الغنائية للأطفال. كما شارك في مهرجان جرش للثقافة والفنون عام 2002 ، ومهرجان قرطاج في تونس1989 ، ومهرجان بصرى الشام في سوريا.

* أين وصلت بمشروعك الفني بعد مشوار امتد لأكثر من عشرين عاما ، ولماذا كل هذا الغياب؟

- دائما أشعر أنني ما زلت في البدايات ، وعلي تجاوز كل ما فعلته ، فانا أحمل في داخلي الكثير من الأفكار ، أطمح وأسعى لتحقيقها ، وبالتأكيد لدي الجديد ، فهنالك أسطوانتان غنائيتان بحالة الجاهزية يعيق صدورهما موانع إنتاجية ، ولكنني أتوقع صدور إحداهما على الأقل في القريب العاجل.

*كيف تختار مفردات أغانيك ، وأنت تعلم أن أن عليك محاورة انكسارات الشعوب المتلاحقة؟

 

- أنا أكتب أغلب اغنياتي ، وبالتالي انتقي الموضوع وأحاول أن أواكب نبض الشارع وأحاسيس الناس ، فلدي مخزون معرفي وثقافي وعاطفي أنهل منه لأنقل ما في داخل الناس من مشاعر غضب وسخط إلى أغنيات تلامس وجعهم.

*نجد في أغنياتك أنك مصر على تقديم الجديد والمغاير في كل تجربة ، هل تحاول الخروج من نمط التجارب السابقة حتى مع ذيوعها؟

- طبعا أنا حريص على التجاوز ، وعدم الركون إلى أغنية نجحت أو نالت التصفيق ، وما يهمني هو قناعتي بوجود تجاوز دائم يكمن في تجديد الروح وإشغال مساحة أوسع من المشاعر الإنسانية التي يجب متابعتها والتعبير عنها ، وحاليا أنا أعمل من هذه النقطة نتيجة الشعور بهذه المسؤولية.

*لك أغنيات ترصد فيها تحولات الإنسان ، وتصل حتى إلى احلامه ، ما ملامح الأغنية التي تعمل للوصول إليها؟

- بكل تأكيد ، يوما بعد يوم يظهر حجم المسؤولية الملقاة على هكذا أغاني ، ونحن نكشف عن معاني عميقة ومؤثرة عند الناس الذين يؤمنون بوعي سياسي أو ثقافي أو اجتماعي ، واليوم بعد مرور أكثر من عشرين عاما على انطلاقة هذه التجربة ، ووجود الكثير من متابعي هذه الأغنية ، أقول إن هناك من تغير مجرى حياته نتيجة صلته بهذا النوع من الفن وتفتح وعيه على الكثير من المعاني ، وكل هذا يعطي مسؤولية كبيرة ، وأذكر في البدايات كانت الأغنية تنطلق بشكل أسرع لأنها كانت متحررة من هذه المسؤولية.

*لك تجربة مع قصائد محمود درويش.. كيف تقيمها ، وما الذي أضافته لمسيرتك؟

- قصائد درويش نصوص شامخة ، وتجربتي فرصة لتعميم هذه النصوص عبر أجنحة الأغنية ، لأن الأغنية يمكن أن تساهم في نشر القصيدة على الألسن وتعمق دلالتها في وجدان عدد كبير من الناس ، والكل يعلم بأن المثقفين والمتابعين للشعر أقل من حجم الذين يتلقون الأغنية ، فالأغنية تستطيع أن تبيع نفسها. وأرى أنها فرصة للأغنية أن تتلاءم مع نص عال كنصوص درويش للمساهمة في نشر دلالات الحدث ، فقصائد درويش التي عملت عليها تلبستني وهي مكتوبة بطريقة انتقادي للحدث الذي تعبر عنه.

*باعتقادك ، هل للكلمة فعل وهل الأغنية تؤرخ للحدث؟

- أنا أثق بأن الأغنية هي أحد أركان الثقافة الإنسانية وتعبير مهم عن أعماق الإنسان ، وبالتالي فإن دورها أكيد وترتقي لحالة الفعل طالما أنها تؤسس لأفعال لاحقة ، ويتضح دوما أن الأغنية لها علاقة بالحدث ، فعمقها لا ينتهي طالما أنها تؤسس لحاله ثقافية وتشكل موقفا من الحياة ، فلذلك من الطبيعي أن تنعكس كسلوك على المتلقين.

*إلى أي درجة يرتقي التعبير الإنساني لمستوى الدم والمجزرة؟

- بكل تأكيد ، هذا التعبير هو المحاولة الأرقى عبر التاريخ للإفصاح عن الألم الإنساني الذي يتشابه في النهاية مهما اختلفت أسبابه ، وبالتأكيد يبقى الحدث "من لحم ودم" مصدرا أساسيا وله نكهته التي تتمنى الفنون أن تقاربها.

*ما الدور الذي يمكن أن تلعبه الأغنية الملتزمة في الوقت الذي تسيطر فيه أغنية السوق على ذائقة المستمع العربي؟

- الأغنية الملتزمة ذات مساحه واسعة للتعبير ، ومطروح عليها التحدي والاستمرار وسط كل هذا الانهيار للقيم داخل مجتمعاتنا بوجود السائد حاليا الذي يرتكز على (الاستهلال) الاستسهال أكثر ، فالأغنية الملتزمة تراهن على مستمعيها الذين يمكن أن يصفوها في الواجهة لمواجهة مد الأغنيات التي تخاطب الأرداف وليس العقول.

*ماذا عن عوامل نجاح الأغنية التي تقدمها ، هل تحتاج لنكبة أو نكسة مثلا لتنتشر؟

- هناك صلة حميمة بين اغنيتنا والأحداث الكبرى التي تمر بالمنطقة وتترك آثارها على نفوس القاطنين فيها ، فالأغنية الوطنية مساحتها واسعة وهي مساحة المشاعر العميقة ، وهذه الأغنية من مهمتها التعريف (عن) بنفسها وسط هذه الأحداث التي تشكل جزءا من اللوحة العامة للحياة ، والتي تعتبر أغنيتنا جزءا منها.

*لماذا لا نذكر الأغنية الوطنية إلا في الوقت الذي يفرض الوجع نفسه علينا؟

- نحن لا نستذكر إلا نموذجا معينا ، والإنسان الذي يخاطب حدثا معينا لا يتذكر أغنيتنا إلا بتوفر هذا الحدث والمناسبة التي يذكر فيها ، وللإعلام دور مهم في هذا الجانب فهو يركز على التجربة في وقتها ولا يتابعها.

*هل يفرض على أغنياتك نوع من موانع المرور ، أم انها سهلة الوصول لمن يطلبها؟

- أنا لا أسمح لأحد أن يفرض علي في أي لحظة ماذا سأغني أو كيف سأغني ، فأنا أنطلق من لحظة الحرية ، أما أن يمنع حفل أو امنع من التواصل مع الجمهور فهذا يكون بيد المسؤولين ، وأنا أتمتع بحرية كاملة فيما أكتب وأغني وأرفض من يملي علي ماذا افعل.

*هنالك العديد من التجارب المشابهة لنموذجكم ، كمارسيل خليفة وفرقة العاشقين وفرقة بلدنا ، هل أنت مطلع عليها؟

- أنا مطلع بشكل جيد على كل التجارب المشابهة التي تربطنا. ونحن نتقاطع في فهم دور الأغنية التي نقدمها ، أما إلى أين وصلنا.. فنحن آخر من نسأل ، فالجمهور هو من يقيم تجاربنا ونحن نقيس مدى الإقبال على الحفلات ، فهذا دليل على تقبل ما نقدم أو انحساره عنا.

 

المصدر: جريدة الدستور