خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الباحث الموسيقي وضاح الباشا: طغيان الموسيقى الغربية يفقد موسيقانا هويتها

. مقابلة

سلوى صالح

 

يعرف الباحث الموسيقي وضاح رجب الباشا الموسيقى بأنها علم أولا وفن ثانيا.. فهي علم يصل بالإنسان إلى الرقي الأخلاقي والاجتماعي، وهي غذاء روحي يشذب النفس البشرية ويشفيها من أمراضها.. وهي تجمع بين فيزياء الصوت ميكانيكيا ومهارات العزف “التكنيك” وفي الوقت نفسه تلامس المشاعر الإنسانية بواسطة حاسة السمع.

ويصف الموسيقى الشرقية بأنها تلامس أوتار القلب من خلال جملة لحنية بسيطة في تركيبها غنية بمكوناتها مترابطة في تتابعها وان كانت لا تعتمد كثيرا على التكنيك العالي والسرعة في العزف إلا أنها تدخل القلوب بسرعة وهي ذات جمل ممدودة .. وحتى عند استعمال الإيقاعات الراقصة والسريعة فان تخفيض سرعة الإيقاع يجعلها تتلاءم مع الجملة الشرقية الانسيابية.

ولكونه نشأ في بيت يعشق الموسيقى في خمسينيات القرن الماضي أيام الفونوغراف والاسطوانات الغنائية السوداء وأولع بالفن بتشجيع من والده الذي كان يهوى الغناء وعزف العود والكمان ويقيم السهرات الفنية في منزل العائلة كل خميس بوجود الأقارب والجيران والأصدقاء فقد بقي مسكونا بهاجس الخوف على الموسيقى الشرقية من أي خطر يتهددها.

وسبب خوفه يعود إلى طغيان السلم الغربي المعدل لدرجة يفقد موسيقانا الشرقية هويتها؛ فدخول آلة الأورغ إلى الأوركسترا العربية بمساحتها المحدودة خرب الموسيقى الشرقية وأفقدها قاعدة استناد رئيسية، فمقام الراست من درجة دو مثلا فيه درجة اسمها "مي نص بيمول" وهي التي تعطي نكهة السلطنة في الموسيقى الشرقية، وهذه لا نجدها في الأورغ والغَيتار.

ويرى الباشا المولود في حلب 1952 أننا نعيش في عالم عشوائي موسيقيا، وندفع ثمن ضعفنا وتبعيتنا للغرب بسبب تخلفنا العلمي، فقد كان من الممكن إجراء تعديلات على آلة الأورغ وجعلها تؤدي ما تتطلبه الموسيقى الشرقية منها مشيرا إلى أن إقبال الشباب على تعلم الموسيقى الغربية سببه سهولة تعلمها مقارنة مع تعلم الموسيقى الشرقية التي تعتمد على الأجزاء والتفاصيل الدقيقة؛ فالسلم الشرقي مبني على أساس الكوما أو الجزء ويعتمد على حساسية الأذن، أما الغربي فمبني على أساس البعد ونصف البعد ويعتمد في تصنيفه على مسافات متساوية وثابتة ولا يكتشف الفرق بينهما سوى من كان متبحرا في علم الموسيقى.

 

وينبه الباحث الباشا الى ضرورة تربية الأذن عند الطفل منذ الصغر على تذوق الموسيقى الشرقية وسماعها لمدة ساعة يوميا على الأقل، وهنا تختلف حساسية الأذن بين إنسان وآخر تبعا للعمر والتربية منذ الصغر.

وعن علاقته بالآلات التي يعزف عليها وهي العود والأورغ والكمان والغيتار قال إنها علاقة حميمية مبنية على الحب تصل إلى مرحلة التوحد مع الآلة تغنيه عن الأكل والشرب. ويكفي أن نلاحظ كيف يحضن العازف عوده كما يحضن العاشق حبيبته لكي نعرف مدى هذه العلاقة.. مؤكدا ضرورة أن نعيد للعود ألقه وجماليته كآلة شرقية بحتة وكآلة كاملة نستطيع أن نعزف عليها أي مقام من أي وتر.

وأوضح أن اهتمام الدارسين بالآلات الغربية وعزوفهم عن الآلات الشرقية بدأ عندما أوفد الخديوي إسماعيل عددا من الطلاب إلى فرنسا لدراسة الموسيقى فاعتبروا لدى عودتهم أن كل ما هو غربي هو فن راق مع ازدراء الفن الموسيقي الشرقي، وهو ما أدى إلى نشوء صراع آنذاك بين الموسيقيين العائدين من أوروبا وبين الموسيقيين الذين لم يغادروا مصر.

ويعتبر الباشا مرحلة البحث العلمي مرحلة متقدمة في مجال الموسيقى، فهو يعزف منذ خمسين عاما، ولكنه لم يتوقف عند مرحلة العزف، فعلى الباحث أن يدرس الموسيقى كعلم وأن يكون دارسا لاختصاص علمي قريب من الموسيقى كالهندسة مثلا لكون الموسيقى علمـا مبنيـا على علم الرياضيات، وهذا ما نجده في كتاب لمجدي العقيلي بعنوان “السماع عند العرب” المليء بالأرقام والقوانين الرياضية كقانون الاهتزاز ونسبة التواتر.

وقد ساعدته دراسته للهندسة الالكترونية وفيزياء الصوت في فهم خاصية الصوت من حيث الطبقة والمساحة الصوتية والعرب وطبيعة الصوت والحنجرة والأجهزة المسؤولة عن إخراج الصوت ابتداء من الحجاب الحاجز وانتهاء بالشفتين، كما أن عمله لمدة ثلاثين عاما في مخبر يحوي عددا كبيرا من الأجهزة الإلكترونية جعله يدرس أدق خصائص الصوت من خلال مولدات التردد الصوتية وقياسها بواسطة مقاييس التردد والراسمة، فكان يراقب الصوت سمعا وبصرا، وهذا ما شجعه لدخول مجال البحث العلمي الموسيقي ووضع دراسات في هذا المجال.

وعمل الباحث الباشا على تأليف كتاب شامل بعنوان “المقامات الموسيقية الشرقية العربية” يضم كل المقامات الشرقية التي حدد عددها مؤتمر الموسيقى الشرقي الأول بخمسة وتسعين مقاما من سورية ومصر والعراق ولبنان وعمان وتونس في محاولة لتوحيد المقامات العربية بعد أن درس مقامات كل دولة وأجرى عملية توحيد لها مضيفا عليها نظرية جديدة في الموسيقى حول الفرق بين المقام الرئيسي والمقام الفرعي مشيرا إلى أنه لدى تطبيق هذه النظرية على كل المقامات كانت النتيجة صحيحة مائة في المائة.

ويعكف الباشا حاليا على تأليف كتاب عن الموسيقار محمد عبد الوهاب بدأ بجمع مصادره منذ عشرين عاما حتى جمع تراثه كاملا وحفظه على حاسوبه الخاص بعد تدقيقه وفحصه وتنقيحه بالكامل بعد اتباعه لدورة على برنامج خاص بتنقيح الملفات الصوتية ينظف ويصحح الأسطوانات القديمة إضافة إلى اقتناء مئات الكتب والمجلات التي تتحدث عن الموسيقار الراحل.

وعن سبب اختياره للفنان عبد الوهاب قال: إن أغانيه رافقت طفولته فعرف قيمته كمبدع، وذلك ما جعله يركز عليه ويتتبع أثره، فما أن يسمع إن فلانا يمتلك أغنية نادرة لعبد الوهاب حتى يذهب إليه ويشتريها منه ولو كان في آخر الدنيا حتى اقتنى تراثه كاملا من أغنيات ونوتات وهو الآن بحاجة إلى شخص "ينوّت" له الأغاني ثم يضمن كتابه دراسة فنية لكل أغنية حول استخدام المقامات والنقلات البارعة وتكرار بعض الكلمات وكيفية فهمه للجملة الشعرية ومطابقة اللحن لبيت الشعر متوقعا أن يستغرق تأليف الكتاب مدة عام ونصف العام على الأقل وأن يقع في ألف ومائتي صفحة.

ولفت النظر إلى أن شبكة الإنترنت ساعدته كثيرا في عمله البحثي ومعرفة النتاج الموسيقي العربي مختصرة له الوقت والمسافات بضغطة زر بعد أن كان يقطع مائات وآلاف الكيلومترات للحصول على تسجيل نادر أو كتاب أو أي معلومة تتعلق بالبحث الموسيقي.

ووصف الباشا تجربته مع المركز الثقافي العربي بأنها ناجحة حيث يستمر منذ عام ونصف العام في تقديم موسيقى الزمن الجميل بشكل دوري فيقدم في كل حلقة دراسة عن مطرب أو مطربة أو مقام مشيرا إلى أن الإقبال ممتاز ومعظم الحضور من الأطباء والمهندسين، لكنه يتمنى جذب فئة الشباب لتوصيل رسالته إلى الأجيال الجديدة، وهذا ما عمله في فرقة الكورال التي أسسها مؤخرا.

وعبر تدريس الموسيقى في معهد الثقافة الشعبية بدمشق قام الفنان الباشا بتأسيس فرقة كورال أسماها جوقة "ست الشام" للتراث بهدف إحياء أصول الموسيقى العربية من موشحات وأدوار وطقاطيق ومونولوجات منتقاة؛ وقد وضع توزيعا بسيطا لها مع الكورال والأوركسترا حافظ فيه على اللحن الشرقي الأصيل ما لفت نظر الجيل الشاب.  والفرقة مكونة من تسع فتيات وعشرة شبان يدربهم على الموشحات بتوزيع جديد يتناسب مع أعمارهم متوقعا أن يقدموا أول حفل لهم بعد ستة أشهر، ويطمح أن تكبر الفرقة لتصبح معروفة على مستوى الوطن العربي ويعرف الجميع أن في سورية موسيقى رائعة وموسيقيين موهوبين.

ويأسف الباشا لكون الموسيقى ابتعدت في زمننا الحاضر عن هدفها السامي في إعادة توازن النفس البشرية وإمتاعها وامتصاص همومها والسمو بالإنسان واتجهت نحو إظهار الغرائز وخاصة بوجود الأغنية المصورة أو ما يسمى الفيديو كليب فأصبحت الجملة الموسيقية هشة مكررة لا معنى حقيقيا لها في التطريب أو تذوق اللحن .. معتبرا أن كثرة المعاهد الموسيقية وقلة المبدعين حولت العازف الموسيقي إلى شبه آلة تنفذ ما يطلب منها دون إحساس.

وعزا سبب تراجع الموسيقى إلى خضوع اللجان الموسيقية والقائمين على اختيار الألحان والأصوات للمحسوبيات والأوامر العليا والصداقات والإغراءات المادية والمعنوية بالإضافة إلى نشوء قنوات تلفزيونية مؤخرا لها سياسة عدائية تجاه تراثنا الفني ورغبة في تدميره من خلال برامج مسابقات ربحية تمضغ الماضي الجميل ولا تؤسس للحاضر بل تعتمد اعتمادا كليا على الموسيقى الألكترونية.

ويملك رجب الباشا مكتبة موسيقية قل نظيرها في المنطقة من حيث الكم والجودة والندرة؛ فلديه مثلا المجموعات الكاملة لأغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وفيروز ونجاة ووردة وكارم محمود وفريد الأطرش وأسمهان وميادة حناوي وغيرهم، بالإضافة إلى المجموعة الكاملة لقراء القرآن الكريم في المساجد أو تسجيلات الأستوديو وختم القرآن للقراء الجدد.