خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

محمد سلطان : عالمية الموسيقى العربية أنها مغرقة في محليتها

. مقابلة

يعد الفنان محمد سلطان أحد أساتذة تلحين الأغنية العربية، وقد نال هذا اللقب عن جدارة من خلال مسيرته الفنية الثرية التي بدأت منذ أكثر من خمسين عاماً حين بزغ اسمه في سماء الطرب بين أساطين التلحين أو أدباء النغم الذين يعبّرون بالنغم عما قد تعجز عنه أبلغ الكلمات. عشق الموسيقى فعصف النغم بخياله وتجمع لديه مع الوقت رصيد ضخم من الأعمال الموسيقية الرومانسية الجذابة بأصوات ليلى مراد وصباح وسعاد محمد ووردة وكارم محمود وعادل مأمون، وعشرات الأصوات التي اكتشفها وأصبحت تتصدر الساحة الغنائية.

س: ما أثر البيئة في إيقاظ الموهبة الفنية تعميقا لمعرفتنا بالمبدع والإفادة من تجربته الإنسانية؟

ج: البيئة والتربية الفنية وتنمية الحس الجمالي والارتقاء الثقافي، كل هذه عوامل لها أبلغ الأثر في بزوغ موهبة الفنان الذي يكون في بدايته كالعصفور، لا يغرد إلا إذا صحا الجو العام من حوله، فقد تنحبس الموهبة حينا من الزمن لكنها تظهر من جديد حين تصبح الظروف مؤاتية. وعلى المستوى الشخصي، فقد كان للبيئة في مدينة الإسكندرية دور رئيسي في بزوغ موهبتي الموسيقية.  والقصة تعود إلى قبل ميلادي حين استشعرت والدتي بأنها ستنجب ولداً وتمنت أن يكون صوته شجيا يشنف الآذان مثل صوت مطربها المفضل محمد عبد الوهاب، فنصحتها إحدى صديقاتها بإعطاء مولودها المتوقع ملعقة من عصير الرمان بمجرد ولادته ضماناً لكي يصبح صوته جميلا، واتبعت هذه الوصفة بحذافيرها.  فأصبت بنزلة معوية وحين علم الطبيب وجه إليها اللوم لأنها لم ترضعني قبل هذه الوصفة.  فوالدتي - رحمها الله - كانت سيدة رائعة محبة للحياة تعشق الموسيقى والغناء وكانت تعزف البيانو. استشعرت بحدسها حبي للموسيقى وأنا في الثالثة من عمري، حيث كنت أدندن قبل أن أخلد إلى النوم؛ وحين بلغت السادسة كنت قد تشبعت بعزفها على البيانو، إضافة لشرائها آلة العود من أجلي، وتركتني مع أوتارها وحدي في هذه السن الصغيرة أتأمل أوتارها وأداعبها.  فتفجر عشقي للعود ولم يفارقني منذ الثامنة من عمري، فالفنان يمتص رحيقاً موسيقياً ثم يضيف ما ترسب في وجدانه من مشاعر وأحاسيس تتحول لأنغام تصل إلى الناس بصدق التعبير وبساطته.  فأنا كنت أستمع للأعمال السمفونية الغربية ولكبار الملحنين في مصر في وقت واحد، وكانت والدتي تحرص على إتاحة الفرصة أمامي لسماع الأغاني الفرنسية والإيطالية، كل هذا كان غذاء موسيقيا دسما أسهم في تكوين عضلاتي الفنية. وفي سن السادسة عشرة أصبحت قائداً لفرقة موسيقية وقدمني موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب كأصغر ملحن لإذاعة الإسكندرية.

 س: ولكن كيف تعرفت على محمد عبد الوهاب، ولماذا درست الحقوق بالرغم من موهبتك المبشرة في الموسيقى؟!

ج : كنت مأخوذا بمحمد عبد الوهاب كمطرب يمتلك صوتا من أجمل الأصوات وأبلغها. معجباً بألحانه إلى أقصى درجة، بل إنني كنت أحفظ كل أغانيه تقريبا.  كنت في الثانية عشرة من عمري حين أمسكت بدليل الهاتف أبحث في شوق وفضول عن رقم هاتف الموسيقار الكبير في الإسكندرية، حيث كان يقضي أشهر الصيف في فيلته الخاصة بشاطئ جليم، وكانت لا تبعد عن منزلنا سوى مائتي متر، وأدرت قرص التليفون وانساب صوته المميز وأخبرته أنني في الثانية عشرة ومن أكثر المعجبين به وأقوم بالتلحين أيضا، فدعاني لزيارته.  وحين ذهبت إلى الفيلا أعلمني الحارس بأن الأستاذ خرج. فبكيت وكتبت له خطابا أعاتبه فيه لأنه لم يفِ بوعده واستهان بمشاعري التي جرحها وتركت رقم تليفونى 60958.  وصباح اليوم التالي أيقظتني والدتي لتخبرني أن شخصاً أسمه محمد عبد الوهاب على التليفون يريد التحدث معي! فنهضت قفزا من سريري وفي كلمات مقتضبة طلب رؤيتي في الحال. وبمجرد أن شاهدني أمامه بالشورت القصير قال: أنت محمد سلطان يا حبيبي وقبلني بحنان، ومنذ تلك اللحظة ارتبطت به إنسانيا، وعاد معي إلى منزلي وفوجئت والدتي بأن محمد عبد الوهاب الذى كان يتحدث مع ابنها هو المطرب الكبير. وأصبحت قريبا من عائلته أتناول الطعام معه هو وزوجته إقبال نصار، أم أبنائه. وفي الوقت نفسه نشأت صداقة بينه وبين أسرتي، وحاول إقناع والدي الذي كان ضابط شرطة بأنني سأصبح ملحنا كبيرا ومن الأفضل أن أدرس الموسيقى؛ لكن الوالد أصر على إلحاقي بكلية الحقوق لدراسة القانون وامتثلت لإرادته. وفي الواقع استفدت كثيراً من التوازن في التربية بين الوالدين، ففي البدء التحقت بكلية فيكتوريا وكانت الوالدة تتحدث معي ومع أشقائي بالفرنسية بمجرد إتقاننا النطق، ثم قرر الوالد أن أعتني بالمثل باللغة العربية وحفظ القرآن فحصلت على الثانوية من مدرسة الرمل الثانوية.  وفي اعتقادي بأن طاعة الوالدين هو سر نجاحي.

س: كيف نمت ثقافتك الموسيقية؟

ج: الحب يصنع المعجزات. وحبي للموسيقى دفعني لتعلمها. فقمت بشراء كتاب "بونا" لأتعلم النوتة الموسيقية، وأصبحت أفك الخط وحدي، ثم أحضرت مدرسا لأتعلم المقامات. وهذا أمر طبيعى فهل يزاول إنسان مهنة لا يفقه فيها شيئا؟ للأسف هذا يحدث اليوم بين الشباب الطالع وأشاهده كثيراً بصفتي عضواً في لجنة الاستماع في الإذاعة، فقد امتحنت العديد من الملحنين الذين يجهلون المقام أو دليله بلغة الموسيقى ولا يعرفون السلم الموسيقى، فأسألهم كيف تقومون بتأليف الموسيقى إذن؟ ويكون الرد أن الموزع هو الذي وضع المقدمة، فأندهش كيف يدّعون أنهم ملحنون؟ وحين سألت الموزعين عن أسلوب التلحين لم يعرفوا هم أيضا، ولكنهم أفادونى بأنهم يستعينون بالـ"كي بورد"(keyboard)ويقومون بوضع الخط الأول فيعطيهم الكمبيوتر الخط الثاني فأخبرتهم بأن هذا ليس تلحيناً أو توزيعاً.  نحن الآن نعانى انحطاطا موسيقيا غير مسبوق، فهم يفتقدون الحد الأدنى من الثقافة الموسيقية. وانهيار الموسيقى والغناء ينذر بانهيار كل الفنون لأنهما قاطرة الرقي والازدهار في مختلف العصور.

س: اكتشفت العديد من الموسيقيين والمطربين أشهرهم عمر خورشيد ومجدي الحسيني وسميرة سعيد وهاني شاكر ونادية مصطفى وأسهمت في بدايات المسيرة الفنية لميادة الحناوي وأصالة ومحمد ثروت،  فما هو أسلوبك في تقديم المواهب الجديدة؟

ج: للموسيقى الشرقية شخصيتها المغرقة في المحلية شأنها في ذلك شأن الموسيقى الهندية واليونانية لذلك هي موسيقات عالمية.  والموسيقى العربية الأصيلة التي تتمتع بالبساطة وصدق الأداء لا حاجة لها إلى التغرب، فالعبرة دائماً بمدى ملاءمة اللحن لقومية مستمعيه. خذ مثلاً يوم استمعت لعمر خورشيد بالصدفة أثناء تناولي العشاء مع فايزة أحمد في أحد الملاهى طلبت إلى النادل دعوته للجلوس معنا، وحدث التعارف، وسألته إن كان يرغب فى الالتحاق بالفرقة الماسية فطار من الفرح، وقال إنه حلم حياته. وشاءت الأقدار أن أتعرف على مجدي الحسيني وقدمتهما معاً للمرة الأولى على المسرح في أغنية "خليكوا شاهدين" لفايزة أحمد، وكلاهما أصبح علما يشار إليه بالبنان في مجاله. أما سميرة سعيد فقد تعرفت عليها أنا وفايزة في حفل عيد ميلاد المرحوم الحسن الثاني ملك المغرب حيث طلب إلي الاعتناء بها ومساعدتها فنيا بالألحان، فأخبرته فايزة أننا سنصحبها معنا إلى القاهرة، وبالفعل جاءت إلى منزلنا وأقامت معنا في بداية حياتها الفنية وقمت بالتلحين لها.  لم أتعجل التلحين لنادية مصطفى، وطلبت إليها التريث لكي أظهرها بالشكل المناسب. واستغرق الأمر عاماً قبل تقديم أغنيتها الأولى التي مازالت تشتهر بها وتحمل اسمها "مسافات". وكل مطرب وصاحب موهبة له حكاية، والعبرة عند تقديم أي موهبة جديدة أن تكون متميزة للغاية، لا تشبه أحداً ممن يصولون ويجولون على الساحة، ولابد أن تتحلى بالذكاء، فالموهبة يحميها الذكاء، والمطرب الذكي يعرف متى وأين وكيف وماذا يغني؟ وواجب الملحن القدير وضع هذه الموهبة في الثوب واللون المناسبين لها بصورة وبما يضمن تفردها.

ويبتسم محمد سلطان ويقول:  لهاني شاكر قصة مختلفة.

س: هل انتقد عبد الحليم حافظ أغنيته "سيبوني أحب" التي قمت بتلحينها له؟

ج: نعم إذ أن هاني شاكر كان قد وقع عقداً مع شركة صوت الحب، وفي إحدى المرات صحبه الشاعر الكبير مأمون الشناوى في زيارة الكبير محمد عبد الوهاب لإعطائه دفعة إلى الأمام بعد أن لحن له محمد الموجي أغنية "حلوة يا دنيا"،  فقال محمد عبد الوهاب لمأمون الشناوى: إذا كنت تريد عملا بروح جديدة لهذا المطرب فاذهب فوراً إلى منزل محمد سلطان، وسأخبره تليفونيا بالموضوع أثناء ذهابكما.  وأثناء حديثه الهاتفي معي قال لي: أريدك أن تضع له لحنا مميزا للغاية، وافترض أن هناك من سيحاربه وهو يستنجد بالناس، ولعله يقول مثلا: سيبونى أحب. سيبونى أغني، وانتهت المكالمة وعلقت كلمة "سيبوني" في ذهني فاتصلت بمجدى نجيب وأوحيت له بالمعانى والخواطر ومحورها سيبوني.  وكانت فايزة تقف بجواري وأنا أتحدث مع محمد عبد الوهاب وهي تعرفه جيدا كفنان وأنا اعرفه كإنسان قبلها، فضحكت وقالت أنه يريد إثارة عبد الحليم حافظ، إذ كانت تدرك ذكاء وحرب الوسط الفني، وأوضحت لي رؤيتها: فعبد الوهاب كقامة فنية من المفترض ألا يطاولها أحد، لكن عبد الحليم بموهبته الجبارة كان يصطدم برأسه. لذلك فهو يريد شخصا آخر يخبط دماغه في عبد الحليم، وليتفرج هو لأن عبد الوهاب ككيان فني أكبر من ذلك ولا ينافسه أحد. ولكن فى النهاية عبد الحليم ظل هو عبد الحليم إلى يومنا هذا؛ وذهب الجميع كل فى طريق.

س: ما الذى يجمع بين أصحاب المواهب الفذة فنيا. وكيف كانت علاقتك بعمالقة جيلك من الملحنين؟

ج: كبار الفنانين والمبدعين مواهبهم طاغية، وكل منهم يحمل بصمة مميزة، تدفعهم مواهبهم للعمل والمثابرة وغزارة الإنتاج أي الاستمرار ودوام البحث عن الجديد، ومعظمهم متواضعون، لأن الفنان إذا شعر بأنه بلغ القمة تحجر ولم يعد يقدم أي جديد، وأنا شخصيا لم تستهوني متعة تكرار ألحاني الناجحة، وكنت في كل مرة أحرص على ارتياد آفاق جديدة لم يبلغها أحد، فالموهبة عطية من الخالق وفي أسماء الله الحسنى "الوهاب ثم الرازق" فالله يهبنا لكي يرزقنا أيا كان عطاؤه،

أما بشأن علاقتي بزملائي الملحنين فيكفي العلم بأن بليغ حمدي حينما علم بمرضي أثناء محنته ومنعه من دخول مصر كان يواصل الاتصال بي يوميا ويحذرني من عدم مغادرة مصر حتى لا يحصل لي ما حصل معه. أما كمال الطويل فكان بعد وفاه فايزة يستيقظ أحياناً مبكراً وأفاجأ به يوقظني من النوم لنتناول إفطارنا معا ليخفف من معاناتي لفقدانها.  إنه جيل رائع إنسانيا ومهنيا ومن الصعب أن يتكرر.  لقد كنت اصغر منهم قليلا في السن، ويسعدني أنني اثبت وجودي وسط هؤلاء العمالقة: محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش ورياض السنباطي ومحمد الموجي ومحمود الشريف ومنير مراد ومحمد فوزي، وهذا مقياس لنجاحى إذ أنني لو دخلت الساحة وهي خالية فلن يعد ذلك انجازا فنيا.