خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

فاديا طنب الحاج: النخبوية ليست شتيمة ولا أهين تراثي الشرقي

. مقابلة

 

المنامة - منصورة عبدالأمير

فاديا طنب الحاج مغنية محترفة نادرة من نوعها تجمع بين التقنيات الصوتية الشرقية والغربية. منذ بداياتها ظهرت مطربة منفردة، أولا مع الأخوين الرحباني وأخيرا مع فرقة ساربند الألمانية.

شاركت في العديد من الحفلات الموسيقية في معظم المهرجانات الشهيرة في لبنان وعلى وجه الخصوص المهرجان الدولي في بعلبك والمهرجان الدولي في بيت الدين.

حصلت على الجائزة الألمانية الأولى لسنة 2008 عن فئة موسيقى العالم، أما آخر أعمالها مع ساربند فهو تسجيل «الآلام العربية» في استوديوهات دار الإذاعة الألمانية في كولونيا. وهذا العمل هو عبارة عن مختارات من أوراتوريو الآلام ليوهان سيباستيان باخ، وقد ترجم نصوصه إلى العربية الشاعر جاك الأسود، ووضع توزيعه الموسيقي المدير الفني لفرقة ساربند فلاديمير إيفانوف، وغنته فادية الحاج في إطار تجربة موسيقية رائدة لا سابقة لها.

في هذا اللقاء تتحدث فاديا عن تجربتها الغنائية، ومراحل تطورها في عالم الغناء، وافكارها التي تجمع بين انتمائها العربي وبين انفتاحها على حضارات العالم المختلفة.

* منذ البداية كنت المغنية المنفردة في أي فرقة تنضمين إليها، أولا مع الأخوة الرحباني، ثم في مسرحيات لبنانية غنائية في السبعينيات، حتى حين بدأت الغناء في ميونيخ بدأت بالغناء الفردي، الآن أنت المغنية المنفردة لفرقة ساربند الألمانية؟

- نعم كنت مغنية منفردة أطلقني الأخوين الرحباني، وكنت حينها طالبة في المدرسة لا يتعدى عمري 15 عاما. كان الرحابنة حينها يعملون مع السيدة فيروز وكنت أنا عضو في الكورس لكن بعدها بسنتين بدأوا لأول مرة يطرحون أعمالا شبابية يقدمون من خلالها وجوها جديدة، وقد جاءت تلك الأعمال بشكل مستقل عن عملهم مع السيدة فيروز. في وقتها أخذوني وشقيقتي وعملنا كمغنيتين منفردتين في كل أعمالهم المسرحية والتلفزيونية.

بعدها تعرفت على مدير فرقة ساربند فلاديمير ايفانوف وهو عالم موسيقي ومهتم بموسيقى الشرق عامة وبالأصوات التي تملك تقنية غنائية متأثرة بتقنية الشرق،  وأنا درست فن الأوبرا أي الغناء الغربي، لكن لأني تربيت في الشرق وأذناي معتادتان على الموسيقى الشرقية والغناء الشرقي فأنا قادرة على الجمع بين التقنيتين. ذاكرتي الموسيقية لها وجهان وجه شرقي وآخر غربي وهذا أعطاني صورة واتيكيت وصبغة معينة تميزت بها. واصلت الغناء بهذا الشكل لما وجدته من ترحيب كبير بهذا النوع من الموسيقى في أوروبا. الحفلات التي يكون فيها دمج بين النوعين مرغوبة جداً هناك إذ أن الموسيقى الأوروبية القديمة من القرن الثامن والقرن الثالث عشر كان فيها دمج كثير، ولذا تجد إقبالا كبيرا حين يحضر أشخاص من الشرق لا يزال لديهم تراث شرقي حي، يذكر بالتراث الغربي الذي كان موجودا في تلك الأيام.

* الجمع بين التقنيات الصوتية الشرقية والغربية، معادلة صعبة كيف تمكنت من إتمامها، ألا تتداخل الألحان والنوتات بالنسبة لك، هل تفصلين بينهما، ام تدمجينهما؟

- ما أغنيه في الأغلب أو ما أقدمه عادة مع فرقة ساربند ليس غناء أوبراليا. التقنية الصوتية تشبه كثيرا الطريقة التي نغني بها في الشرق وفيها مساحة للارتجال كما أني لا أستعمل تقنية الصوت الرأسي الموجودة في الغناء الأوبرالي. هنا حرارة أكثر في طريقة الغناء، كما أن الأرابيسك في الغناء أو التزيينات التي يتم عملها في الصوت هي نفسها الموجودة في الغناء الغربي القديم.

* أحدهم علق على خبر غنائك لألحان باخ بأن أعاب عليك هذا الغناء باللغة العربية وقال إنك لو استمعت للتراث العربي الأصيل لما فعلت ذلك وإنك تنكرت للمقامات الشرقية. في المقابل قرأت لك تعليقا أو توقيعا على صورتك كتبت فيه أنا أمرأة شرقية وفرحتي كبيرة أن انتمي لثقافة هذا الشرق ودفء أهله؟

 

- إذا كان غنائي تنكرا للشرق، فأظن واجب الشخص الوفي للغة العربية عدم تعلم أي لغة أجنبية ويبقى منغلقا على نفسه ولا يعرف سوى حضارته وموسيقاه. أريد أن أوضح نقطة، حين أغني باخ أغني بتقنية كلاسيكية لكنه ليس غناء أوبراليا. الأوبرالية فقط في العمل الموسيقى إذ إن هويته هوية عمل أوبرالي فيه قصة مثل المسرحية الغنائية وهي خالية من الحوارات، كلها مغناة. الأوبرا هي عمل يدور حول قصة لا علاقة لها بالدين، وأعمال باخ أكثرها أعمال دينية.

وأنا بالفعل أعتبر أنني بنت الشرق، ومهما عشت في الغرب وتعاطيت مع الأوروبيين والأجانب تظل هويتي الشرقية عزيزة على قلبي بكل ما تعنيه من لطف وحرارة إنسانية وإيجابية في التعامل وكرم وعزة نفس.

* عملية المزج، ما الذي تضيفه للتراث الموسيقي العربي، وما الذي يمكن أن يعطيه هذا التراث الى الغرب؟

- النظام الموسيقى الغربي كان نظاما بدائيا في القرون الوسطى وحتى نهاية القرن الرابع عشر، في مقابل نظام الموسيقى الشرقية الذي كان متقدما جدا على النظام الغربي ولذلك حين جاء زرياب عالم الموسيقى الشرقي من بغداد إلى قرطبة وأحضر كل معرفته إلى الأندلس عمل نهضة رهيبة هناك.  لفترة زمنية معينة كان يمكننا قول ذلك، لكن جاء وقت كان للموسيقى الغربية نهضتها وتقدمها الموسيقي. هذا لا يعني أنهم أفضل منا بل إنه لا يمكننا المقارنة فنحن لدينا أكثر من 48 مقاما، فيما لا يوجد لديهم سوى مقامين. نظامهم وكتابتهم الموسيقية عمودية فيما كتابتنا أفقية ولذا فالنظامين لا يتناقضان بل ربما يكملان بعضهما. اليوم ونحن في عصر العولمة نجد أن الكثير من المؤلفين الغربيين يستعينون بمؤدين شرقيين أو يطلعون على النظام الموسيقي الشرقي. هم يرون أن ما يأخذونه منا يشكل إضافة لهم، فلماذا نرفض نحن أن نأخذ منهم.

حين أدمج النوعين لا أقصد أن أهين تراثي ولا أجرحه، تراثي له حراسه وأنا أعتبر أنه أعطاني وعلمني الكثير. الآن هناك من يحضر أغاني البوب من أميركا فتمتلئ المدن الرياضية بمن يصفق لهم فلماذا حين يقدم الأمر نفسه على مسرح وفي إطار ثقافي لحضور لا يتجاوز 300 شخص ويعمل دمج بين الشرقي والغربي يقال له أنت تؤذي تراثنا.

* لكن ألا يجعل ذلك ما تقدمينه محصورا بطبقة معينة، ربما هي طبقة النخبة، ما يجعلك نخبوية؟

- النخبوية ليست شتيمة، أنا لم أختر الجمهور النخبوي، فقط اخترت ما يناسبني وجاءت نتيجته بالصدفة نخبوية، لكن لو خيرت بين أن أقدم حفلة أمام 2000 شخص في صالة كبيرة أقول أني أتمنى ذلك وسوف أحاول أن أقدم برنامجي بما يتناسب مع شريحة عريضة، فما أقدمه لـ 300 شخص في صالة صغيرة مثل قاعة محاضرات يختلف عما سأقدمه على مسرح لألفي شخص فما قدمته في مهرجان بعلبك وفي مدرج ضخم كان مختلفا عما أقدمه في المانيا وفي اوروبا أو ما أقدمه هنا.

* بررت غيابك عن وسائل الإعلام بأن «الحلقة المغلقة التي يتعاطى معها الإعلام ليست حلقتك» ماذا تقصدين بهذا الكلام، وعن أي حلقة مغلقة تتحدثين؟

- أعترف أن حضوري في بعض وسائل الإعلام سابقا حين بدأت مع الرحابنة في تقديم الفن المتداول والسهل الممتنع الذي يسمعه كل الناس كان حضوري واضحا ومثل أي شخص آخر، بل ربما إن كثيرين ممن تسمعين بهم الآن لم يولدوا أصلا حينها. حضوري كان موجودا في الإعلام ولكن لا ننسى أني غبت عن لبنان عشر سنوات في فترة الحرب، سافرت وتخصصت وعملت فترة في الأوبرا والإذاعة الكلاسيكية في ألمانيا وعملت مع فرقة سارباندا وقدمت مئات الحفلات. أنا أعتبر أني فتحت لنفسي خطاً لا يشبه الخط الموجود في لبنان أو في الوطن العربي.  لكن بالطبع حين عدت إلى لبنان جئت بفتح جديد لعملي في مهرجان بعلبك.  كتب عن حفلة واحدة قدمتها في بعلبك ربما 40 مقالة وكان ذلك في الصحافة اللبنانية المحلية لأن الصحافة العربية لم يكن لها حضور كاف بعد فور إنتهاء الحرب اللبنانية.

بعد ذلك كانت هناك تغطيات إعلامية لأعمال قدمتها في الأعوام 2000 و2001 و2005 لكن لأن كل شيء أقدمه طابعه ثقافي فذلك لا يجعل من أخباري مادة مرغوبة لمجلات الفضائح لكنك ستجدين أخباري في أهم صحيفة لبنانية وهي النهار التي تتابع أخباري وتكتب عني باستمرار. ما أتمناه فعلا هو أن أوصل دعوتي ولا أريد ان أستخدم كلمة مبالغ فيها، لكن لنفترض أنني أريد أن أقدم دعوة للثقافة، لا يمكنني أن أحصل على كل شيء، وأنا لا أقدم ما يدفع بأن تعلق صوري على جدران المباني، لا يتناسب ذلك مع ما أقدمه. بل إنه حتى اسطواناتي التي سجلتها في المانيا لا أضع صورتي على غلافها.

ربما لسنا معتادين في لبنان على أن يكون للفن «جوارير»، جارور للثقافة وآخر للترفيه وثالث لموسيقى العالم وموسيقى الجاز وهكذا. المعيار الذي يحكم به على الفنان لدينا هو كونه مشهورا أم لا، أما في الغرب فالتقسيمات في هذا المجال واضحة. لا أشعر أني مظلومة فأنا اخترت ذلك وسوف يكون مكاني خطأ إذا وجدت صورتي في كل مكان.

* مشاركتك في سوبر ستار، كيف جاءت، صحيح هي صنعت لك شعبية، لكن ألا تجدينها تتعارض مع توجهاتك النخبوية؟

- هذا سؤال صحيح تماما، في الحقيقة حين طلب إلي الياس الرحباني المشاركة في البرنامج ترددت فأنا لا أجد نفسي في هذا البرنامج، شجعتني شقيقتي التي كانت ترى أنه برنامج «مرتب، ويخرج أصواتا محترمة» وقالت ربما يكون هذا وجه من وجوهك، ولن يؤثر على ما تقدمينه. وافقت ولم أكن قد شاهدت حلقة واحدة من البرنامج حتى انهم عملوا فيّ مقلبا حين أحضروا يومذاك وأحدا ممن ربحوا في نهائيات العام السابق ليتظاهر بأنه مشترك جديد.

الحقيقة هي أن حصيلة مشاركتي في البرنامج كانت جيدة بالنسبة لي من ناحية إعلامية، إذ لا يمكنني أن أبقى في برجي العاجي وأتعالى على كل ما ينتشر بين الناس شعبيا. أعتقد أن تجربتي كانت ناجحة ونادرا ما التقيت بأحد حتى من المعارضين لدخولي البرنامج إلا وأكدوا كونها مشاركة جيدة.

شكلت فرقة موسيقية ثلاثية مع أختيك تحت اسم (الثلاثي الشرقي «TriOrient») بهدف ترجمة الأغاني اللبنانية التقليدية والتراثية والأغاني الشرق أوسطية مع الآلات الموسيقية وبدونها بطريقة منسجمة أو بتعدد الأصوات. ماذا تقدم هذه الفرقة للتراث الموسيقي العربي، ما هي إسهاماتها في نقل الأغاني اللبنانية إلى لغة أخرى، هل تفقد هذه الأغاني شيئا من خصوصيتها وجمالها وأصالتها حين تنقل؟

- ما نقوم به ليس ترجمة بل إعادة صياغة موسيقية لهذه الأغاني بشكل يجعلها تتناسب مع تركيبة 3 أصوات نسائية، ونحن لا نغني ككورس بل كثلاثة أصوات مختلفة. نعيد كتابة التوزيع لهذه الأغاني الكلاسيكية الشرقية القديمة التي تعتبر من التراث الموسيقى الشرقي حتى لو كان تراثا حديثا تابعاً للقرن العشرين. من دون إي إدعاء يمكن أن نقول أننا نقدم إضافة.

المصدر صحيفة الوسط البحرينية