القانون دستورالآلات الموسيقية

. مقالات

 د. نورة صابر المزروعي[1]  

 

 

ربما يتساءل معي القارئ الكريم لماذا سُميت آلة القانون بهذا الاسم وما سر تمركزها في وسط الفرقة الموسيقية؟ آلة القانون هي الآلة الرئيسة في التخت الشرقي المكون من (الرق والناي والقانون والكمان والعود) وقد عرّفها مدرس وعازف آلة القانون الشرقي في الشارقة فرات قدوري بأنها آلة تفرض تشريعاتها الموسيقية على الآلات الآخرى؛ أي هي بمثابة القانون أو الدستور لكافة آلات الموسيقى العربية. ويعنى بذلك أن بقية الآلات الموسيقة تعتمد اعتمادا كليا عليها. ويؤكد قدوري بأن الآلات الموسيقية العربية محدودة في مقاماتها ومساحتها الصوتية. بينما القانون يشمل كل المقامات العربية وبكل درجاتها، مماجعلت العازف ينتقل بسلاسة بين جميع المقامات؛ عكس الآلات الأخرى. فعلى سبيل المثال إذا أراد عازف الناي أن يغير المقام عليه أن يغير آلة الناي إلى آلة ناي آخرى حتى ينتقل إلى مقام آخر وهكذا. وبهذا "وُجِدَ القانون ليكون قانوناً للآلات الموسيقية العربية." ويقول مدرس آلة القانون في بيت العود العربي بإمارة أبوظبي بسام عبد الستار، إن آلة القانون هي المحرك الرئيسي لكل الآلات الموسيقية الآخرى. 

أجريتُ مقابلة مع أساتذة آلة القانون بدولة الإمارات وتركيا لإجلاء بعض الأمور المبهمة المتعلقة بنشأة وتطور هذه الآلة تاريخياً. في البداية يؤكد مدرس آلة القانون في أكاديمية الفجيرة للفنون الجميلة عمر زياد، إن القانون يرجع في أصله إلى آلة وترية تسمى "قانو" وهي تعود إلى العصر الآشوري الحديث (744-612) ق.م( انظر الشكل-1).  

الشكل - 1: آلة قانو الأشورية (المتحف الوطنى العراقي، بغداد.)

 

وتنوعت أشكال القانون عبر التاريخ بين المربع والمستطيل وشبه المنحرف. ويتفق أساتذة آلة القانون بأن العصر العباسي الأول شهد دخول آلة عذبة الصوت في قصور الخلفاء سميت بـ النزهة والتي كان لها صيت كبير زمن هارون الرشيد (766 -809). ( أنظر الشكل 2 و3) وهي شبيهة بآلة "قانو" الأشوريه، ثم طور أبو نصر محمد الفارابي (870-950 م) آلة النزهة لتتحول إلى آلة القانون الغنيه بأوتارها ومحسنة في شكلها ليصبح شبه منحرف بزاوية قائمة وهو الشكل المتداول حالياً. ويؤكد ابن أبي أصيبعة في كتاب «طبقات الأطباء» أن الفارابي "صنع آلة غريبة يستمع منها إلى ألحان بديعة، تثير الانفعالات". ويرجح أن تكون هي آلة القانون. كما يتفق ابن خلكان مع ابن أبى أصيبعة على أن الفارابي هو من ابتدعها.

الشكل 3 - آلة النزهة، العصر العباسي الأول 750-847
(أحد متاحف أوروبا ومصدرها تركيا)

يذكر الصانع التركي أرجان أفجي بأن الفارابي كان شغوفاً بالموسيقى و يجيد العزف على آلات متعددة منها العود والناي والقانون. ويرجع الفضل له في تطور علم الموسيقى نظرياً و عملياً. و له أهم مؤلفات في مجال تطوير الموسيقى الشرقية ومنها كتاب ( كلام في الموسيقى ) و(إحصاء الايقاع ) و ( كتاب في النقلة ) و( الموسيقى الكبير ). هذه المؤلفات أصبح لها دور كبير في تطوير علم الموسيقى و المقامات وجعلها ثرية بتفاصيلها الدقيقة و قواعدها الرياضية المطورة. ويذكر أفجي بأن الفارابي صنع وأدخل تحسينات على ما يقارب 30 آلة موسيقية مختلفة بالقياسات الدقيقة و بقواعدها الفيزيائية و من بينهما آلة العود والشهرود "الشاه رود" (انظر الشكل - 4).

الشكل 4 - آلة الشاهرود (كتاب الموسيقى الكبير، أبو نصر محمد الفارابي، ص 118)

وفي ما يتعلق بآلة الشهرود، يلاحظ في الرسم بأن الآلة مزدوجة الشكل تتكون من آلة النزهة في الأسفل وآلة الهارب في الأعلى. وقد ذكر الفارابي في كتابه الموسيقى الكبير "من الآلآت المشهورة في مملكة العرب آلة تسمى بالشاه رود وهذه إنما استنبطت في زماننا نحن ولم تكن تعرف فيما خلا من زمان، وأول من استخرجها واستنبطها رجل من أهل صفد، سمرقند، يعرف بحليم ابن آحوص ... حملها إلى أرض بابل حيث كان بها أعظم ملوك العرب في ذلك الزمان، ثم أدخلها مدينة بغداد ... ثم حملت إلى بلاد مصر وما وراءها، وسلك بها في بلدان الجزيرة والشام ... فلم يكنْ شيء مما وجد فيها من النغم متنافرا لأحد من الناس." 

ويؤكد أفجي بأن آلة الشهرود كانت ضمن تجارب الفارابي التي طورها ضمن الآلات الموسيقية الثلاثين. والجدير بالذكر أن آلة القانون انتقلت إلى العالم الأوروبي عن طريق الأندلس في القرن الثاني عشر الميلادي. ويذكر محمد الشقندي الكاتب الأندلسي أن القانون كان من أهم وأبرز الآلات الموسيقية المتداولة في الأندلس. كما أنها انتشرت في جنوب شرق آسيا عن طريق التجارة. 

ويوضح الفنان نصير شمه وجود مدرستين في صناعة القانون: المدرسة المصرية القديمة والمدرسة التركية الحديثة ( انظر الشكل 5 و6). ويتحدث عن اختلافات جوهرية بين القانون المصري والقانون التركي في الحجم وخامة الصوت ترجع إلى اختلاف المواد المصنعة، ومنها نوع الخشب. ويذكر بأن خامة صوت القانون المصري وثبات نغماته وصلابتها يفوق القانون التركي. 

الشكل 5 - آلة القانون الشرقي (alfananine.com)

 

الشكل 6 - آلة القانون التركي (قانون عمر زياد، والمصنع شركة أفجي قانون سيديو، 2019)

 

ويقول بسام عبد الستار، إن ذكاء الأتراك يكمن في جعل آلة القانون الشرقية الأصل تحمل هوية وبصمة تركية. فالقانون التركي بشكله الحالي - من حيث كثافة الـــعُـرَبْ والحجم والوزن -يشبه كثيرا القوانين الشرقية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. ويرجح عبد الستار بأن الاختلاف الحقيقي هو في أسلوب وتقنيات العزف بين المدرستين العربية والتركية، وتأثر كل مدرسة بالبيئة المحيطة بها وهو جعل لكل مدرسة شخصية منفردة وبصمة تميزها عن غيرها. وثاني الاختلافات نوع الريشه (البلاستكية أو المصنعة من ظهر السلحفاة) المستخدمة في القانون التركي والتي تعطي المقطوعة الموسيقية روحاً وهويةً تركيةً مختلفةً تماماً عن روح موسيقانا. ويتفق أساتذة القانون العرب بأن نوع الريشه هي جوهر الاختلاف بين المدرستين. فيؤكد عبد الستار بأن الريشة تصنع وفق ذائقة العازف لتعطي هوية خاصة به، أما الريشه التركية فهي محددة في صناعتها ولا تعطي حرية أكبر في التميز بين العازفين. ويرى عبد الساتر أن القانون المصري أغنى في مقاماته من القانون التركي. أما الصانع التركي أرجان أفجي فيقول بينما للقانون المصري نظام العُرب المسمى بالخماسي إلا أنه يعتبر بالنسبة للأتراك قانوناً ناقصاً مقارنةً بالقانون التركي إذ يفتقر الأول إلى الكثير من العُرب التي يمتاز بها الثاني. ويضيف أفجي: "القانون التركي يمتاز بثراء تكامله النغمي حيث فيه ربع الارباع (كوما )، مرتبة على نظريات الموسيقى التركية التي تختلف تماماً عن الموسيقى العربية نظرياً، ويعزف عليه جميع المقامات التركية بجميع فروعها و تحلياتها بسهولة لأنها تمتاز بربع الأرباع ( كوما)".

ويتحدث شمه عن قصور حقيقي في تطور صناعة القانون في العالم العربي: "نحن بحاجة إلى صانع حرفي من أمثال ربيع شرف وصابر عبد الستار". ويتساءل كيف يكون موطن القانون ومرجعه في الوطن العربي ونستورد قوانين تركية؟ ويؤكد ضرورة إجراء أبحاث ودراسات من قبل مختصيين لنوعية خشب تتحمل وتلائم ظروف البيئة العربية (الرطوبة ودرجات الحرارة المرتفعة) في صناعتها. إلا أنه يقر بحرفية صناعة القانون التركي والتي تمتاز بدقة متناهية."   ويكاد يكون شبه اتفاق بين خبراء القانون العرب بأن الأتراك يمتازون بحرفية وبدقة متناهية في الصنع من خلال إدخال تحسينات وتقنيات جديدة في صناعتهم وأهمها استقرار عملية الدوزان لمدة أطول مقارنة بالقوانين الشرقية. ويمكن القول بأن كلا القانونين الشرقي والتركي له من المميزات والصفات التي تجعله متفردا عن الآخر.

 

المصادر: 

1- نصير شمه، بيت العود العربي، دولة الإمارات العربية المتحدة ، أبوظبي، 7 -7-2019.

2- بسام عبد الستار، بيت العود العربي، دولة الإمارات العربية المتحدة ، أبوظبي ، 15-5-2019.

3- فرات قدوري، مركز فرات قدوري للموسيقى، دولة الإمارات العربية المتحدة ، الشارقة، 8-5-2019.

4- عمر زياد، أكاديمية الفجيرة للفنون الجميلة ، دولة الإمارات العربية المتحدة ، الفجيرة، 1-5-2019.

5- أرجان أفجي، آفجي قانون ستديو ، أزمير، تركيا ( AKS)، Avcı Kanun Stüdyo، 25-5-2019.

6- أبو نصر محمد بن طرخان الفارابي، كتاب الموسيقى الكبير، الصفحات 116-118.

 

المراجع:

http://alfananine.com/index/?page_id=5254

http://www.furatmusic.com/qanoon-arabic 

 


[1] أستاذ مساعد في أكاديمية الإمارات الدبلوماسية وعازفة على آلة القانون. حصلت على الدكتوراه في الدراسات الخليجية من معهد الدراسات العربية والإسلامية بجامعة إكستر بالمملكة المتحدة. أحدث منشوراتها كتاب العلاقات بين الإمارات والسعودية (2017) الحائز على جائزة العويس للإبداع في 19 نيسان/أبريل 2017 عن فئة أفضل كتاب نشرته مؤلفة إماراتية. ولها عمود في صحيفة الاتحاد الإماراتية و The National. شاركت في العديد من المؤتمرات الدولية في كامبريدج ولندن وأبو ظبي وواشنطن. بجانب ملفها الأكاديمي، فالدكتورة المزروعي شغوفة بالفنون وبخاصة الموسيقى. اعتادت العزف على الغيتار خلال دراستها في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. وبدافع شغفها بالموسيقى الشرقية، اتجهت لتعلم العزف على آلة القانون. تعكف حاليًا على بحث بعنوان "تأثير الموسيقى في حياتنا". ومؤخرا ألقت محاضرة بعنوان: التسامح عبر الموسيقى في القمة العالمية للتسامح. تشارك حالياً في دورة الدبلوم المهني لخبير التسامح الدولى في دبي.

[2] ابراهيم أفجي ، هو من اخترع القانون الكهربائي عام 2013 ، بتركيا.

.