خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الفنان سيمون شاهين: للموسيقى العربية مفهوم فلسفي يتمثل في الأبعاد اللحنية وتعقيداتها

. مقابلة

قبل سبعة عشر عاماً ونيف نشرت جريدة الحياة اللندنية الحوار المدرج أدناه مع الفنان سيمون شاهين.  وها هي مجلة الموسيقى العربية الالكترونية تعيده هنا لأهمية مضمونه.

 

"ليس من الضروري أن نتعلم الموسيقى الغربية ونتعرف خباياها لكي نفهم موسيقانا الشرقية". هكذا يبادرك الفنان الفلسطيني سيمون شاهين في معرض إجابته عن مدى تأثير دراسته للموسيقى الغربية في بلورة رؤيته الموسيقية وخصوصاً تلك المتعلقة بآلة العود.

 

يقيم سيمون شاهين في نيويورك وله حضور بارز في حركتها الموسيقية، وحصل على أرقى جوائز التقدير من مؤسساتها، وأبرزها جائزة من البيت الأبيض قدمتها له زوجة الرئيس الأميركي هيلاري كلينتون في العام 1994 عن دوره في نشر الثقافة الموسيقية العربية والإسهام في التفاعل مع موسيقات عالمية خرى.  ويرى شاهين أنه إذا توفرت الدراسة والفهم العميقين للموسيقى العربية، بشكل أمين، فلن تكون هناك حاجة إلى دراسة الموسيقى الغربية.

 

والفنان شاهين، أحد رواد النهضة الموسيقية الآلية الحديثة الذين ساهموا في نشر آلة العرب الأولى العود سواء من ناحية استيعاب المفهوم الموسيقي الشرقي أم من ناحية تقديم التقاسيم الشرقية. يقول: "التقاسيم هي الموسيقى الآلية الوحيدة في العالم العربي خلال فترة النهضة، وما عدا ذلك فهو أشكال موسيقية تركية". ويرى أن التقسيم عنصر أساسي، وكل موسيقي يتجنب هذه الحقيقة يكشف عن قلة معرفة وعدم قدرة.

 

والمراقب لتجربة الفنان شاهين خصوصاً في أعماله الأخيرة يلاحظ اهتمامه بالتقسيم وما ينجزه من إبداع وبراعة في حبك تقسيم ذي أجزاء عديدة يستحوذ على اهتمام المستمع ولا يبعث فيه الملل، كما انه لا يضطر إلى اللجوء إلى استعراضات فارغة تبهر المستمع العادي.

 

يتحدث شاهين عن بعض العناصر التي تسهم في تميز الموسيقى العربية وخصوصاً التقاسيم مثل عنصر الزخرفة في العزف، التي كانت خلال القرون الماضية أمراً طبيعياً في أوروبا وحاولوا وضع قواعد لها، لكن تم التنازل عنها لاعتقاد المؤلفين أنها تناقض مفهوم التطور.

 

وفي هذا الإطار، يستغرب شاهين فكرة الابتعاد عن التقاسيم ويرى أن الارتجال في الموسيقى العربية يعتمد أساساً على حس مرهف في العزف لا يصح تقييده بالكتابة، وذلك طبعاً إلى جانب الإمكانات التقنية للعازف والاستيعاب الكامل للغة الموسيقية، وكل ذلك يحتاج إلى الممارسة والالتزام والتطور المتدرج. 

 

وعن الاتجاهات الحديثة في التقسيم يقول شاهين: "هناك قفزة فجائية في ممارسة التقاسيم هويتها غير واضحة". ويعزو ذلك إلى عدم وضوح الرؤية في توجه الموسيقيين؛ وهو يرى وجوب الانطلاق من المرحلة التي انتهت إليها الأجيال السابقة ومواصلة التجربة والتطور فيها. ويعلق بأنه لا يجوز أن تكون هناك هوة تفقد صدقية تراث الارتجال، ويرى بأن أكثر الأمور التي تسبب ذلك هو التأثير الغربي على الموسيقى العربية خصوصا، وعلى المجتمعات العربية عموما؛ ويخلص إلى الاقتناع بوجوب الحزم والتمسك باستمرارية التطور من جذورنا الفكرية الداخلية والحرص على دقة "استيعاب الجوانب الإيجابية التي من الممكن أن تساعد على فهم جذورنا والتعامل مع هذه الجذور بدل استبدالها باستيراد نماذج وأفكار غربية".

 

وللفنان شاهين رأي في التجربة الموسيقية العربية قديمها وحديثها، وهو يقول: إن علاقة الراحل فريد الأطرش مع العود لم تكن علاقة العازف البارع، ويرى أن هذه تهمة شعبية، لكنه في الوقت نفسه لا ينكر أهمية فريد الأطرش في العزف والتأليف والغناء وما أحرزه من مكاسب وإنجازات موسيقية - غنائية ارتبطت بشخصه وأصبحت علامات فارقة في مسيرة الإبداع خلال العقود الماضية.  ويوضح شاهين رأيه بقوله: إن الأطرش من أهم الموسيقيين الذين برعوا في استعمال آلة العود مع الفرقة الموسيقية في تنفيذ أغانيه، وإن الذي يميزه ــ إضافة إلى ذلك الصوت المميز الجرس في عزفه ــ شخصية الآلة التي نسمع من ورائها فريد الأطرش.  فعندما تستمع لعزفه مع التخت الشرقي في أغانيه الأولى تلاحظ أن العود لم يكن مرافقاً حيادياً بل كان مرافقاً حيوياً ولامعاً.  ويرى شاهين أنه لولا هذا العود لما كانت النتيجة كما هو مطلوب، وهو ما يلغي الصوت المميز تماماً. وفي ذلك تميز فريد الأطرش ومعه قليل من العازفين أمثال محمد القصبجي، إلا أن كثيرين لم ينجحوا في إتقانها.

 

على صعيد آخر هناك موضوع أساسي وهو الحاجة إلى تغيير دوزان الآلات وخصوصاً العود حتى يتلاءم العزف مع طبقة المغني كما كان يحصل مع الفنان الكبير صباح فخري إذ يضطر عازف العود إلى تخفيض الدوزان درجتين وربما أكثر من ذلك.  يقول شاهين إن القضية تعود للملحن إذا كان يريد الغناء باعتماد طبقة معينة دون تغيير الدوزان، وهو يرى أن الملحن يريد من خلال ذلك التوصل إلى نواح مقصودة في التعبير، ويتوافق التلحين بالتالي ويتناسب مع صوت التعبير الذي نسمعه من الآلة.

 

أما إذا لم يكن الملحن يقصد تحديد الطبقة الموسيقية في العزف، فان الذي يحصل في مثل هذه الحالة أن تتجاوب الفرقة الموسيقية مع طبقة المغني، ما معناه إذا نشأت الحاجة لخفض طبقة المغني بدرجة، تخفض الآلات دوزانها بدرجة كاملة. وهكذا تبقى العلاقة بين العزف وعملية الانسجام والتطريب على حالها.  ومن مشاهير الذين تعاملوا مع الطبقات الصوتية السيدة أم كلثوم إذ أنها عندما غنت مقام البيات قدمته في بعض الأحيان على الطبقة الكاملة "الدوكاه" المتفق عليها عالمياً، وأحياناً أخرى تطلبت الظروف أن تغني المقام نفسه على طبقة أو اثنتين أقل ارتفاعاً - حفاظا على حال الانسجام والنشوة في العزف.  وكانت تطلب إلى الفرقة خفض الدوزان ليبقى عنصر الطرب في حس العازف وأصابعه.  ويضيف شاهين بأن غالبية كبار المؤلفين الموسيقيين الذين كتبوا لآلة الكمان، على سبيل المثال، وضعوا غالبية ألحانهم على درجات مألوفة رنانة توضح صوت الآلة بأبعاده وتردداته الكثيرة.

 

وعن محدودية تقنية العزف يقول سيمون شاهين: "إن موضوع قضية مواضع العزف يتعلق بالجانب الأول، ويختلف عنه في الوقت نفسه إذ أنه يعتمد على نقطتين بسيطتين: الأولى، علمية، وهي دراسة هذه المواضع وتطبيقها في العزف. والثانية: تعتمد على تجاوب الآلة مع العازف، ومن ذلك إمكانات الآلة في إخراج الصوت، والانسجام مع حركة الأصابع في العزف، وقلما نجد صانع الآلات يتنبه لهذه النقطة، فنلاحظ أن جودة الأعواد معظمها ضعيف، والصانع لا يدرك هذه النقطة الحساسة. ويضيف: "إن تطور صناعة الآلة وتكاملها في الصوت، وتطور أساليب العزف تهيئ الجو لتوسيع دائرة الابتكار وإمكانات التعبير على الآلة الموسيقية وتقنياتها". ومن بين المواضيع المثيرة للجدل كان وما زال موضوع الأبعاد النغمية، وهو موضوع نقاش تفجَّرَ ولمْ ينْتَهِ بعد تبني مؤتمر الموسيقى العربية الأول، الذي عقد في القاهرة عام 1932، فكرةَ تقسيم السلم الموسيقي العربي إلى 24 ربعاً تيمناً بتقسيم السلم الغربي الذي يتألف من البعد الكامل ونصف البعد، إذ أنه يشتمل على 12 بعداً. ويرى الحريصون على خصوصية الموسيقى العربية أن ذلك ينتقص من الثراء النغمي الذي يتشكل منه المقام العربي إذ أن الأبعاد غير ثابتة وتختلف بين نغمة وأخرى.

 

ويتفق شاهين مع الرأي الأخير ويعلن موقفه على الصعيدين العملي والنظري معتمداً على إمكاناته التقنية، واطلاعه على الموسيقى الغربية واستغراقه في الموسيقى الشرقية. يقول: "هناك شعور بالابتعاد عن المقامات الموسيقية التي هي لب الحس الموسيقي العربي؛ والأسوأ من ذلك أن المقام نفسه ــ وهو أساس الموسيقى العربية ــ يصار إلى التعامل معه كتركيب جامد لا يتغير بأصواته، وبالتالي تفقد الأذن العربية المستمعة الشفافية والقدرة على التمييز والتدقيق في التفاصيل.  فإلى جانب استبدال الآلات العربية بآلات كهربائية جامدة نلاحظ أن العازف على الناي والعود والقانون يتجاوب مع الأصوات التي تحددها ضوابط تقنية لا تميز بين تفاصيل المقام العربي بما فيه علاقة الأصوات بعضها بعضاً.  "وفي ذلك أقول: إن تجربتي لسماع فرق عربية غنائية وآلية في أقطار عربية مختلفة تحملني على القول بأنها فقدت تفاصيل النغمات الموسيقية العربية وعلاقة الأصوات ببعضها، المتغيرة تبعاً للمقام الموسيقي وبالتالي تلاشت عناصر التعبير والطرب والانسجام السمعي".  لكن برز عدد من الفنانين الرواد مثل فريد الأطرش، ورياض السنباطي ومحمد عبد الوهاب وغيرهم استعانوا بآلات غربية في تنفيذ أعمالهم من دون أن تؤثر هذه الآلات على الانسجام السمعي.

 

يقول شاهين: "محمد عبد الوهاب كمغن وملحن كانت لديه البديهة والوعي لعلاقات المسافات الموسيقية في إطار مقام ما، أو مقامات مجملة. وكان طبيعياً بالتالي أن يحافظ في غنائه على العلاقة الصحيحة والحساسة بشكل عفوي وطبيعي. وعندما استعمل محمد عبد الوهاب الغيتار في إغنية إنت عمري لم تلغ هذه الآلة تقليداً تاريخياً يتمثل في السيدة أم كلثوم والعازفين الأساسيين مثل محمد القصبجي والحفناوي وعبده صالح وسيد سالم.  لم تلغ عبقرية هؤلاء الموسيقيين في تعاملهم الصحيح مع المسافات الصوتية في إطار المقام، إنما كانت بدعة المراد منها أمور أخرى".

 

وعن غزو الآلات الغربية ذات الأبعاد المحددة، ومسايرة الحركة الموسيقية لنمطية تسهم ممارستها في ترسيخ صيغة واحدة عند المستمعين العرب الذين سيعتادون مع مرور الوقت أصواتاً محددة، يقول شاهين: "يتجلى الخطر القائم حالياً في أنه خلال ربع القرن الأخير نما جيل جديد من الملحنين والمغنين والعازفين الذين ساهموا في تكثيف التقنية الغربية، وذلك باستعمال آلات كهربائية وألكترونية، ومع الوقت تمَّ التخلص من الآلات العربية، فأصبح هنا تحديد للأصوات العربية، أو المسافات الصوتية العربية في إطار المقام، وهذا التحديد فرضته هذه الآلات. وبالتالي فان العازفين العرب على الآلات الشرقية طوروا أصواتاً تنسجم مع ما فرضته هذه الآلات، والأذن العربية بشكل غير مباشر أصبحت تستمع لمفهوم الأصوات كما تفرض وتعودت عليها".

 

شارك سيمون شاهين في مسابقة العازفين الشبان على آلة الكمان عند قدومه إلى نيويورك، وكان ذلك في قاعة كارنيغي في العام 1984 وأحرز المركز الأول. يقول: "أحسست أنني على مفترق طرق وكان عليَّ أن أتخذ القرار. هل أوظف إمكاناتي التقنية والفنية للعمل في الحقل الكلاسيكي أو الاستمرار والتركيز في العمل بالموسيقى العربية. وكان قراري العمل في الموسيقى العربية ناتجاً عن تعلقي بها لأنني تربيت عليها.  ومن ناحية أخرى يتيح لي هذا المجال فرصة التأليف الى جانب العزف بينما في الموسيقى الغربية سأكون عازفاً بارعاً فقط.  إلى ذلك لدي التزام اجتماعي - إنساني من الصعب التغاضي عنه".

 

وعن إمكان التوليف بين المجالين العربي والغربي يقول: "إن موضوع التوفيق بين المجالين صعب جداً حيث أن أي اختيار بحاجة إلى تركيز كامل".

 

مع ذلك نجح في التفرغ لبعض الوقت للعمل في الموسيقى الكلاسيكية الغربية، ليس من أجل العرض، كما قال، وإنما من أجل توضيح علاقة معينة بين الموسيقى الغربية والعربية. يقول: "على سبيل المثال أخذت مؤلفين لديهم قواسم مشتركة، هؤلاء الذين تأثروا بموسيقى الشرق - العربية أو التركية مثل بارتوك وديبوسي ورخمانينوف ورافيل وخصوصاً الذين كتبوا لآلة الكمان، ووجدت أنهم تأثروا بعاملين:  أولا: المفهوم الفلسفي الذي تفرضه الموسيقى العربية، ويتمثل في الأبعاد اللحنية وتعقيداتها. وثانياً: تأثروا بالإيقاع في الموسيقى العربية. ومن ثم لم يستعملوا موسيقى العرب مثل غيرهم من الموسيقيين بأن نهبوها وسخروها بشكل أناني وتناسوا المصدر بل على العكس فقد أوضحوا هوية الموسيقى الشرقية بشكل أمين وأعلنوا عن مدى تأثير الموسيقى العربية فيهم، مثل أعمال لـ"بيلَّا بارتوك وديبوسي، وقدم الأخير سوناتا للكمان وللبيانو يتضح فيها الأثر الشرقي.

 

يقول شاهين: "تعاملت مع هذه الأشياء في عدة عروض حين قدمت كل عرض من جزأين، الأول موسيقى كلاسيكية متأثرة بالمفهوم والحس العربيين، والجزء الثاني مختارات من الموسيقى العربية توضح العلاقة ومصدر الاشتقاق".

 

ويرى شاهين أن الثقافة العربية المعاصرة ترفض أي فنان يأتي من تقاليد غير عربية ويتحدث بهذه الصراحة والوضوح، غير أنه استطاع اختراق الحاجز النفسي هذا باستعراض قدراته كموسيقي غربي يفرض عليهم الاستماع له. يقول: "عندما أقدم محاضرات في معهد جوليارد الموسيقي أو جامعة هارفرد فهم يستمعون لكلامي بحذر وتنبه شديدين لأنهم يعلمون صدقيتي وقوتي في المجالين وبذلك لا يستطيعون مواجهتي".  ويذكر أن الفنان شاهين قدم وما زال يقدم عروضاً موسيقية في أشهر القاعات الموسيقية الغربية وله خمس اسطوانات من نوع كومباكت ديسك يكشف فيها عن شخصيته وانتماءاته الموسيقية وأولاها: "تراث" وهي عبارة عن مجموعة من القطع الموسيقية الشرقية الكلاسيكية لأهم المؤلفين العرب والأتراك العثمانيين، وتشمل أيضاً قطعتين حديثتين من الأجواء الكلاسيكية واحدة من تأليف اللبناني الأصل جهاد راسي، والثانية من تأليف سيمون شاهين نفسه، وهما من نوع السماعي. وفي أسطوانة آخرى حملت اسم الفنان الراحل محمد عبد الوهاب يقدم شاهين مجموعة من أغنيات ومعزوفات بأسلوب شرقي بحت غاية في الدقة والانسجام الصوتي، وفيه أيضاً يقدم اجتهاداً توزيعياً في جزء من أغنية "من غير ليه" بتصرف يكشف عن أبعاد جديدة لعبد الوهاب.  وفي أسطوانتين احداهما مع الدكتور جهاد راسي، والآخرى مع الفنان الهندي فيتوا موهان يركز شاهين على التقسيم الشرقي ضمن حدوده التقليدية العربية، وفي محاكاته وتآلفه مع غيره كما في ارتجالاته في أسطوانة "سلطنة" مع الفنان الهندي فيشوا.  أضف إلى ذلك، قطعتان حملتا أجواء الشرق ضمهما المنتج الموسيقي العالمي بيل لازويل أسطوانة أصدرها سنة 1994 بعنوان "محرك الهلوسة".

 

والفنان شاهين لم يكف عن الخروج بمؤلفات شرقية حديثة يكشف فيها عن إمكاناته في التوزيع والارتجال والعزف المتقن ضمن المفهوم الشرقي الذي هو احد أركانه الاساسية.

 

المصدر : جريدة الحياة اللندنية