وظيفة التنفس في الغناء

. مقالات

عبد العزيز ابن عبد الجليل

 

عندما أذكر أول لقاء كان لي مع أستاذة الغناء الكلاسيكي بالمعهد الموسيقي، أتذكر في نفس الوقت أنها توجهت إليّ بالسؤال الآتي: ما الغناء؟ قالت ذلك بنبرة تنم عن جدية وإصرار، وهي تنطق الكلمات في بطء مقصود مقطعاً مقطعاً؛ فاجأني السؤال، وأطرقت لحظة أفكر في الجواب ملياً، ثم انطلقت في الإجابة عنه، وأخذت ـ في غير قليل من التكلف والتصنع، وتحت عامل المفاجأة ـأجهد نفسي في اختيار الكلمات المنمقة لبيان مزايا الغناء، وألوكها بين شفتي محاولاً صياغة عبارات تفي بالإجابة عن السؤال. ها هنا قاطعتني أستاذة الغناء قائلة: الغناء هو أن تعرف كيف تتنفس.

لم أدرك يومها عمق هذا التعريف، ولكني - مع مضي الأيام، وتعاقب حصص الغناء الكلاسيكي - أصبحت أعرف أهمية التنفس بالنسبة لمن يمارس الغناء بصوته، وأصبحت أميز بين أنواعه الحلقية والأنفية، والقصيرة والطويلة. وكأني بأستاذة الغناء وهي تحكي صدى مقولة قديمة للموسيقي المصري محمد بن الطحان عندما تحدث عن "تقدير الأنفاس" في كتابه "حاوي الفنون وسلوة المحزون" فقال: أَجْودُ النّفَس ما كان خفيفا عند مقاطع أجزاء الصوت وفواصله، بحيث لا يحس به السامع، فإذا أحس به كان مستقبحا مستهجنا؛ وأَجْودُ النّفَس الطويل ما كان في المواقع الصعبة الطويلة، وفي إعلاء النغمة وصيحة الصوت وتجنيبته".      

التنفس الجيد أساسي بالنسبة للمغني.  وأجود المغنين الذي يعرف كيف يملأ رئتيه هواء بعد التأكد من فراغهما، مثلما يعرف كيف يصرفه بشكل يحفظ للصوت توازنه ويجنبه الإرهاق، ويحفظ للجملة الموسيقية في ذات الآن تماسكها، ومدلولها، وفواصلها.