الموسيقي عروة صالح: الموسيقى لن تكون الخلاص ولن تنهي الحرب لكنها طريق للنجاة

. مقابلة

المجد أحمد 

كيف تعرف بنفسك؟

  • اسمي عروة صالح، عازف عود وموزع موسيقي سوري مقيم في عاصمة النمسا ڤيينا. ولدتُ في دمشق وعشت فيها حتى عام 2012. ومنذ ذلك الوقت وأنا أبحث عن وطن!

ألا تعتبر الموسيقى وطناً؟  وكيف تصف علاقتك بآلة العود؟

  • لم تكن آلة العود خياري، كنت صغيرًا جداً على فكرة الاختيار آنذاك. حرصت والدتي على أن تجعل من كل واحد من أبنائها الأربعة عازفاً محترفاً على آلة موسيقية ما.  وهي من اختار آلة العود لي. تعلمت شقيقاتي العزف على آلات كلاسيكية غربية، أمّا أنا وأخي فتعلمنا العزف على آلات شرقية. وفي النهاية، أنا وشقيقتي احترفنا الموسيقى.  لم أحب آلتي الموسيقية في البداية، كان حجمها كبيراً جدًا بالنسبة لجسد طفل في الثامنة. وفي سن المراهقة اتجهت ميولي إلى آلة الجيتار الإسبانية مثل الكثير من أبناء جيلي في سورية.  جذبتني الموسيقى الغربية وخاصةً موسيقى الجاز، وأحيانًا أخرى موسيقى الروك. لكن في نفس الوقت لم أهجر آلة العود. استمررت بالتدريبات عليها لساعات طويلة يوميا حتى تخرجت من المعهد الموسيقي للصغار، وواظبت على الدراسة وطورت أدواتي وتقنياتي كعازف عود كما طورت استيعابي للجانب النظري.  وبعدها ذهبت إلى لبنان للدراسة ثم عدت إلى دمشق لإنهاء دراستي في المعهد العالي للموسيقى.

في عام ألفين وأربعة، عرض علي عازف إيقاع أن أبدأ معه مشروع موسيقي شرقي،  قمتُ بالتوزيع الشرقي بعد سنين طويلة من الاستماع لموسيقى الروك والعزف على العود. بعد ذلك المشروع، بدأت أحب آلتي الموسيقية وأعي أنه من الجميل أن تكون مختلفًا. بدأت أيضًا بتجربة قياسات العود،وكتابة إيقاعات روك مع مقامات عربية على العود.  هذه الأمور أوصلتني لما أنا عليه اليوم.

ولدتَ في مدينة الياسمين دمشق، ومن خلال قراءة بعض العناوين لمقطوعاتك الموسيقية شعرتُ أن دمشق شكلت ذاكرة جميلة لكن حزينة في مخيلتك.

  • أنا ولدت في مدينة دمشق وعشت الجمال الشرقي الموجود في تلك المدينة، شممت رائحة الياسمين والقهوة وسمعت ألحان الموسيقى الشعبية والتقليدية التي كانت تعلو أصواتها في المقاهي، مشيت في شوارع المدينة القديمة.  كموسيقي، لعب هذا الإرث دورًا كبيرًا بمسيرتي الفنية ولكني أيضا تأثرت بدمشق الحديثة، المدينة المشغولة دائمًا بملايين الأشخاص وآلاف السيارات في الشوارع، ساعات الذروة، التلوث والضجة. ذلك المزيج من الياسمين ودخان السيارات دفعني أكثر إلى مزج  آلة شرقية تقليدية بشكل دمشقي الآني. لم أتوقع أن أعيش في مدينة أخرى خارج دمشق، لكن اضطررت لذلك وقمت بشراء تذكرة طيران باتجاهين ذهاب وعودة باعتقادي أنني سأعود. وأخذ ذلك مني خمسة أعوام لأعود. أول ألبوم لي بالنمسا، كان أسمه “رحيل”. الأمر المؤلم أنني عندما رحلت لم أتوقع بأنني لن أعود. لو كنت أعلم ذلك لكنت مشيت بشوارع المدينة القديمة لساعات لأحفظ صورها في ذهني، كنت التقيت بكل شخص أعرفه، كنت احتضنت كل أفراد عائلتي وتذوقت جميع أنواع الطعام.  لهذا اليوم أندم على هذه الأمور وأعتقد أن هذا الندم هو ثاني أمر أثرت به مدينة دمشق على شخصيتي كإنسان وكموسيقي. كل جملة موسيقية من ألبوم “رحيل” كانت بالنسبة لي رحلة لشارع أحببته وأندم على عدم وداعي له.

هل يمكن أن يصبح العود أكثر مرونة في التواصل مع بقية أنواع الموسيقى الغربية؟

  • بشكل عام، أعتقد أن آلة العود ملائمة ومتصلة مع مختلف أنواع الموسيقى وهو من أكثر الآلات مرونة ضمن عائلة الآلات الموسيقية الشرقية؛ لهذا السبب يؤدي عازفو العود ومن سنوات عديدة أنماطاً وأشكالاً مختلفة جدًا ومن الطبيعي أن يعزف الموسيقي على آلة العود بمهرجان للجاز أو أن يكون مشتركًا في أوركيسترا غربية. بكل الأحوال توجد دائما مساحة للتطوير، وبالنسبة لي التطوير مطلوب بشدة لعملية بناء العود وضبط أوتاره وتضخيم صوته أكثر سهولة.  ولأن الحاجة إلى استخدام آلة العود التي زادت مؤخرًا، أصبح صناع هذه الآلة قادرين على إنتاج بعض التعديلات، مثلما رأينا في العود الكهربائي مؤخراً.

هل لك أن تخبرنا عن مشروع الموسيقى العربية المعاصر الذي تعمل عليه.

  • “روح” كان أول مشروع لي في النمسا، بدأتُ أؤديه بنوادي جاز صغيرة في النمسا عام ٢٠١٢، واستمررت به حتى أصبح مشروعا معروفا ونال جائزة الاندماج كأفضل مشروع ثقافي في مدينة لينز عام ٢٠١٤.  في عام ٢٠١٢، تعرفت على عازف إيقاع تركي وآخر من النمسا في مدينة لينز وبدأنا المشروع معاً. وقدمنا عروضا داخل النمسا وخارجها. مع “روح” أنشأنا مشروعا سنويا حيث قمنا بدعوة مغنين وموسيقيين سوريين يعيشون في الخارج لجولات موسيقية قصيرة. سمح لي هذا المشروع أن أعزف مرة ثانية مع أصدقاء قدامى مثل باسل رجوب ومياس اليماني وفي الوقت نفسه عزفت مع أشخاص جدد مثل المغنية بسمة جبر.  أما مشروع “إم أي تي” فهو مشروع فريد أعزف فيه مع موسيقيين مثل كريستوف كيتش، وهو أحد أشهر عازفي البيانو والموزعين في النمسا، يملك سنوات من الخبرة كمدير لجامعة الجاز بمدينة لينز وأندرياس شرايبر المختص بالموسيقى المعاصرة والجاز الحر. المشروع هو تحدٍ دائم لأننا نؤدي نمطاً موسيقيا بعيدًا جدًا عن الموسيقى الشرقية المعتادة، وهذه التجربة هي مساحة لتجريب أمور جديدة ولأتعلم وأطور نفسي كعازف عود.

هل تحتاج الموسيقى دائما  إلى شعر للتعبير؟

  • إذا نظرنا إلى الموسيقى كصناعة فإن كل جملة يكتبها الموسيقي هي عبارة بحد ذاتها وتعبر عن مشاعر وأفكار الفنان الذي ألّف الموسيقى. وكل فنان يحتاج دائماً إلى تطوير أدواته وجرأة تجريب أنماط جديدة، وأنا منفتح بالتأكيد لهذا الشيء. 

هل تستمع لموسيقاك في خلوتك؟

  • بعد الإنتاج والمشاركة في أكثر من أربع أسطوانات. في كل مرة استمع لها، كنت أشعر أن هناك فرصة حتى يكون العمل أفضل، تغيير من هنا وآخر من هناك.

كيف تنظر إلى تجربتك في النمسا اليوم؟

  • لا أستطيع أن أقارن إنجازاتي هنا بإنجازات موسيقي نمساوي. أنا أعيش بظروف مختلفة تمامًا، أنا جئت إلى هنا عام ٢٠١٢، وفي البداية كنت مضطرًا لأعمل في مطعم حتى  أتمكن من توفير مصدر دخل، وفي نفس الوقت لم أكن أعرف أحداً هنا، لهذا السبب كان محتمًا علي أن أتعلم اللغة وأعيد بناء شبكة علاقاتي وأبدأ بالعزف من جديد. لهذا أنا عمومًا غير راض ولكن أستمتع بالإنجازات الصغيرة وأتقبل الأخطاء وأحاول تجنبها في المستقبل.

 أحد معاني اسم عروة هو الشجر الملتف الذي لا يسقط ورقه شتاءً، هل من الممكن أن تقربنا الموسيقى من بعضنا وتساعدنا على الخلاص من هذا الشتاء الطويل والحزين الذي يعصف ببلادنا؟

  • نحن فقدنا أصدقاء، عائلات، منازل، وأصبحنا أعداء، هذه الحرب لامست وغيرت حياة كل سوري بدون استثناء، وتركتنا عاجزين وغير قادرين لتغيير الواقع على الأرض، الموسيقى لن تكون الخلاص ولن تنهي الحرب. لكنها طريق للنجاة. بـأرواحنا، وتراثنا.

 

المصدر: موقع قصتنا الالكتروني

.