خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

باسم حنا بطرس : شخصية عراقية مميزة

. مقابلة

موسيقار وباحث وكاتب بإمتياز. متواضع وهو الكبير، شاب يافع معطاء وهو في السبعينات من عمره. شخصية مختلفة، قريب للقلب ودود، صاحب نكتة، مكرساً ذاته للخدمة.  يعطي النصح والإرشاد ويحترم الخصوصية دون فرض رأيه. ينتقد بخفة دم ويتفق بمرح ويفرح لكل ما ينتفع منه الإنسان ويؤمن بالاختلاف .

س:- في البداية أستهل المقابلة بسؤال شخصي: هل مارست أعمالا أخرى في حياتك ؟ أم تفرغت كلياً للموسيقى؟    

ج:- العمل يخضع إلى قواعد سلوكية، تؤثر في مستوى الأداء.  كنت أفضِّل العمل في الشركات والسفارات الأجنبية، بأعمال السكرتارية والترجمة، بعقود محدَّدة الأمد. وأنا من النوع الذي لا يستقر في عمل واحد، بهدف التغيير وتوسيع مدارك الخبرة.

أما على صعيد الدولة، فكان عملي تخصصياً عندما كُلِّفنا كهيئة من أربعة أشخاص بتنظيم إعادة تأسيس الفرقة السمفونية الوطنية العراقية في العام 1970، بعد توقف للفرقة دام سنوات عدة.  فاتخذنا من مبنى وزارة الإعلام في الباب الشرقي آنذاك، مقراً لنا وجميعنا نحن الأربعة من قدامى العازفين في الفرقة.

كان لنا وضعنا الخاص، لأننا دائرة تخصصية (للفنون الموسيقية) في إطار مسالك التنظيم الإداري للعمل وفق الخطط الفنية الموضوعة من قبلنا والمقترَنة بالموافقات الأصولية.  

كان لنا كثير من المبادرات لنشر الموسيقى – وبخاصة الموسيقى الفنية الكلاسيكية – في عموم العراق وليس إقتصاراً على بغداد. فقد قمنا بجولات فنية لتقديم الحفلات في الموصل وأربيل وكركوك والسليمانية، وانتقالا للبصرة والناصرية وبابل، كما قدمنا حفلات تثقيفية – فنية لطلبة الجامعات، وبعض المؤسسات الخدمية الإنسانية الأخرى، كمركز المغيرة لمعوقي الحرب، ومعسكر الشباب في الخالصة، وغيرها كثير. إضافة إلى برامجها الشهرية المنتظمة في إقامة الحفلات للموسيقى السمفونية بأنواعها، على مسارح قاعة الخلد، والشعب، والمسرح الوطني، ومسرح الرشيد. وقد أتاح ذلك حضور جمهور ليس فقط على صعيد محبّي هذا النوع من الثقافة الموسيقية، بل على صعيد الشباب الذي أخذ يتابع بكل اهتمام وجديَّة برامج الفرقة السمفونية.

أما في المناسبات الرسمية، فللفرقة السمفونية مساهماتها وفق اختصاصها الفني.

لم أتَّخذ من الفن أو الموسيقى مهنةً حرفيَّة،  وإنما كانت وما تزال جزءاً من حياتي اليومية سماعاً وممارسةً.  وهكذا كان معظمنا من عازفي السمفونية، فتجد عازفين فيها من مختلف شرائح المجتمع أطباء ومهندسين وأساتذة وطلبة وحرفيين. بل وعوائل انتظم أفرادها في العزف معنا في هذه الفرقة، كما في عائلتنا: الوالد والأشقاء، وعوائل عديدة أخرى. فإلى جانب العمل الفني مارستُ ومنذ العام 1955 عمل السكرتارية والترجمة في عدَّة شركات وسفارات أجنبية في العراق فاكتسبتُ خبرة الكتابة باللغة الإنكليزية مضافة إلى خبرتي في الكتابة باللغة العربية الأم.  لذلك سخَّرتُ خبراتي في هذا المجال في كتابة وإعداد البرامج الموسيقية في الاتجاهين التعريفي والتثقيفي على مستوى المؤتمرات والندوات والبرامج الإذاعية والتلفزيونية والصحفية.

س:- مالفرق بين الموسيقى والغناء ؟ أقصد الموسيقى كلحن دون غناء، والأغنية؟

 ج:- لنعطِ فكرة مبسَّطة: الموسيقى كيان واحد، يستخدم الصوت وفق صياغات مقامية ولحنية وبنُى إيقاعية. فالصوت إما أن يكون صادراً عن (آلة مصوِّتة) بمختلف أنواعها، فنقول فيها موسيقى آلية وإما صادراً عن (حنجرة الإنسان) فنقول فيها غناء.  لذلك، الموسيقى الآلية تعتمد خلق الفكرة اللحنية إما من ذات الملحِّن أو اقتباسا من ألحان متوافرة (الذي نقول فيه تألّيِفاً موسيقياً)، أما في الموسيقى الغنائية، فعملية التلحين تستند إلى شكل بناء نص الكلام، الشعر مثلاً (فنقول فيها موسيقى غنائية). وكلا الشكلين هما نتاج موسيقي إبداعي.

 س: هل مازال هناك متذوقون للموسيقى، وأي موسيقى حالياً هي الرائجة إن كانت سلبية حسب تقييمك أو رائعة من الروائع؟

 

ج:- جرى كثيرا مناقشة مثل هذا السؤال؛ كما في الأدب والشعر والفن، هنالك مراحل زمنية تمنح مواصفاتها في بنية النتاجات. إذا كنتَ تستمتع بغناء الأولين، والمقامات والمواويل، ونوع الآلة الموسيقية المصاحبة، فليس بالضرورة قيام الأجيال الجدد بتقبّلها.

حتى أن بعض الكتابات وضعت مواصفات في تقييم الأغاني الحديثة، فينتقدها ويرفضها، وقد يصفها بالرخيصة، أو المبتذَلة، لكنها بعد حين تصير تراثاً مع تقدم الزمن. علينا أن نعي مواصفات العصر، فلكل عصر مواصفاته التي تنعكس على النتاج الإبداعي. قد لا أميل أنا، ولا أنت وغيرنا، لتقبُلها، لكنها مقبولة لدى أجيال شباب عصرها طالما أن هناك جمهورا يتذوق – حتى بدون وعي منه – مثل هذه الأشكال من الموسيقى والغناء الممتزج بأجواء الرقص، وعلى أصوات أجهزة تكبير الصوت الضاجَّة بالعنف والضوضاء، لتحيل أجواء التلقّي من الاستماع إلى حماسة المرح الحركي والتراقص.

من هنا، فنحن – كأبناء أجيال سابقة – قد لا نتذوق بالضرورة الأعمال الحديثة، لأنها لا تمنحنا بعض ما يطربنا، أو لا نتحسس جماليّاتها (إن كان فيها جماليات – حسب تصورنا). لكنها بكل تأكيد، ظاهرة آخذة في النمو لتحقق لها جمهوراً من الأجيال الجديدة ينبغي الاهتمام بها.

س: ماذا يتخيل الموسيقي نفسه، مميزاً، أو فوق العادة، أو أعلى من المستوى، له موهبة تجعله يسمو عن البشر؟

ج:- تعليقاً وليس إجابة، ما هي قيمة الشخص – أياً كان – إذا تبختَر بخيلاء نفسه؟  فالموسيقي قبل كل شيء هو إنسان من بين خلق الله. يكرِّس فنَّه للناس. فعلى مَن يتعالى؟ إنْ قلنا عن الموهَبة، فهنالك الفعاليَّات المواهبيَّة التي لا تُعَد ولا تحصى في مجالات الفكر والشعر والفن والموسيقى. نتاجها للناس.

لا أعني التواضع، بل الرفعة بسمو نفسه؛ الفنان الذي لا يحسب حساباً لجمهوره المتلقّي يبقى منغلقاً على أمجاده - بل  على العكس من ذلك: فهو يشعر بشيء من الرهبة، في مواجهة الجمهور حين يرتقي منصَّة المسرح.  ولا يعتبر هذا خوفاً من الجمهور بل احتراماً له وارتقاء بمسؤولية الموقف في مواجهته. فيقابله الجمهور بما يليق من التقدير لشخصه وفنِّه على السواء.

أعطي مثالاً – ليس للحصر: محمد عبد الوهاب، كان قمّة شامخة، ليس بثرائه المادي وإنما بمستوى الجمهور الذي تربَّى على الفن الراقي – وكان عبد الوهاب من أصحاب هذا الفن.

لكنه ما كان بمعزل عن الشعب، حتى أصبح أيقونة لعامة الشعب المصري، يفاخرون به كما يفاخرون بأهرام الجيزة.  وكذلك تجد فيروز، وبالتالي ناظم الغزالي وبعد أجيال منه ارتقى المنصة كاظم الساهر.

س:- ما حكمك على من ليس له موهبة فنية أو حس فني؟

ج:- الموهبة مطلوبة في العمل الإبداعي؛ وأهم ما يقدمه الفنان هو بهدف الارتقاء بذائقة المتلقّي – الإنسان.  فالإنسان هو وسيلة الفن وهدفه.

لذلك فالحس الفني أساس بالنسبة للمتقدمين للدراسة الموسيقية والفنية، فيصار إلى إجراء المقابلة الأوليَّة لهم، لاستكشاف القدرات الحسِّية والحركية، التي يتحدد بموجبها قرار قبولهم أو رفضهم. وهذه القدرات متفاوتة بين شخص وآخر.

 س: حصلت على كثير من شهادات التقدير والشكر، كم عددها ؟ وما أقربها إليك؟ ولماذا؟

ج:- لا يهم عددها، بل الأهم قيمتها المعنوية. تقديراً من الجهات المانحة لمستوى أداء العمل ونوعيته، كالشهادات التقديرية والميداليات وكتب الشكر. لعلِّي لا أبالغ إنْ قلتُ إن الشهادة التقديرية التي حصلنا عليها لمناسبة الاحتفال بمرور خمسين عاماً لبدايات الفرقة السمفونية الوطنية، كانت أقوى ما يدفعني إلى الاعتزاز، تقييماً لمسيرة حياة فنية حافلة لنا. فقد أقيم في العام 1992، احتفال كبير في قاعة الرباط بشارع المغرب في منطقة الكسرة، شمالي بغداد، ليومين متتاليين، في ختامه عزفت الفرقة عملاً عراقياً للوالد (حنا بطرس: روندو شرقي) باعتباره أول من قاد الفرقة في العام 1941، وعملا آخر من المؤلفات الكلاسيكية.

في هذا الاحتفال جرى تكريم أعضاء الفرقة السمفونية من الرواد، بشهادات تقديرية؛ فكان لذلك وقع كبير في نفوسنا.

وحصلت على عدد من جوائز التكريم وبعض الدرجات الفخرية، من الدولة، ومن المنظمات الموسيقية المحلية والدولية، كالمجمع العربي للموسيقى (جامعة الدول العربية) والمجلس الدولي للموسيقى (اليونسكو) وغيرها، تثميناً لمساهماتي في المؤتمرات التي أقيمت في مختلف بلدان العالَم.

س: حصلت على درجة خبير في الموسيقى الكنسية وتحديداً موسيقى الكنيسة الكلدانية، فما هي درجة الخبير، درجة فخرية أم مثبتة في المجامع الموسيقية إن كان ذلك في العراق أو خارجه؟

ج:- الخبير ليست درجة علمية أو أكاديمية، بل اعتبارية لمَن قدَّم خبرته في حيِّزٍ ذي علاقة باختصاصه الفني أو الثقافي أو المهني فالخبرة في الموسيقى الكنسية – مثلاً، تنشأ وتنمو نتيجة معايشة وممارسة لتتطور إلى امتلاكها ذاتيّاً.  ومن ثم تقديم الخبرة فتسهم في التثقيف والتطوير.  ولقد كان لنا إضافة إلى الاختصاص، حلقات التقاء نبحث فيها ما يتصل بما يُعرَف بـ (موسيقى العبادة) وكيفية الارتقاء بمستوى أدائها لدى الناس وعند المؤدين في آن واحد.

فأنا، وكذلك أشقّائي الآخرون، أبناء الموسيقار – التربوي – الشماس الإنجيلي – المرتل: حنا بطرس (1896 – 1958)، الذي تربَّينا في أحضان علمه وخبرته ومواهبه. ومن بين أبرز منجزاته الكبيرة، قيامه في تشرين الثاني من العام 1931، بتسجيل زوجٍ من الأسطوانات ضمّنها أربعاً من التراتيل الكنسية الطقسية وبمصاحبة موسيقية متميزة؛ كانت الأولى في تاريخ التسجيلات الكنسية، إلى جانب معايشة عمليَّة في الكنيسة، أياً كانت هويتها. وعلى مدى الأيام، نما اهتمامي بالموسيقى الكنسية، سماعاً ومشاركةً، واغترافا من معين إخوتي الأفاضل من رجال الكنيسة من الكهنة، فأخذتُ أكتب وأنشر المقالات وأقدِّم محاضرات تثقيفية في الكنائس، وصار لنا خبرة متنامية في هذا المجال.

وكان أهم حدَث تحقق لنا، تنظيم وإقامة أول مهرجان لتراتيل كنيسة الكلدان في بغداد في العام 1993، شاركت فيه ثلاث وعشرون جوقة كنسية، مع إقامة ندوة (الطاولة المستديرة) حظي برعاية غبطة البطريرك روفائيل بيداويد.

ولعلّي أضيف هنا أني قدمتُ إلى (مؤتمر بغداد الدولي الثالث للموسيقى) المنعقد في العام 1978،  وبحضور خبراء وباحثين من مختلف الدول، بحثاً بعنوان (معرفة الموسيقى من خلال مصادرها) ختمته بثلاثة أعمال موسيقية: الأول ترتيلة (قوم شبير) باللحن الخاص بالجمعة العظيمة، بصوت الأب الراحل يوحنان جولاغ، قمتُ بتسجيله حيَّا من كنيسة مار إيشعيا بالموصل، يليه مباشرة صلاة (تخشوبثا) من الطقس السرياني، بصوت الشماس بشير القس عزيز (والد آل بشير: جميل ومنير وفكري) ربطاً بعمل من (أغاني الفْجري – لصيد اللؤلؤ) من الخليج، تأكيداً للربط المقامي للأعمال الثلاثة، وكأنها ناشئة من أرضية مقامية واحدة – وهي السريانية. علماً بأن وقائع جلسات المؤتمر عُرِضَت من التلفزيون العراقي بالكامل. كما أعطيتُ نسخاً من كاسيت التسجيل الصوتي لتلك الأعمال المذكورة، لعدد من علماء الموسيقى الباحثين، المشاركين في المؤتمر.

فضلاً عن تدريس التذوق الموسيقي في المعهد الكهنوتي وكلية بابل الحبرية، ودير الراهبات في الزعفرانية بجنوبي بغداد.

س:- هناك من يهوى السفر، وآخر من يعشق عمله، وقد شاركتَ في عدة فعاليات ونشاطات ، فما كان حجم الفائدة في مشاركاتك خارج القطر على الصعيد الشخصي ؟

ج:- السفر عندي، كما عند الناس قاطبة، استكشاف، من حيث الاطلاع  والمشاهدة، التي تبدأ من لحظة تحرُّك واسطة النقل، قطاراً أو سيارة أو طيارة. سواء على الصعيد الشخصي، أو الرسمي. ففي مجال الموسيقى تحققت لي من خلال مشاركاتي في العديد من المؤتمرات والمهرجانات التي أقيمت في مختلف البلدان، وحتى في العراق، فرصة الاستزادة بالمعرفة التخصصية، إلى جانب إسهامي بتقديم البحوث وتقارير الأنشطة العلمية والفنية للحركة الموسيقية في البلاد. في بعضها كنا نشارك بشكل  وفود تخصصية، ضمَّت كلاَّ من الزملاء: منذر جميل حافظ (من مؤسسي الفرقة السمفونية الوطنية العراقية) والدكتور حسام يعقوب إسحق، وحسين قدوري (رحمه الله) وهم من زملائنا في الأنشطة الموسيقية الأكاديمية، أعضاء اللجنة الوطنية العراقية للموسيقى.

قدمنا الكثير من المشاركات المتميزة، على صعيد العزف أو البحث الموسيقي العلمي وحتى الإسهام بعمل اللجان كل باختصاصها.

الفائدة الكبرى ليست ماديَّة، بل نوعيَّة: أني تعرَّفتُ على كبار علماء البحث الموسيقى والفنانين من العالم، ومعرفة مستوى إسهاماتي التي تطورَّت ونُشرت في المجلات الاختصاصية ذات العلاقة. وصار لاسمي موقع بين أعلام البحث الموسيقي.

هكذا هي الحياة، حالة نمو مُطرَد حين يعرف المرء كيف ينحو في مجالات مدركاته الثقافية والفنية والأدائية.

س: كم ينتابني الأسى بعدم خوضي غمار الموسيقى من خلال اللعب على آلة ما أو  لعدم السعي لتثقيف ذاتي بهذا العلم الذي يسمو فيه روحياً من يمارسه، فما نصيحتك لمن هم مثلي كيما يكتشفوا عظمة هذا الإبداع ؟ 

ج:- ليس بالضرورة أن تكون وغيرك فناناً أو شاعراً كي تتذوق جماليات الفن والشعر. إنما يتأتى ذلك بتنامي ذائقة الجمهور المتلقي، وهي معايشة متاحة قبل أن تكون ممارسة حرفية. وكما قلت سابقاً، فالإنسان هو وسيلة وغاية الأعمال الإبداعية. والناس كلهم كذلك.

استمع ولا ترفض، ومن بعد قم باختياراتك مما سمعت. فإن راقت لك، فقد تحقق لك هدف من استماعك لها في سعيك.

وإنْ شئتَ، اِجْلِسْ إلى البيانو أو الأورغ، وابدأ بتحريك أصابع اليد الواحدة، بدون تخطيط مسبق؛ سيمنحك ذلك متعة استكشاف أبعادها الصوتية.