مقام على المقام

. مقالات

مفيد نجم

على قلة الأبحاث المتخصصة التي قدمها الباحثون والدارسون العرب في دراسة الموسيقى الشرقية وتاريخها، فإن ظهور دراسات علمية موثقة تبحث في تاريخ هذه الموسيقى من قبل باحثين أجانب أولعوا بالبحث والتنقيب وتدوين هذا التاريخ الغني والحافل يكشف عن الإهمال الذي تعرضت له موسيقانا من قبل الدارسين والمختصين العرب لأسباب مختلفة، في الوقت الذي استحوذت فيه هذه الموسيقى على اهتمام وتقدير هؤلاء الباحثين الذين يأتي في مقدمتهم الباحث والموسيقي الايرلندي هنري جورج فارمر الذي درس الموسيقى الشرقية قبل أن ينهي دراسته في مجال الدراسات الشرقية في جامعة جلاسكو.  وقد جعلته معرفته الكبيرة بالموسيقى الشرقية من أهم المتخصصين الغربيين في مجال دراسة هذه الموسيقى.  وتعود أهميته إلى كتابه الذي وضعه عام 1929 حول تاريخ الموسيقى العربية ثم أتبعه بكتابه الذي حمل عنوان “حقائق تاريخية عن أثر الموسيقى العربية في الموسيقى الغربية في القرون الوسطى وعلى نظرية الموسيقى".  لكن اهتمامه تجاوز البحث في أثر هذه الموسيقى وتاريخها إلى التنقيب عن مصادرها ومخطوطاتها الضائعة في المكتبات العربية والغربية وتدوين النتائج التي توصل إليها في كتاب “مصادر الموسيقى العربية 1929”، ثم كتابه “تأثير موسيقى الشرق في بعض اتجاهات الموسيقى الغربية في القرن العشرين”، الذي ما زال حتى الآن يشكل مرجعا مهماً وأساسياً للباحثين والدارسين للموسيقى العربية.

غناء العرب القدماء

ينقل المؤلف عن أبي المنذر هشام الكلبي أن الغناء العربي كان على ثلاثة أوجه هي، النصب الذي كان يشكل غناء الركبان، والقينات، والسنتد الثقيل الترجيع والكثير النغمات، والهزج الذي يثير القلوب ويهيج الحليم.  وأصله كان في أمهات القرى من بلاد العرب كالمدينة والطائف وخيبر ووادي القرى واليمامة ودومة جندل، حيث كانت أسواق العرب تقام فيها. ويتناول تاريخ الموسيقى عند العرب ابتداء من العصر الإسلامي الذي يعتبر كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني أكبر سجل للموسيقيين العرب في هذا العصر. ولا شك في أن قيمة الكتاب لا تنبع من كونه شكل مرجعا رئيسا لمعظم الكتب اللاحقة وحسب، بل تتأتى من أنه حفظ لنا أسماء المؤلفات الموسيقية التي اقتبس منها، وفقدت فيما بعد باستثناء بعض كتب الجاحظ. ويتناول الباحث قصص المغنين في العصر الذهبي الإسلامي الذي يمتد من العصر الأموي وحتى العصر العباسي، ثم ينتقل لدراسة الأغاني في الليالي العربية نسبة إلى ليالي "ألف ليلة وليلة" التي استحوذت بغرائبها وسحر عالمها الحكائي على الخيال الغربي. ومنذ البداية يشير إلى غياب اهتمام علماء الموسيقى بدراسة الموسيقى والموسيقيين في تلك الليالي، في حين أن القليل الذي كتب كان بعيدا عن الصواب. ولعل المستشرقين الألمان كانوا أفضل حالا من نظرائهم الفرنسيين، لكن المستشرقين الإنجليز عموما اتسموا بموضوعية أفضل لا سيما الثلاثي لين وباين وبرتون.  لقد ارتبطت الموسيقى في حكايات ألف ليلة وليلة غالبا باللهو ومجالس الشراب وسماع القيان. وتبين مطالع القصائد أنهم لم يستعملوها لمجرد الجري وراء اللذات المحرمة إذ كانت غذاء للصوفي والدرويش، إلا أن الليالي لم تشر إلى هذا الاستعمال إلا نادرا لكنها تبين أن فن الموسيقى وصل في الأراضي الإسلامية أوجه في بيوت الطبقات الراقية والمتوسطة، حيث ولدت هناك الموسيقى العربية التقليدية إلى جانب القصيدة والقطعة والنوبة التي تضم الموسيقى الآلية والغنائية.

إن تلك الموسيقى لم تتجاوز في بعض الأحيان استعمال الناي مع العود أو الناي والشبابة منفردين وفي بعض الأحيان كان يرافقهما الدف أو الطبل، وكذلك الجنك والسنطير اللذان يكمل أحدهما الآخر، في حين يشترك العود والدف والقانون في عزف مقطوعات أخرى.  أما أكبر مجموعة موسيقية تتحدث عنها الليالي فتتألف من العود والجنك والقانون والناي، ويمكن تسمية ذلك بالجوقة، إلا أن هذا الاجتماع لم يكن مألوفا سوى في العهد العباسي الأخير.  لقد كانت وظيفة الجوقة العسكرية في أيام السلم عزف بعض القطع الموسيقية في ساعات خاصة من اليوم.  أما في أيام المعارك فتقوم بالعزف المستمر طوال مدة المعارك بعيدا عن ساحات القتال.  وتتألف الفرقة كما تذكر حكايات الليالي من مجموعة مختلفة من الطبلة أو الكاسات، وفي بعض الأحيان من البوقات والطبول أو من البوقات والكاسات أو من المزامير والكاسات أو من المزامير والطبول.  وكانت أكبر الفرق تتألف من الكاسات والأبواق والطبول والمزامير.  لقد شكلت الموسيقى مصدر إلهام للدراويش ووسيلة علاج للطبيب، وملهاة للخليع ومسرة للوقور. وقد اعتبرها الفارابي وابن سينا علما من العلوم التي شغلتهم، ولعل هذا ما جعل قينة مثل تَوَدُّد تفخر بمعرفتها بفن الموسيقى. إن تأثير الموسيقى كان واسعا وتروي حكاية البائسين الثلاثة أن الموت لم يكن يحول دون سماع الموسيقى، أما قصص إغماء المستمعين فكانت كثيرة. ويلفت الباحث النظر إلى أن فهم هذا التأثير الكبير للموسيقى غير ممكن ما لم نبحث في المعنى السحري الذي مثلته في الثقافة العربية القديمة.

موسيقى الشرق والغرب

لم يكن التمايز بين الموسيقى الشرقية والموسيقى الغربية كبيرا في القرن العاشر، بل كان لا يذكر حتى يمكن ردهما إلى أصل واحد بسبب اعتمادهما في فترة من الزمن على (المقام) وفقا لأبعاد السلم الفيثاغورثي، وما ورثتاه من عناصر محددة من اليونان والسريان، إضافة إلى أن كليهما لم تعرفا الموسيقى اللحنية، أما الفرق بينهما فتمثل في أن العرب كانوا يملكون نظاما في الموسيقى، ويدركون ما يسمى بالزخرفة اللحنية التي كان لها تأثير مباشر على الموسيقى الغربية.  ويؤكد الباحث أن مما ساعد على أن تثبت النظريات المتقدمة وجودها الدور الذي لعبه الأصفهاني. وقد بدا واضحا أن الموسيقى العربية أخذت عن الموسيقى الفارسية والخراسانية التي بدورها تأثرت بالموسيقى العربية التي حظيت فيها الموسيقى الصوتية بمكانة واهتمام فاق الاهتمام بالموسيقى الآلية وحدها، بسبب التأثير الذي كان يمارسه الشعر عليها.  ويعد إسحاق الموصلي أول من وضع النظام العربي القديم في الموسيقى بقالب جديد.  ويعتبر الرياضي الخوارزمي من الذين أحدثوا فتحا جديدا في نظرية الموسيقى ونشرها بين الناس.

ويورد الباحث أسماء العشرات من علماء الموسيقى العربية ومؤلفاتهم، كما يتحدث عن قيمة النظرية الموسيقية عند العرب وتأثر المؤلفين الغربيين بالعديد من تلك المؤلفات أثناء وجود العرب في الأندلس، كما عمل العرب على إدخال العديد من الآلات الموسيقية إلى أوروبا كان أولها أسرة الآلات الوترية، ثم الآلات ذات القوس. ولعل الفائدة الكبرى التي استفادتها الموسيقى الغربية من الموسيقى العربية، تمثلت في الموسيقى الإيقاعية.  وقد لعبت الترجمات للمؤلفات الموسيقية العربية دوراً في انتشارها في أوروبا ومعرفة الأوروبيين بها.  كما لعبت الترجمات اللاتينية للمؤلفات العربية نفس الدور، حيث ظهر الطابع الشرقي في الموسيقى الغربية في ثلاثة اتجاهات، ظهر الأول في النماذج الإيقاعية، والثاني في الصيغ اللحنية، أما الثالث فتجلى في النماذج الأتونالية في الموسيقى.

ويقدم الباحث للدارسين والمهتمين بالتراث الموسيقى العربي القديم جرداً بالمخطوطات الموسيقية العربية الموجودة في مكتبة بودليان ودار الكتب الأهلية بباريس، إضافة إلى أنه يقدم تعريفاً بالكتب الموسيقية التي وردت في فهرست ابن النديم في القرن العاشر. كذلك يفرد فصلا كبيرا للتعريف بـ"الأصوات" في كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني، ويتحدث عن نظرية الكندي في تأثير الإيقاع واللون والعطور، وعن كتابات الفارابي في الموسيقى العربية كما وردت في الترجمة الفرنسية للكتاب.

المصدر: جريدة الإتحاد الإماراتية

 

.