حوار مع فوزي سعد الله: كيف غيرت الأندلس تاريخ الموسيقى في العالم

. مقابلة

يعود بنا الإعلامي والكاتب فوزي سعد الله من خلال هذا الحوار إلى قصور الأندلس التي أعطت البشرية فنانين كبارا غيَّروا مجرى تاريخ الموسيقى في العالم بأسره. يذكر لنا فوزي الذي بحث كثيرا في الموضوع أسماء و أسماء أماكن و تواريخ كانت كلها إرهاصات لما أصبح اليوم يسمى بالموسيقى العالمية. كما يبحر بنا نحو أبي الحسن علي بن نافع الشهير بـ: زرياب و ابن باجة و أمية عبد العزيز بن أبي الصلت الأندلسي  الذي أسس مدرسة للموسيقى في مدينة بجاية، و أَسْلَم بن عبد العزيز زوج حمدونة بنت زريابو يحيى الخدج المرسي الخ. في هذا الحوار يحدثنا الإعلامي والكاتب فوزي سعد الله  كذلك عن الموسيقى والنساء منهن غزلان، هنيدة، فلّة، مُتعة، قَمَر البغدادية.

  •  كيف ازدهر الغناء في الاندلس و بما تأثر؟

 ازدهار الغناء في الأندلس بدأ ترفا في قصور الأثرياء والأمراء والملوك ثم أدى النمو الاقتصادي والرخاء إلى دمقرطته ليدخل في الطقوس والتقاليد الشعبية في الديار والبساتين وأزقة قرطبة وإشبيلية وغرناطة وغيرها من الحواضر الأندلسية. وتعممت الظاهرة بالتالي إلى جميع الطبقات الشعبية حتى أصبح لا يكاد يوجد بيت من بيوت الأندلس لا يتوفر على آلة موسيقية وعازف أو شاعر ولا تُقام فيه سهرات السمر. في البداية، كان الغناء في الأندلس نسخةً طبق الأصل لما كان يغنيه فنانو دمشق وبغداد، وبشكل أكثر تميزا المدينة المنورة ومكة حيث كان من بين الفنانين والفنانات من يذهب لأداء مناسك الحج حاملا معه آلاته الموسيقية ومصطحبا جوقه مثلما فعلت الفنانة الكبيرة جميلة في العهد الأموي دون أن يرى الناس في ذلك عيبا.

ثم في مراحل لاحقة، دخلت الموسيقى والغناء في الأندلس في تفاعل وتلاقح طويليْ الأمد تمخضا عن غناء بهوية أندلسية بحتة هي حوصلة الخبرات الموسيقية العربية الحجازية والشامية والبغدادية والبربرية والزنجية والإسبانية المسيحية الكنسية – الغريغورية، وحتى الصّقْلبية (أي السّْلاَفِية) التي كانت تشمل المؤثرات البلقانية والجورجية وعددا من العناصر الموسيقية الأوروبية، لأن صفة الصقلية توسعت إلى بلدان أوروبية شرقية أخرى. كما يجب أن لا  ننسى وجود المؤثرات الفارسية في الغناء الأندلسي عبْر إشعاع المدرسة الموسيقية التي أسسها الفنان الكبير مؤنس البغدادي في القيروان برعاية عبيد الله الفاطمي الشيعي. كل هذا التنوع الثقافي – الموسيقي توفرت له الظروف المادية الملائمة بفضل الاستقرار السياسي والرخاء الاقتصادي الذي شَكِّل تدريجيا تقاسيم ما سيُعرف بالطرب الأندلسي الذي ما زالت أصداؤه تتردد في مجتمعات شمال إفريقيا بشكل خاص؛ من موريتانيا إلى ليبيا.

 من هم أشهر المطربين والملحنين؟ وهل أبدعوا في الموسيقى والغناء أم كانوا متأثرين بمستوى تطور الفن الغنائي في بغداد؟

الأندلس أعطت البشرية فنانين كبارا غيَّروا مجرى تاريخ الموسيقى في العالم بأسره، من بينهم أبو الحسن علي بن نافع الشهير بـ: زرياب (777م – ما بين 852م و857م)، ابن باجة (1095م – 1138م)، أمية عبد العزيز بن أبي الصلت الأندلسي (1067م – 1134م) الذي أسس مدرسة للموسيقى في مدينة بجاية، أَسْلَم بن عبد العزيز زوج حمدونة بنت زرياب، يحيى الخدج المرسي (القرن 12م)، أبو عامر بن الحَمَّارة الغرناطي، ابن جودي الذي كان ينظم الشعر إلى جانب احترافه الموسيقى، أبو الحسن بن الحاسب المُرْسِي الذي يقول عنه أحمد التيفاشي “وكل تلحين يُسمع بالأندلس والمغرب من شعر متأخر فهو من صنعته”، وأبو بكر الرّقوطي (القرن 13م) الذي كان يُعلِّم الموسيقى في مدينة مُرْسِيَّة… ومن النساء: غزلان، هنيدة، فلّة، مُتعة، قَمَر البغدادية، قَلَم البَاسْكِية المغنية الكبيرة والخطَّاطة اللامعة المُبدعة، وصُبْح البَاشْكَنْجِيَّة (أي البَاسْكِيَّة) المعروفة بصبيحة الأندلسية أو أُورُورَا(Aurora) والتي أصبحتْ سلطانةَ الحَكَم المُسْتنصِر بالله وأمّ هشام المُؤَيَّد بالله.

تلاحمت عند هؤلاء المطربين الأندلسيين الفنون الموسيقية بفنون الشعر والأنواع التي ابتكرتها مدرسة الأدب الأندلسي – المغاربي كالموشحات والأزجال. وكثيرا ما كان كبار الفنانين يلحنون أشعارهم التي ينظمونها بأنفسهم. وإذا اشتهر زرياب بوضعه أو إكماله بلورة نظام الغناء الأندلسي بنوباته الأربع والعشرين حسب عدد ساعات اليوم والمزاج النفسي البشري الخاص بكل ساعة، فإن ابن باجة نبغ في العزف والتلحين باستخدام آلة العود التي تُنسَب إضافةُ وترِها الخامس لزرياب مثلما يُنسَب له اختراع المضرب أو الريشة من قوادم النسر لتحل محل المضرب الخشبي. وبرع ابن باجة في لون جديد من الألحان يعتمد على المزج بين الموسيقى العربية السائدة في الأندلس والمغرب الإسلامي من جهة، وموسيقى الثقافات الأوروبية التي كان يستوحيها من الجاليات المسيحية الأندلسية ومما كان رائجا من موسيقى الأمم الأوروبية المجاورة. وسرعان ما تحولت هذه الموضة في التلحين إلى مدرسة قائمة بذاتها. وربما هذا من بين ما يفسر اليوم وجود مقامات موسيقية في فننا الموسيقي الذي يُعرف بـ : “العربي الأندلسي” لا وجود لها عند بقية العرب في المشرق والخليج، لكنها موجودة في بلدان أوروبية كآيرلندا.

  •  وما علاقة المألوف والحوزي بالحضارة الأندلسية في غرناطة واشبيلية وقرطبة وتلمسان؟

المالوف هو أسلوب الغناء العربي الأندلسي الذي كان سائدا في إشبيلية، غرب الأندلس، والتي اشتهرت كعاصمة للموسيقى الأندلسية مثلما كانت قرطبة عاصمة الإنتاج العلمي والأدبي المكتوب. الأسلوب الإشبيلي انتشر مبكرا في الجزائر وتونس وترسخ نهائيا وإلى اليوم في هذين البلدين، وحتى في ليبيا، خلال الحكم الحفصي الذي وَحَّد تونس والشرق الجزائر في دولة واحدة، واتَّسم بروابط ومبادلات قوية لبجاية وتونس مع إشبيلية. وقد كان أبو زكريا يحي الأمير الحفصي (1228م –1249م) قد أقام لسنوات في إشبيلية وارتبط بعلاقات وطيدة مع أهلها ونخبتها، وعندما تولى الحُكم الحفصي، في تونس وبجاية وقسنطينة، استقدم إليها الإشبيليين، وكانت الرحلات متبادلة بكثافة بين الإشبيليين والبجائيين آنذاك. وعندما سقطت إشبيلية بيد المسيحيين عام 1248م، هاجرت أعداد كبيرة من سكانها الذين كان من بينهم عرب وأمازيغ، جزائريون وتونسيون، إلى مدينة بجاية. 

فالمالوف الجزائري كان في بداياته، إذن، بجائيا قبل أن يصبح قسنطينيا ثم عنابيا وسكيكديا. بطبيعة الحال، المالوف الذي نعرفه اليوم يحمل مؤثرات محلية جزائرية تراكمت عبْر العصور من ارتجالات الفنانين المحليين وأيضا من اللمسات التركية التي دخلت عليه خلال الحقبة العثمانية من تاريخ البلاد من 1516م إلى 1830م، كالبشرافات والسماعيات.

هذا عن المالوف، أما الحوزي فهو نوع جديد أنجبه الغناء العربي الأندلسي في الجزائر بعد الرحيل عن الربوع الأندلسية، فروحه إيبيرية خالصة نابعة من إرث زرياب وابن باجة ومولده جزائري تلمساني، وتتضمن مكوِّناته جينات جزائرية عربية – بربرية واضحة المعالم. نشأ الحوزي وبرز ويفع في تلمسان ثم انتشر في باقي أرجاء البلاد، وهو ينتمي لموسيقى الأطراف الحضرية وليس المركز، أي لموسيقى الضواحي خارج الأسوار، كما يبدو من نسبته إلى الحوز أي الضاحية، لذا فإنه ليس حضريا خالصا بل يحمل في كنهه شيئا من الريف المحيط بتلمسان. ويقابل هذا النوع في مدينة الجزائر ما يُعرف بالعْرُوبِي.

 ما هي اهم الصفحات المجهولة من الغناء الاندلسي حسب اصدارك الاخير عن الغناء الاندلسي؟

 أهم ما بقينا نجهله ونهمله في موسيقانا أندلسية الجذور في الجزائر هو بعدها الأندلسي بالذات إلى الحد الذي يدفع اليوم ببعض الباحثين المحليين إلى إنكار الهوية الأندلسية لهذا الفن معتبرين إياه جزائريا خالصا وأن نَسَبَه الأندلسي مجرد خرافة. فغياب المفصل الرابط بين هذا الفن الموسيقي عندما كان في الأندلس ومرحلته الجزائرية بسبب تلاشي الذاكرة من جهة وانعدام البحوث حول هذه المسألة بالذات من جهة أخرى، يغري البعض بالاستنتاج بسهولة وبشكل مفرط في التبسيط ودون التدقيق والبحث في أغوار التاريخ بإنكار الهوية الأندلسية لهذا الفن. كما أن السياسة بدأت تجني عليه منذ بروز تيارات سياسية – إيديولوجية في الجزائر تعادي الانتماء للثقافة العربية وتدعو إلى إحلال القومية الأمازيغية محل القومية العربية.

ومن بين الصفحات المجهولة في تاريخ هذا الفن الأندلسيون الجزائريون ذاتهم المغيَّبون في البحوث والدراسات وحتى في الإعلام رغم أن حلولهم بالجزائر غيَّر مجرى تاريخ البلاد وهم اليوم موجودون بأعداد كبيرة موزعين على مختلف حواضر وأرياف البلاد. الغناء الأندلسي ارتبط قبل كل شيء بوجودهم على التراب الجزائري وبقوا لقرون من أبرز منتجيه والمبدعين فيه أشعارا وألحانا في المجالين الدنيوي والديني. أذكر منهم: بن سهلة الأب والابن، محمد بن مسايب، المفتي مصطفى بن الكبابطي، المفتي سيدي محمد بن الشاهد، المفتي سيدي ابن عمّار، الشيخ بريهمات المثقف والمفتي الذي تعلمت على يده الفنانة الكبيرة يامنة بنت الحاج المهدي أصول الغناء الأندلسي والقواعد الموسيقية والإيقاعية لهذا الفن…

وعندما نتحدث عن الأندلسيين يجب ألا نتصورهم بالضرورة عربا، لأن الأندلسي قد يكون عربيا أو أمازيغيا أو زنجيا أو صقلبيا قادما من البلقان وشرق أوروبا أو إسبانيا أو برتغاليا او إيطاليا او فرنسيا أو كل هذه الأعراق مجتمعة بسبب الاختلاط بين هذه الأعراق الانصهار العميق الذي وقع فيما بينها خلال قرون من العيش المشترك. فضلا عن الاختلاط والامتزاج الذي وقع أيضا بين ضفتي المتوسط بين الأندلسين بالمصاهرة التي لم تنحصر في الجزائر في مدن الشمال الساحلية بل بلغت حتى الواحات الجنوبية على غرار غرداية والمسيلة بشكل متميز وتقرت وبسكرة…إلخ. زيادة على ذلك لم تتوقف حركة التنقل بين ضفتي المتوسط في الاتجاهين إلى غاية طرد الموريسكيين من إسبانيا في بداية القرن 17م. فكانت عائلات أمازيغية تهاجر لسنوات أو على مدى أجيال إلى الأندلس ثم تعود إلى أحضان قبيلتها لظروف أو طوارئ مَا أو تتشتت بين الجزائر والأندلس. وكانت عائلات أندلسية تعيش التجارب ذاتها على الأرض الجزائرية وتتنقل منها أو إليها حسبما تقتضيه مصالحها.