فارس الوردة (*)

. قرات لك

عبد العزيز ابن عبد الجليل

 

في سبتمبر من سنة 1949 ودع ريتشارد شتراوس (Richard Strauss) الحياة إلى الأبد ليخلف ذكرى ما انفكت أصداؤها ترجع بين الموسيقيين وهواة الموسيقى على السواء. وتخليدا لذكراه فقد أطلق اسمه على مهرجان ميونيخ السنوي على غرار مهرجان بايروت(Bayreuth)الذي يحمل اسم المؤلف الموسيقي فَاجنر (Wagner).

ومن المعلوم لدى مؤرخي الموسيقى ونقادها أن كلا من أوبرا "سالومي" (Salome) و"إليكترا" (Electra) لشتراوس اللتين قدمتا على المسرح تباعا عام 1906 و1909 أسهمتا بقوة في تجديد الكتابة الموسيقية مع بدايات القرن العشرين، على أنه لم تكد تمضي سنتان على عرض "إليكترا" حتى فاجأ شتراوس عالم المسرح والموسيقى بتحول كبير من خلال أوبرا "فارس الوردة" (Der Rosenkavalier) التي لقيت في التَّـوِّ نجاحا كبيرا، والتي شكلت بوضوح عودة المؤلف إلى أجواءالكتابة الكلاسيكية، إن لم تكن واضحة بما يكفي على صعيد البناء الغنائي، فهي جلية حتما على صعيد الكتابة الهارمونية.  

وهكذا فإن شترواوس الذي فسح المجال ولو جزئيا للكتابة الأتونالية في "إليكترا" لم يفتأ أن عاد مع "فارس الوردة" إلى الكتابة التونالية في وقت كان عالم التأليف التونالي من حوله ينهار تحت معاول كبار المؤلفين في فرنسا كما في قلب أوروبا ممن استبدلوا هذه الكتابة بنقيضتها، أو بالكتابة المودالية، وأخيرا بالكتابة السوريالية. ومع ذلك ففي لجة هذا التحول استطاع شتراوس أن يستخرج من الأسلوب التونالي المتهالك مزايا وتعبيرات جديدة، وأن يبتدع لغة موسيقية تجمع بين الطرافة  والأصالة.

واليوم وقد مضى من الوقت ما خفف من حدة هذه اللجة، فقد غدا من المستحيل أن يغفل المستمع الواعي عن الرباط العميق والقوي الذي يوحد بين هذه الأوبرا وبين اللواتي تلتها، بل حتى  بينها وبين كل من أوبرا "سالومي" و"إليكترا".