خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

حوار شيّق مع المؤلف الموسيقي عاصم مكارم

. مقابلة

ميلاد باهي

 

عندما تتآلف تلك المعاني الإنسانية السامية مع الموسيقى التي هي ذروة النتاج الفكري والحسّي، وتتجانس الأصوات بنسبها المختلفة مع فلسفة الوجود بما فيها قوانين الفيزياء، فسندرك أن هناك انطباعات جديدة مغايرة لتلك التي خبرناها للوهلة الأولى لكل ما كنا قد قرأناه وسمعناه سابقاً من الكلمات والموسيقى .. حيث ستستوقفنا كل نوتة موسيقية لتضيف سحراً خاصاً وكذلك كل كلمة ..

إنه المؤلف الموسيقي السوري عاصم مكارم، مبدع مقطوعات مجموعته الموسيقية (ألوان) التي خرجت قريباً من زحمة الضجيج إلى النور، حيث يسرنا أن نستضيفه في هذا الحوار الموسيقي.

* البداية الفنية كانت العزف على آلة الأكورديون، كيف استطعت أن تتميز كعازف لهذه الآلة رغم أنه ما كان يوجد صف أكاديمي وأستاذ مختص بها في المعهد العالي للموسيقى أسوة بباقي صفوف الآلات الموسيقية الموجودة في المعهد؟

- كان الأكورديون المدخل لعالم الموسيقى في فترة مبكرة من طفولتي، في البداية كان مجرد لعبة تعلقت بها في عمر 6 سنوات ومن ثم بدأت لوحدي محاولة عزف بعض الألحان الشائعة كالأغاني وغيرها في ذلك الوقت ولم أتلق أي دروس في الموسيقى إلا بعد مرور سنتين كنت خلالها قد أتقنت عزف جمل موسيقية معقدة نوعاً ما اعتماداً على السمع فقط و تلك الدروس كانت مجرد مبادئ نظرية ولم تتعلق بالآلة بشكل مباشر. ونظراً لعدم وجود أساتذة مختصين بالآلة – حتى الوقت الراهن – انتقلت إلى آلة البيانو حيث المناهج واضحة والأساتذة مختصون، أنا الآن أدرك أهمية تلك المرحلة لأنني – ومن باب الصدفة والتجربة – طورت نفسي بمواد مهمة جداً كتدريب الأذن وأيضاً كان الأكورديون يحتوي على "أرباع الصوت" ما مكنني من عزف الموسيقى الشرقية وتذوقها بالإضافة للموسيقى الغربية في وقت مبكر .

* من يستمع لموسيقاك يجد أن الطابع التصويري يغلب عليها، أي أن كل مقطوعة موسيقية تحاكي في محتواها ونسيجها الموسيقي العنوان الخاص بها، هل تستحضر عنوانا معينا وتكتب له الموسيقى بما تجد أنه يناسبه أم أنك تؤلف الموسيقى وتطلق عليها الاسم بعد مقاربتها لحالة إنسانية ما بما يناسب الخطوط العريضة البارزة في العمل الموسيقي؟

- غالباً ما أفكر في المحتوى الفكري والإنساني قبل البدء بكتابة عمل ما وأحياناً يتأخر التحديد الدقيق لهذا المحتوى لما بعد الجُمل الأولى في العمل، ومن ثم يصبح العمل مزيجاً من الأدوات الفنية والفكرية معاً التي تتجه نحو هدف واضح، وأرى أن لصق عنوان ما بعمل موسيقي غير مُعّرف يُفقده المصداقية والحامل المعرفي الذي يميز الموسيقى الجادة عن غيرها، ومن يمارس هذه الطريقة أعتقد بأنه أقرب ما يكون لسياسي بارع منه إلى مؤلف موسيقي لأنه يطّوع الحالة المعرفية – كعنوان فقط – لتتناسب مع اللحظة الراهنة. واللافت للنظر هنا أن معظم المثقفين العرب يمارسون إسقاط معاني كبيرة على مادة موسيقية ضحلة وسبب ذلك أن معظمهم يمتلك ثقافة أدبية وسياسية وفلسفية... الخ وقدرا ضئيلا من الثقافة الموسيقية.

* تحتوي مجموعتك الموسيقية (ألوان) على العديد من الأنماط الموسيقية المختلفة رغم اشتراكها فيما بينها بلمسة فنية خاصة بـ عاصم مكارم، لكن ما هي المعايير التي تعتمد عليها في انتقاء الأدوات الموسيقية (الآلات الموسيقية - الإيقاعات - السلالم الموسيقية – الأساليب التعبيرية - الأداء ..) لتوظيفها في تجسيد أفكارك التي تتخذ شكلها النهائي كموسيقى؟

- استعملت تشكيلين أساسيين في هذه المجموعة، الأول أوركسترا كلاسيكية أضفت عليها بعض الآلات العربية والآلات الالكترونية، والثاني توليفة خاصة تغيب فيها الكتلة الصوتية الكبيرة للأوركسترا على حساب حضور كل من آلات البيانو والغيتار والكلارينيت والتشيلو ومجموعة الآلات النحاسية، ووضعت التشكيلين في خدمة أنماط متنوعة.  أما بخصوص اللمسة المشتركة أو البصمة الخاصة التي ميزت جميع الأعمال فهي عفوية بامتياز وأعتقد أنها نتيجة طبيعية لكونها صادرة عن نفس الشخص ونفس منطق التفكير حيث تعاملت بحرّية مُطلقة مع كل الأنماط ليس فقط من منطلق موسيقي بل من قناعتي بأني وريث لكل النتاج الإنساني من ثقافة وفن دون التزمّت لنمط موسيقى معين. وأيضاً انطلاقاً من قناعتي أن الفنون هي الشيء الوحيد المتبقي الذي لا يختص بمجتمع بعينه بل هو نتاج إنساني عام، لذلك لم أبذل أي جهد لأتقمص أي نمط لأني ببساطة اعتبره جزءا من الموروث الخاص بي.

* "أغنية بلا كلمات" هي إحدى المقطوعات في الألبوم الموسيقي الذي أصدرته وبالفعل تتسم ملامحها الموسيقية بـ (الغنائية)، ما السبب في أنك لم توّظف فيها الصوت البشري مطلقاً؟  وكذلك الأمر في باقي محتوى الألبوم، هل تعتقد أن الكلمات المرافقة للحن الموسيقي (الأغنية مثلاً) تُحجّم الخيال حيث تفرض عليه تصوراً ضيّقاً تحدده معاني الكلمات؟

- أعتقد بأنه حيث تنتهي الكلمات تبدأ الموسيقى، هناك مشاعر تصفها الكلمات وهناك طيف واسع ما بين تلك المشاعر تصفه الموسيقى، أحب قالب الأغنية الموسيقي فهو بسيط وممتع وغالباً ما يفسد المُغني والنص تلك المتعة، وأيضاً لدينا مشكلة التطريب والمطرب في الغناء العربي الذي لا يعتبر نفسه جزءًا من الموسيقى بل يعتبر نفسه فوقها حيث يُفسد بطريقته الاستعراضية غالباً طبيعة اللحن. أفكر بتوظيف الأصوات البشرية بطريقة مدروسة وفي هذه الحالة سأستعين بمغنين أكاديميين لديهم ذوق موسيقي رفيع ويجيدون العمل كفريق ويعملون لمصلحة الصورة الكاملة دون اجتزاء ذواتهم، لدي مشروعان قادمان يتضمنان الغناء وأنا الآن بمرحلة البحث عن النصوص والعناصر المناسبة.

*  بالإضافة إلى كونك مؤلفا موسيقيا، أنت عازف بيانو أيضاً، كيف ساعد ذلك في دخولك عالم التأليف الموسيقي؟ وهل أن الآلة الهارمونية (متعددة الأصوات) هي الأكفأ للدخول من خلالها عالم التأليف الموسيقي؟

- ذلك صحيح، دون شك البيانو هو الأكفأ ولذلك تجد في كل من الأكاديميات الموسيقية حول العالم مادة إجبارية لجميع الطلاب وهي - بيانو عام - ليس فقط من أجل التأليف أو التوزيع إنما لفهم مُجمل المواد النظرية وتطبيقاتها العملية، وهناك عدد قليل يستعمل الغيتار لكونه أيضا آلة بولوفونية ولكن تبقى آلة البيانو أكثر وضوحاً لهذا الغرض.

*  يُقال إن عنصر التوزيع الموسيقي او الأوركسترالي هو خلق جديد لحالة اللحن الأساسي بشكله الخام الميلودي، برأيك إلى أي حد قد يُخفي التوزيع الموسيقي عيوب اللحن إذا ما كان فقيراً من حيث الموسيقى قياساً بالتوزيع الموسيقي الذي قد يطغى عليه بغناه الهارموني؟

- الفصل بين التأليف والتوزيع هو فصل وهمي وهو غير موجود كمصطلح إلا في الموسيقى العربية وذلك لأن ما يسمى لدينا بالملحن غالباً ما يفتقر للإلمام بالعلوم الموسيقية كالهارموني والكونتربوانت ..الخ ويعتمد فقط على "التيما" أو الجملة الأفقية، لذلك يستعين بشخص آخر ليكمل الصورة وفق رؤيته الخاصة عبر التوزيع. أما الحالة الطبيعية فهي حالة التفكير العمودي باللحن أي أن التأليف والتوزيع واللون الصوتي والديناميك (اساليب الأداء) تأتي معاً. هناك حالة خاصة يمكن أن نفكر فيها بطبيعة اللحن بشكل أفقي ومن ثم نضيف عنصر التوزيع وتلك الحالة عندما يكون المؤلَّف ذا صبغة مقامية ويعتمد على غٍنى اللحن الأساسي وفي أغلب الأحيان يحتوي على "ربع الصوت الشرقي" مما يعيق أسلوب التفكير العمودي الكلاسيكي، ومع ذلك لا بد من وجود تصور أولي للتوزيع يؤثر على سياق الجُمل الأفقية.

* عندما تقوم بالتوزيع الموسيقي لعمل ما، هل تستثمر فقط في المساحات الصوتية المتوافقة سمعياً لكل من الآلات الموسيقية في ما بينها التي اخترتها لأداء أعمالك؟ أم أن فكرة العمل هي التي تفرض أسلوبا معيّنا للتعامل معها تُطوِّع من خلالها الآلة ومساحتها الصوتية بما يتناسب مع الغرض؟

- أحاول دائماً البحث عن لون صوتي جديد أو خاص يتوافق مع الفكرة وأحب أن أذهب بعيداً في ذلك ولكن الأمر معقد لأني حريص دوماً على أن يكون ابتكار هذا اللون واقعيا ومنطقيا مع إمكانية أدائه على خشبة المسرح، فإذا افترضنا مثلاً أن يقوم عازف آلة الترومبيت بالعزف في منطقة الأوكتاف المرتفع (المساحة الصوتية العليا) مع عازف آلة الفلوت الذي بدوره سيعزف في منطقة الأوكتاف المنخفض (المساحة الصوتية الدنيا) ومن ثم طلبت إلى عازف الترومبيت أن يعزف pأي بكمية صوت منخفض الشدة (ليّن) وطلبت إلى الفلوت أن يعزف fأي بكمية صوت مرتفع الشدة(شديد)، فبهذه الحالة سأكون قد خرجت عن السياق المنطقي للأصوات وسأضطر عندها لموازنة الصوت ككل عن طريق تقنيات الاستوديو، وذلك يعني أن هذا اللون الصوتي وهمي وليس حقيقيا ولا يمكن أداؤه على المسرح،  لذلك ألجأ دائماً إلى التجديد في سياق منطقي كوني لا أقدم موسيقى الكترونية وبأقل قدر من استعمال المعالجة الصوتية .

*  إلى من يستمع عاصم مكارم من الموسيقيين القدامى أو الجدد، وما هو اللون المفضل لديه؟

- لدي مزاج متقلب بشكل حاد، أحياناً استمع للموسيقى اللاتينية طوال الوقت وعلى مدار عدة أيام ومن ثم للكلاسيك الغربي ليل نهار مرورا بموسيقى الجاز والموسيقى المعاصرة والشرقية وموسيقى الشعوب .. الخ وفي كل مرة أغوص عميقاً في النمط الذي أستمع له بحيث أمرّ على أعمال معظم المؤلفين الذين كتبوا فيه، تعجبني الفترة الواقعة بين أواخر الكلاسيك وبدايات القرن العشرين وفيها مؤلفون مثل: جورج غيرشوين (George Gershwin) وإيجور سترافينسكي (Igor Stravomsky).

* كيف نرتقي بالذوق الموسيقي للفرد حتى يستطيع أن يتذوق جميع أصناف الموسيقى بما فيها المتنافرة أو الموسيقى المعاصرة؟

- هذا يتطلب الكثير من العمل لأن الموسيقى جزء من منظومة ثقافية متكاملة ودائماً تأتي في المؤخرة كحالة معرفية، نظرياً نستطيع أن نرتقي بالذوق الموسيقي عندما نرتقي بكل ما يسبقها من أولويات اقتصادية واجتماعية وثقافية وما عدا ذلك سيبقى تذوق الموسيقى الجادة حالة نخبوية تعتمد على المعرفة، ورغم ذلك يمكن كسب شريحة أوسع إذا قدمنا أعمالا جادة ممزوجة بحالة من المتعة والترفيه لتكون الطُعم الذي نجتذب الجمهور من خلاله إلى ذائقة أكثر تطوراً وهذا ما أعمدته في عملي.

*  ظهرت في الآونة الأخيرة الكثير من التجارب الهامة في الموسيقى الشرقية مقدَّمةً بحلة جديدة، حيث يراها البعض تشويهاً والبعض الآخر يراها تجديداً، هل من ثوابت واضحة لمفهوم التجديد والتشويه في الموسيقى الشرقية في هذا الوقت الذي بات فيه المتلقي اليوم يقبل نسبياً ما كان يستهجنه في الأمس من جهة، والواقع الذي يشهد غزارة هائلة من النتاج الفني في أنحاء العالم ككل من جهة أخرى؟

- إلى الآن لا يوجد أي ثابت أو قاعدة أو حتى معيار واضح، توجد تجارب جيدة وواعدة ولكنها فردية ولم تصبح اتجاهاً بعد، ربما سبب ذلك كثرة الحالات الشاذة في الموسيقى الشرقية وكثرة المعطيات التي يسببها التغيّر في " الكومة الصوتية" (أجزاء البعد الصوتي الواحد) مما يشكل تحدياً أمام صياغة منهج وبنفس الوقت يفتح باب التجريب على مصراعيه.  معظم حالات التجديد الموسيقي السائدة تتخذ الشكل العمودي في اللحن أي إدخال عنصر الهارموني على الجملة الشرقية ولكن على صعيد القوالب لم نشهد أي تجديد يُذكر بحيث أن معظم المؤلفين يكتبون أعمالاً جديدةً ولكن بقوالب تقليدية وقديمة، أعتقد بأن الوقت قد حان لتغيير ذلك وخاصة أن جمهور الموسيقى في تزايد مستمر وأصبحت لدينا كفاءات موسيقية مدركة لحركة تطور الفنون حول العالم وتسعى لتحقيق حضورها انطلاقاً من الموسيقى المحلية، هذه المعطيات تدعو للتفاؤل ويجب تشجيع تجارب كهذه ولا نحكم عليها من منظور التشويه لأن منطق أي حركة متجهة للأمام وهي في سياق تطورها الطبيعي ربما تتعثر أحياناً، لذلك علينا أن نصوبها عبر النقد الموضوعي لتتطور وتثمر.

*  وأخيراً، هل يمكن للموسيقى أن تُغيّر الواقع؟ ما الرسالة التي يسعى عاصم مكارم إلى إيصالها من خلال الموسيقى، وأين يجد ذاته؟ عازف، مؤلف موسيقي، أستاذ للموسيقى .. وما هي أحلامه وطموحاته للمستقبل؟

- في الحقيقة لا يمكن للموسيقى أن تغير شيئا في هذا العالم البائس المحكوم بلغة أبعد ما تكون عن الموسيقى وهي لغة القوة والمصالح، ولكنها قد تنجح في إعطائنا فسحة ولو بسيطة من الوهم – ليس الأمل - بل الوهم الجميل وما أحوجنا لأن نتكئ على شيء نستحضر من خلاله ما تبقى من عالمنا الداخلي الجميل، وإذا كان من رسالة لم تعد رسالة سلام بعد الآن لأن القوى المتحكمة في هذا العالم القبيح لم يحركها كل هذا القهر والمعاناة الإنسانية فكيف للموسيقى أن تحركها !! قد تكون الرسالة الأكثر واقعية هي دعوة لاقتطاع بعض الفرح والمتعة من هذه الصورة المظلمة وجعلها أقل سوءا من خلال "المتعة - العبث - الفرح - اللامبالاة - الوهم - أياً يكن" ففي النهاية قد تحمل الفنون رسائل ولكن تبقى وظيفتها الأساسية هي إمتاع الناس، وإذا كان الأمر عبارة عن رسالة مجردة عندها نستطيع أن نستغني عن الموسيقى ونقول رسالتنا مباشرةً، أحلم بأشياء كثيرة ولدي طموحات عريضة قد أحقق بعضها مع الزمن ولكن في الوقت الراهن حلمي الوحيد أن أعيش بسلام داخلي وخارجي وأعتقد أن هذا حلم جميع أبناء وطني.

المصدر : منظمة صوت العقل.