العلاج بالموسيقى

. مقالات

إعداد   د. جورج داود

 

  • الموسيقى انطباعاتٌ و مشاعر

تفيدُ الدراسات بأن الإنسانَ الأوّل تعلّمَ الموسيقى دونَ أن يعيَ من خلالِ أصواتِ الطبيعةِ التي تحيطُ بهِ مثلَ المياه والرياحِ والعواصف والرعد وأصوات الحيواناتِ.  ثم عادَ فتمكنَ من امتلاكِ جميع تلك العناصر الموسيقيةِ لأن الإنسانَ يتلقى الأصواتَ التي يسمعَها كانطباعات، ثم يعاودُ إصدارَها من خلالِ الإمكاناتِ المتوافرةِ لدَيه.  فكلُّ انطباعٍ يصلُ إلى مسامِعِهِ يحتوي على نَواةِ صوتٍ موسيقيٍّ محدّد.  ومن أبسطِ الأصواتِ الموسيقية المعبِّرة التي استعملَها الإنسان الغِناء (دون الكلام طبعاً).  ويُعتَبرُ الغناء أولَ نوعٍ من أنواعِ التطوير للنماذجِ الصوتيةِ التي اختزنها[1].  ومنالأسئلةَ التي تطرحُ نفسَها هنا: إلى أيّ مدىً يمكنُ القولُ إن الموسيقى قادرةٌ على إثارةِ المشاعر، وهل تعبّرُ بالفعلِ عن مشاعرَ حقيقية[2]؟

 

بحسب  إيديث لكور، يمكنُ أن تكونَ أنواعُ التفاعلاتِ متنوعةً جداً بالنسبةِ لنفسِ المقطوعةِ الموسيقية، وهذا لا يعتمدُ فقط على ثقافةِ كلِّ شخص، وإنما أيضاً على شخصيتِه.   من ناحيةٍ أخرى، فإن هذا الجانبَ الإيجابيّ بالنسبةِ لإمكانات استخدامِ الموسيقى يجعلُ من الصّعبِ الاختيارَ بينَ عملياتِ العلاجِ  بالموسيقى المختلفة[3].

 

أما المفكرةُ الأميركيَّة سوزان لانجر فتعتبرُ بأن أشكالَ الشعورِ البشريّ تتطابقُ معَ الأشكالِ الموسيقيةِ أكثرَ منها مع أشكالِ اللغةِ المحكيَّة، وأنّ الموسيقى يمكنُ لها أن تكشفَ طبيعةَ المشاعر بتفصيلٍ ودِقّة لا يمكنُ للغةِ مقاربتَها.  وتضيفُ بأن لِلموسيقى خصائصَ تتجاوزُ الّلغة.  وفي كتابها "ممارسة الفلسفة،" تروِّجُ للموسيقى على أنها "من أنقى الوسائلِ الرمزيةِ للتواصل مفترضةً بأنّ الطبيعةَ اللونيةَ للموسيقى لا تسمحُ بها هيكلةٌ لغويةٌ بَحتَة وأن التشابُهَ بين الموسيقى واللغة، هو أبعدُ من دلالةِ الكلمات بحدِّ ذاتِها، لأن الموسيقى ليس لها دلالاتٌ ثابتة على طريقةِ اللغةِ المَحكيّة، وإنما إيماءاتٌ يُمكنُ لها أن تكونَ معروفَةٌ دون أن تُسمّى لفظياً. 

 

في الواقع، إن الموسيقى هي بحدِّ ذاتها تَركيبةٌ لتجربةٍ فريدة لا يمكنُ ترجمتُها وأداؤها من خِلالِ نظامٍ آخر، فالتعبير الموسيقي عن كلّ ما هو "غيرمنطوق" هو أكثرُ انسجاماً مع أشكالِ الشعور البشري من التعبيرِ اللغوي، وهذا ما يعطيها قّوتَها في الكشفِ عن المشاعر[4].

 

  • الموسيقى واللغةُ في التواصل 

الموسيقى والّلغة هما من الوسائلِ البشريةِ الفطريةِ للتواصل، وهما مرتبطتانِ بميزاتٍ مشتركةٍ وتشابُه.  وتؤكد الأبحاث على وجودِ أبعادٍ نَحويّة، ودَلاليّة، وعاطفيّة في كِلتا الحالتين.  إن التواصُلَ العاطفي موجودٌ في اللغة كما في الديناميات الموسيقية على حدٍّ سواء.

 

أما الدراسة التي أجرتها ساره فايبر فتهدفُ إلى معرفةِ ما إذا كانَ بإمكانِ اللغةِ المَحكية إيصالُ أحاسيسِ العبارةِ بنجاح، مقارنةً بجملةٍ موسيقيةٍ تبغي نقلَ نفسِ المشاعر.  وتمّ اختيارُ المشاركين لننقل انطباعاتهم إما من خلالِ الموسيقى وإما من خلال النثر وعلى سلالمَ منها ما يوحي بالسعادة ومنها ما يوحي بالحزن.   وأظهرتِ النتائجُ دقّةً في الترتيبِ الانطباعيّ وإمكانيّةَ إيصالِ محتوىً عاطفيٍّ من خلالِ العبارةِ المحكيّة.  ولكن عندما كانت نفسُ الانطباعات تُنقلُ من خلالِ الموسيقى، كانت تبدو أكثرَ كثافةً وتنوعاً[5].

 

  • دورالعلاج بالموسيقى عبر التاريخ

 

  1. عند العبرانيينوالإغريق

مثلما رافقت الموسيقى الإنسانَ منذ وجودِه، كذلكَ أيضاً العلاج بالموسيقى الذي تعودُ بداياتُه إلى فجرِ الإنسانية.  إن وجودَ العلاقةَ بين الطّبِّ والموسيقى كرّسَتها الكثيرُ من الأساطيرْ التي أتَت على ذِكرِ ذلك.  لكنَّ عَدمَ امتلاكِ الشعوبِ القديمةِ للتفسيرات العلميَّة التي يوفرُها العِلمُ الحديث، جَعَلها تربِطُ قدرةَ الموسيقى بالسِّحر.  فأپولون وهو إلهُ الموسيقى والطبِّ في آنٍ واحد، بنى جِسراً ما بين هذين التخصُّصَين.  وفي بعضِ الطقوس، استُعمِلَتْ موسيقى وهتافات لعِبَتْ أدواراً وظيفية "سحريّة" ضدّ الأمراض، وكانت تعتبرُ في كثيرٍ من الأحيان، وسيطاً بين الآلهةِ والإنسان.  إن الألحان والإيقاعات التي سَحَرتْ أورفيوس على آلة القانون تركَت لديْهِ آثاراً مدهشةً وسِحريّة.  أمّا الإنسانُ البدائيّ، فاستخدَمَ الغناءَ والرقصَ في طقوسٍ سحرية لطردِ الأرواحِ الشريرة المُسَبِّبة للمرضِ والألم[6].  كما أن كهنةَ معْبدِ أبيدوس، الذي كانَ مركزاً طِبيّاً خِلالَ فترةِ مِصْرالقديمة، تعاملوا مع المرضِ من خلالِ الأغاني الشعائريةِ في ذلكَ الوقت، واعتقدوا بأن الموسيقى تقرِّبُ المرضى من الآلهةِ التي يمكنُ لها بعدَ ذلك أن تَغفِرَ لهُمُ الذنوب، وبالتالي تَشفيَهُم. 

 

كثرٌ همُ الفلاسفةُ والمؤرخون والعلماء الذين كتبوا عن فعاليّةِ الموسيقى كعاملٍ عِلاجيّ.  ففي كتابِهِ "ألجمهوريّة،" كشفَ الفيلسوفُ اليونانيُّ أفلاطون بأن صِحةً جيدةً من جسمٍ وعقل، يمكنُ أن تدومَ بشكلٍ ثابت من خلالِ الموسيقى وقوّتِها العلاجيّة.  أما أبقراط، فرأى بأن الصِّحةَ مرتبطةً بتوازنِ المِزاج وأنه يمكنُ للموسيقى تغييرُها[7].

 

وهكذا نرى بأن الخصائصَ العلاجيّةِ للموسيقى عُرفت منذ أقدمِ العصور، ودَخلت جميعِ مراحلِ الحياة، عند المجتمعاتِ البدائية، كوسيلةٍ للشفاء فتواجدت عند العبرانيين، والإغريق،  وفي العصور الوسطى وخلالَ عصرِ النهضة.

 

  1. عند العرب والشرق الإسلامي

إن بعضَ الأطباء عندَ العرَب كانوا يؤمنونَ بأهميةِ وضرورةِ التعليم والتدريبِ الموسيقي، وقد كتبَ الفلاسفةُ والأطباءُ المشاهيرْ مثل الفارابي وابن سينا، كُتباً محترفةً وأطروحات حولَ المبادئِ النظريةِ والعمليةِ للموسيقى وإمكانياتِها.  كما وُجِدت تطبيقاتٌ طبيّةٌ من خلالِ الموسيقى والصوتيات في أنواعٍ مختلفةٍ من المخطوطات، بما في ذلك الأدبُ الطبّي والمقالات الموسيقية والمقالات الصّوفيَّة، وكذلك في التقاليد العرقيّة الفارسية.  وقد تبلورَت الصوفيّة في الشرقِ الإسلاميّ بِمُمارساتٍ تجاوزت الفرائِضَ الإلزاميةَ المعتادة وذَهبت باتجاه تأديةِ رقصاتٍ  مصحوبةٍ بآلاتٍ موسيقيةٍ مُختلَفة.  وقد تجنبّت هذه الطقوسُ استخدامَ الآلاتِ الموسيقيةِ الكلاسيكيّة وانحصرَت بأنواعٍ من المواسيرِ والمزاميرِ والطبول.

 

بعضُ الطقوسِ استعملَت نُطقَ أسماءِ الله في طقوسِها.  وكانت النّشوةُ تتميزُ بالتعابيرِالعفويّةِ التي تُسببُها الحَرَكاتُ الجَسَديّة وبخاصةٍ حركةَ الذراعِ وبعضَ الخطواتِ البسيطة التي تَمّتْ إضافتُها إلى تلك الطقوس.  واعتمد الرقص في القرنِ الرابع عشر كما هو واضحٌ في اللوحاتِ الفارسية والسّورية[8].

 

  • بدايات العلاج بالموسيقى بمفهومها الحالي

في فرنسا والولايات المُتّحدة،  بدأ تطبيق العلاج بالموسيقى في نهايةِ الحربِ العالميةِ الثانية، حيثُ وجدَ الاطباءُ في مراكز الاستشفاءِ أنفُسَهم فجأة مُجبَرينَ على التعامُلِ معَ الجنود الذين يعودونَ من الجَبهة، والذينَ كانوا يعانون من الكوابيس ويشعرون بالاكتئابِ الشديد.  وتمّتْ معالجةُ صدماتِهم من خلالِ الاستماعِ للموسيقى الكلاسيكية لكي يتمكنوا من التغلّبِ على القلق.

 

أما تأثيرُ الموسيقى على الدِّماغ، فقد دُرِّس فعلياً منذُ بضعة عقودٍ فقط.  وهو حاليّا ًمجالُ بحثٍ للعديدِ من الأطباءِ في العالم ِأجمع،  حيث برهنوا من خلالِ أبحاثِهِم وجود قُدرة استثنائية للموسيقى على عددٍ كبيرٍ من مرضى الألزهايمر، والباركنسون، والتوحُّد.  كمَا أظهرت العديدُ من الأبحاث أن دراسةَ الموسيقى خلالَ مرحلة الشباب تنحتُ وتطوّرُ حركةَ الدِّماغِ، والصِّلات بينَ نصفي الكتلةِ الدماغيةِ للإنسان تؤثر إيجاباً على جميع أنواعِ الذاكرة.  فأثناءَ استماعِه لأُغنيةٍ يعرفُها من قبل، سوفَ يستذكِرُ ما قد سمعَهُ ليتوقعَ ما سوفَ يأتي.  إنها ذاكرةُ المدى القصير التي سوف يتمُّ تطويرُها، وخصوصاً الذاكرةَ الأكثرَ صلابةً في الدماغ، ألا وهي ذاكرةُ الإيماءات أو الذاكرةُ الإجرائية.  فعلى سبيلِ المثال، إذا تعلمنا قِطعةً موسيقية على آلةٍ ما خلالَ فترةِ الطفولة ، ثمّ عُدنا إليها  بعدَ أربعينَ عاماً ، حتى لو لم نتذكّر قراءَة تدوينها الموسيقي، فإن الأيدي سوفَ تتذكّرُالإجراءاتِ التي اعتادَتْ تطبيقَها من قبل.  ومن هُنا يمكنُ القولْ بانَّ تعلُّمَ الموسيقى يقوي منطقةً عميقةً من الدّماغ تسمى "الحصين" إيبوكامپ. وهي كنايةٌ عن "قِمعٍ صغير" لحفظِ الذكريات.  عندَ مرضى الألزهايمر، هذا الحصينُ يصبحُ مسدوداً بعضَ الشيء ، ممّا يمنعُهُم من اختزانِ المعلوماتٍ الجديدة ، حتى القديمةُ منها لا تمرُّ من خلاله بسهولة. من هُنا فإن دراسةَ الموسيقي تطوِّرُ هذا الحصين، وقد ثبُتَ ذلك بالفعل من خلالِ التصويرِ بالرنينِ المغنطيسيّ الذي أظهرَ أن الحصينَ عند الموسيقيين يكونُ حجمُهُ أكبر[9].

 

لمدّة خمسينَ عاماً، أدّت أبحاثٌ واختباراتٌ جديّةٌ في المستشفيات والمختبرات إلى إثباتِ أنَّ إفرازَ هورمونَ  الاندورفين إثرالاستماعِ للموسيقى هو بمثابةِ مسكِّنٍ للآلام، لذلك فإن بعضَ الخدماتِ الاستشفائية باتت تقترِحُ الاستماعَ للموسيقى كتكملةٍ للمسكناتِ والأدوية الكيميائية، ممّا يساعدُ  المرضى على الاسترخاءِ والتهدِئة.  وقد شجّعت نتائجُ تلكَ الابحاث على تأسيسِ ما يقاربُ مائةَ مركزٍ صِحّيّ في جميعِ أنحاءِ العالم للعلاجِ بالموسيقى وإنشاءِ العديدِ من مراكزِ التدريب لتعليمِ هذه التقنية.

 

منذُ بِضعِ سنوات، أدركَ الباحثون أن الموسيقى يمكنُ أن تكونَ صديقاً قيّماً للحدِّ من الاضطراباتِ الناتجةِ عن إصاباتِ الدّماغ، وخصوصاً بين أولئكَ الذين كانوا ضحايا السكتة الدماغية (الكوما).  حالياً، تمّ التأكُّد بأن الاستماعَ للموسيقى يشجعُ على استعادةِ اللغةِ المفقودة.  وأصبحَ العِلاجُ بالموسيقى نظاماً يَستخدِمُ المؤثراتِ الصوتيّة والموسيقى على الإنسان من أجلِ إنشاءِ وإعادةِ تأسيسِ قنواتِ تواصلٍ  معَ نفسِهِ ومعَ الآخرين، ما يسهل عملياتِ إعادةِ الاندماج.   والعلاج بالموسيقى وجدَ جذورَهُ في عالمِ الصوتيّات التي تحيطُ ببيئة المريض فتحفزه وتقوي الأجزاءَ الصحيحةَ عنده من خلالِ التعبيرِعن إبداعِه وفعاليَّتِه في سياقٍ غيرَ لفظي[10].

 

  • الفرعان الرئيسيان للعلاج بالموسيقى المعاصرة
  • العلاج الاستقبالي بالموسيقى

يستند على الاستماع لأعمالٍ موسيقية.  إن العلاجَ الاستقبالي بالموسيقى يسمحُ للمريضِ بالتعبيرِ عن عواطفهِ، وإجراءِ التغييراتِ السلوكيّة عبرَالاستماعِ لموسيقى مختارة مُسبقا.  والنواحي العلاجية لهذه الطريقة متعددة:

  • المساعدةُ على تطويرِ المهاراتِ المعرفيّة مثلَ الانتباهِ و الذاكرة
  • تسهيلُ عمليةِ التغلُّبِ على الصعوبات في توفيرِ بيئةٍ خَلّاقة مواتيةٍ للتعبيرِعنِ الذات
  • استحضارُ الذكرياتِ وتحفيزُ الأفكار والصور والمشاعر.

 

  1. الأساليبُ الناشطةِ للعلاجِ بالموسيقى

إن الأساليبَ الناشطة  ترتكزُ بشكلٍ أساسي على الارتجالات الصوتية أو الآلية التي تجعلُ المريضِ مساهماً في علاجِ نفسهِ.  ويجري ذلكَ من خلالِ علاقةٍ مزدوجةٍ معَ المعالج، أو ضمنَ مجموعَة.   وهذا العلاج يسمحُ، بالاضافةِ إلى الاستماع، التحرُّر والتخلي تدريجياًّ عن الحساسيةِ والعُدوانية.  ومن الناحيةِ العَمَليَّة، لا يستطيعُ متلقي العلاج استخدامَ دفاعاتِه بسهولة: فهي تسقطُ تدريجيّاً من خلالِ الآلةِ المسموحْ لهُ بالتقاطِها، فتولَدُ المُتعةُ من خلالِ جماليّاتِ الصوت، وتعزيز الوعي[11].

 

في المرحلةِ الأولى من أيِّ عِلاج، تساعدُ الموسيقى الأشخاصَ الذين يعانون من الاضطرابات الحركيّة، على تحسينِ التنسيق والمهاراتِ الحركيةِ الدقيقةِ والعامَّة.  كمَا يساعدُ العزفُ الجماعيّ الأشخاصَ الذين يعانون من مشاكلَ سلوكيّة، على التحكُّمِ في نبضاتِهِم غيرِ المُنضَبِطَةِ الإيقاع، من خلالِ العمل داخلَ بُنيةٍ جماعيَّة.  ويساعدُ التعبيرالموسيقيُّ على بناءِ الاستقلالية، وتقديرِ الذّات،  كما يمكنُ لهُ المساعدة في  التواصلِ تدريجيّاً مع الآخرين.

 

ومن رُوَّادِ تلكَ الأساليب نذكرُ على سبيلِ المثال روبنز ونوردوف اللذين استخدما الآلاتَ الإيقاعيةِ على أنواعِها مع الأشخاص المتأخرين[12]. أما الارجنتيني بنانزون، فقد اخترعَ طريقةً خاصةً بالأطفالِ المصابينَ بالتوحد. وتعتمدُ منهجيتُه على مبدأين أساسيين:

  • التطابق وهو العلاقةُ الوثيقةُ بين الفردِ والموسيقى في زمنٍ محدّدٍ منَ المقطوعة، ذلك في لحظةٍ دقيقةٍ من تطورِها،
  • والعنصُرُ الوسيط الذي  يعرّفُ عنهُ أنهُ "أداةُ تواصلٍ"  قادرةٌ على علاج ِالمريض عن طريقِ العلاقة.  ويمكِنُ أن تكونَ هذه الأداة على سبيلِ المثال الآلةَ الموسيقية إذا تم اختيارُها بشكلٍ صحيح من قبلِ المعالج.  أمّا ضمنَ المجموعة، فقد تكونُ هذه الأداة ﻣﺘﻤﺜلةً باﻟمعالج نفسَه.

 

ومن جهتها، تعتمدُ طريقة  دجوليات - لويز ألفن على تحضيرِ الجَلسات وفقًا لأدقِّ المؤشّرات التي تُجَمعُ بعناية. والارتجالُ الحرّ والتلقائي داخل هذه الطريقة وسيلةً "لتحرير الحياة العاطفية" للمريض.  والثوابتُ التي اعتمدتها ألفين وآمنت بها هي:

  • أيُّ طفل، حتى لو كان متأخّراً، هو كائنٌ حسّاسٌ للموسيقى.  ومن هنا، يجبُ الوثوق بِهِ واستخدام إمكاناتِه والتكيّفَ مع مُقترحاتِه من أجلِ تحقيق نجاحَ الجلسة.
  • البِدءُ بصوتِ الطفلِ ومحاولة تقليدِ الصوت الذي يصدِرُهُ من خلالِ الآلاتِ المُتاحة.
  • العملُ على مقاومةِ التوحُّد ودعمِ المتوحدين من خلالِ إزالةِ المظاهرِ العُدوانيَّة[13].

 

أما نحن، فقد أبدينا اهتماماً بالعزف على الآلات الإيقاعية محاولين الإفادة من بعض اختبارات نوردوف وروبنز وإجراءِ بعضِ التعديلات بُغيةَ تسهيلِ استخدامِ بعض الآلات.  وبالتالي، فقد تمَّ اختيارُ الآلات وفقاً لقُدُراتِ الأطفال البدَنيَّة واحتياجاتِهم، من أجلِ توظيفِها لأغراضٍ علاجيّة وتعليميّة وترفيهية.  وكان الهدفُ الرئيسي من هذه الأنشطة العثورُ على صيغةٍ  تجمع  هؤلاء الأطفال المتأخرين من خلالِ مُتعةِ العملِ الجَماعي، بينما كُنّا نحاولُ تأمينَ فوائدَ في مجالِ التعليمِ والعلاج.

 

  • أهمية التكييف (التعريب)

إن الغالبيةَ العظمى من الأطفال ذوي التأخر الفكري في لبنان يتكلّمونَ فقط اللغةَ العربية.  من ناحيةٍ أخرى، هُم أبناءُ بيئةٍ اجتماعية وأصحابُ ثقافةٍ مشرقيةٍ عربية لها جوانبُها وخصائصُها، فالقليلُ منهم اعتاد الاستماعَ للموسيقى الكلاسيكيةِ الغربية.  وبما أن الدراسات التي ارتكزنا عليها والتي أُجريت في الغرب، تستخدمُ الموسيقى الكلاسيكية والأنواع الغربيّة في أبحاثها،  فقد وجدنا أنهُ من الضروري  تكييفُ الوسائِلِ المعتمدةِ عالمياً لتتوافق مع ثقافةِ الطفلِ اللبناني، وتذوقهِ لموسيقاه التقليدية.  لذلك، فإنّ اختيارَ الأغاني والألحانَ والإيقاعات تمَحوَرَت بشكلٍ خاص حولَ الموسيقى الشرقيةِ العربيّة.

 

  • الأهميّةُ العلاجيّة للعزفِ على الآلاتِ القرعِيّة

ارتكازاً على تلك الفرضيات والدراسات، وجدنا مصلحةً كبيرةً للعملِ من خلالِ الآلاتِ الإيقاعية وذلك لعدة أسباب:

  1. بيولوجيًا، إنّ هذه الآلات تتيح التوازي بين حركةِ القلب والنظامِ  التنفسيّ.  أما نفسيّاً، فهي  توفِّر الأحاسيسِ المطمئنةِ  للطفل
  2. ان غالبيةَ علماءِ الأعصاب وعلماءِ الوراثة يُقرّونَ بأن 15 إلى 20٪ من كاملِ إمكاناتِ القدراتِ البشرية تُستَخدَم بواسطة طرقِ التدريسِ الكلاسيكية ويعتقدون وجوب تعلّمُ العزف،  لا ليصبحَ المتعلّمُ محترفاً أوعازفاً، إنما ليحقِّقَ تطوُّراًعلى المستوى الفكري. 
  3. إن  استخدامَ الآلات الإيقاعية اليدويّة، يحفِّزُ الاهتزازاتِ الاستقباليّة الدقيقة في الأعضاء المولجة بالقيام بالحركة كما يطورُ العضلَ في الجِزءِ العُلوِي من الجِسم، ويعطي معلوماتٍ أساسيةٍ للدماغ، كما أنهُ يؤمّنُ حركةً للمِرفقين والمقابض، ممّا يساهمُ في تطويرِالمهاراتِ الحركيّة وتنسيقها، فيدركُ العازفُ أين هما ذراعاه؟ وكم هما منحنيان؟ وكم هناك من حاجةٍ إلى القوةِ والطاقة لتحقيقِ التوازنِ المطلوب[14].
  4. إن العزفَ الجماعي يساعدُ على تفريغِ المشاعرِ من خلال الموسيقى والإيقاع.
  5. هذا العزف يُجبرُ المشارِك على الاستماع والإصغاء ليكونَ قادراً على المرافقه بشكلٍ صحيح فيطوِّر الذاكرةَ لأنهُ يلزَمُه حِفظِ المقطوعة لمعرفةِ متى عليه أن يدخل وكيف، فيتبع تسلسلَ الجُملِ الموسيقية ويذهبُ بالتوازي معَها لتكونَ ردودُ فعلِه متزامنةً معَ المجرياتِ الموسيقية.
  6. يطوِّر هذا العزفُ المهارات الرقميَّةَ عندَ الطفل من خلالِ نقلِ ما هو مجرَّد إلى ما هو محسوس. إن الشعورَ بالمقاديرِالعدديةِ التقريبيّة يتبلورُ خلالَ مرحلةِ الطفولةِ المُبكرة، لكنّ ربطَها بالحركةِ الجسدية المُقاسة التي يوفرُها العزف، سوف يتجسّدُ بواسطةِ النبضِ الموسيقي ممّا يُسهِـمُ في تحفيز مُهمةِ العَدّ في اللاوعي.

 

  • نماذج مسجَّلَة عن العزف الجماعي على الآلات الإيقاعيّة

وأثناء المداخلة تم عرض بعضَ النماذجِ المُسجَّلة من العزفِ الجماعيّ في مركز الحياة.  وجرى تبسيط للتعليماتِ عن كيفيةِ استخدامِ الآلات واختراعُ وسائلَ تتناسبُ مع قُدُراتِ ذوي الاحتياجات الخاصة.

 

  • الأغاني التثقيفية

يمكن للأغاني التعليميّة ان تلعبَ دوراً  هاماً في إيصال المفاهيم الأكاديمية وبخاصةٍ مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.  وكلُّنا يعلم كيف أن أغنيةَ الأبجدية باللغة الانكليزية A B C، والتي تمَّ تكييفُها مع لحنِ موتسارت، أتاحت للاطفال قد تعلم الأبجديةَ من خلالها؟ وكم منّا لا يزالُ يرددُها  ليتذكّر؟  وعليه، يمكنُ أن تساعد الموسيقى على تعلّمِ العديدِ من المفاهيمِ المختلفة، مثل: أيام الأسبوع، أشهر السنة، المفاهيم الرقميّة والحقائق العلميّة أو التاريخيّة. واستناداً لذلك، نعرض مشاهد من أُغانٍ تعليميةوضعناها خصيصاً لخدمة تعليمِ الأطفالِ ذوي الاحتياجات الخاصة.   وقد حرِصنا استعمالِ لهجةً مُبسّطة، يَسهُلُ فَهمُها  ومعتمدين التَّكرار مرفقاً بسندٍ بصري يساعدُ على ربطِ المفاهيمَ  بالأحاسيس من خلالِ إشراكِ حاسةِ البَصَر لدى الأطفال.

 

  • أشكالٌ  أخرى من العلاج الترفيهي الناشط بالموسيقى
  • الدروس الفرديّة: هي تعليم العزف على آلةٍ موسيقية لاستحضارِ هدفٍ علاجي
  • مجموعات الأداء الصغيرة:  تشكيلُ مجموعاتٍ صوتيةٍ صغيرة  لتلبيةِ أهدافٍ علاجية
  • مجموعات الأداء الكبيرة: إشراكُ عشراتِ الأطفال على شكلِ جوقاتٍ أو مجموعات في ممارسةِ الموسيقى وأدائها تلبية للأهداف العلاجية. إن الغناء الجماعيّ ضِمنَ جوقة يساعدُ على مُعالجةِ اضطرابات اللفظ لدى المشاركين، كما يساهمُ في تحسينِ قُدراتِهم التعبيرية والتحكُّم في الجهازِ التنفسيّ لدَيهِم.  وفي الجلساتِ الجَماعية، يطوِّر المشاركون وعيًا تواصليًا أكبر مع الآخرين
  • مجموعات الإيقاع: إن الأطفالَ الذين يعزفونَ بشكلٍ جماعي يستوعبون، ويحفظون عن طريقِ إعادةِ إنتاجِ أنماطٍ وتسلسلاتٍ إيقاعية أو حركاتٍ منفصلة، باستخدامِ الأنماطِ الإيقاعيةِ المختلفة.

 

  • تقديم نماذج حيّة من مجموعات الأداء

وفي الختام، أدعو مجموعة أطفال "مركز الحياة" إلى المنصة لعرض نماذج حية تعكس بعض التجاربِ معهم كمجموعة غنائية وكمفردين، وقد  سبق لهم أن تعلّموا العزفِ على آلاتٍ نغَمية وإيقاعية. 

 

 



[1]Schubert, E., et Renard, S. (2010) « Les fonctions fondamentales de la musique », Musique et évolution, Wavre, Mardaga, « PSY-Théories, débats, synthèses », pp. 35-46.

URL:http://www.cairn.info.ezproxy.usek.edu.lb/musique-et-evolution--9782804700232-page-35.htm

[2]PankseppJaak, Gratier Maya, (2010). « Les antécédents émotionnels de l'évolution de la musique et du langage », Musique et évolution, Wavre, Mardaga, « PSY-Théories, débats, synthèses », p. 187-206.

URL : http://www.cairn.info.ezproxy.usek.edu.lb/musique-et-evolution--9782804700232-page-187.htm

[3]Lecourt, E. (1974). Les techniques psycho-musicales, The World of Music, Vol. 16, No. 2 , pp. 17-33Published by: Schott Music GmbH & Co. KGStable

URL: http: //www.jstor.org/stable/43774562Accessed:4-03-2017 

[4] Innis, Robert E. (2009). Susanne Langer in Focus, edited by Robert E. Innis, Indiana University Press, ProQuest Ebook Central, Created from usek-ebooks on 2017-01-21 05:56:49, p .23

[5] Faber, S., &Fiveash, A. (2014). Emotion Without Words: A Comparison Study of Music and Speech Prosody. Canadian Journal Of Music Therapy, 20(2), p.86

[6]Calame, C. (3/2006) « Récit héroïque et pratique religieuse. Le passé poétique des cités grecques classiques », Annales. Histoire, Sciences Sociales, (61e année), pp. 527-551.

URL : http://www.cairn.info.ezproxy.usek.edu.lb/revue-annales-2006-3-page-527.htm

[7]Virginie, P. (2007) « La musique nous est offerte avec la vie », Résiliences, Toulouse, ERES, «Hors collection»,

DOI :10.3917/eres.ain.2007.01.0287, p. 288

[8]Kashshaf, G. (2009). Sound of Sama: The Use of Poetical Imagery in South Asian Sufi Music.

Comparative IslamicStudies, 5(2), 273-296.

DOI:10.15581cis.v5i2.273

[9]Lemarquis P. (2010). Sérénade pour un cerveau musicien. De la musique comme braise de résilience chez l’âgé, Réminiscences, Toulouse, ERES, « Hors collection », pp. 146-147.

[10]Schubert Emery, Renard Stéphane, (2010). « Les fonctions fondamentales de la musique », Musique et évolution, Wavre, Mardaga, « PSY-Théories, débats, synthèses », 2010, p. 35-46.

[11]Moyne-Larpin Y. (1988). Musique pour renaître, Ed. Desclée de Brouwer, Paris, p.3

[12]Verney, R., &Ansdell, G. (2010). Conversations on Nordoff-Robbins Music Therapy. Gilsum, N.H.: Barcelona Publishers, p. 35

[13]Moyne-Larpin Y. (1988), Musique pour renaître, Ed. Desclée de Brouwer, Paris, p.34.

[14]Gzibovskis, T., &Marnauza, M. (2012). Development of young adults' fine motor skills when

learning to play percussion instruments.Music Education Research, 14(3), pp.365-366.

Doi:10.1080/14613808.2012.685453