كيف أعرف أكثر اكتساب حس تذوق الموسيقى وتفهم معانيها دون كلمات؟

. مقالات

تذوق الموسيقى حس يعبر عن الحرية في الاختيار، ويمثل القدرة على الفهم من خلال مهارة الاستماع الطبيعية والتدريب على الآلات وما تعنيها كل آلة بالنسبة للإنسان الطبيعي، ولهذا يحتاج الإنسان لتذوق الموسيقى بشكل يجعله متمتعا بوقته متفهما بما تعنيه الموسيقى إلى أذن مرهفة وتدريب يسمح للمعاني أن تتغلغل إلى النفس.

اعتبر أفلاطون الفن أحد المحركات الأساسية الدافعة للتقدم البشري، وتوحيد الأحاسيس ودفع عجلة التميز والارتقاء بالذوق العام، وعادة ما تُستخدم الموسيقى في توحيد الشعور الجمعي ومحاربة الأفكار المتطرفة خاصة أثناء حدوث التغيرات السياسية وفي فترات الحروب، وفي فترات ما بعد التغييرات. تعمل الموسيقى على لملمة أشتات الروح وتبعث فيها المعاني السامية للحب والخير والجمال، كما تنقي الروح من أدرانها، وترفع مستوى شفافيتها، وتبهج النفس، وتبعث فيها طاقة إيجابية دافعة لحب الحياة والعمل على التقدم فيها. والتذوق الموسيقي هو القدرة على تذوق مواطن الجمال في الروح مع تدريب الحواس التي خلقها الله للإنسان على الوحدة والتناغم بين مجموعة المشاعر المختلفة للحواس، ويسعى التذوق الموسيقي للتأكيد على قيمة الإنسان واكتشاف ما يسعى إليه بالبحث والتحليل والتفسير. والتذوق الفني والجمالي هو الإحساس المرافق لسياقات فنية وجمالية، وينتقل الإحساس من مناطق الإدراك الحسي ذات الخصائص المميزة والمهتمة بالجمال والإدراك الحسي. والذوق الموسيقي ليس قيمة ثابتة لها مقاييس منتظمة أو خصائص ثابتة ينتظم فيها التعريف بالوسائل والأساليب، ولكنه قيمة متغيرة تتسم بالموضوعية والشخصانية والانطباعية، وتختلف من شخص لآخر حسب استعداده.

 

تذوق الموسيقى العربية

بدأت الموسيقى العربية بأراجيز بسيطة يغنيها الراعي أثناء رعيه لغنمه وإبله، وانتشر الغناء في العصر الجاهلي بسبب كثرة الألحان في هذا العصر، وعلى الرغم من انتشار الغناء إلا أنه اقتصر على الأراجيز والانتظام على وتيرة واحدة في مساحة صوتية محدودة، واعتمد الغناء في العصر الجاهلي على القصائد العربية الموزونة المقفاة، وكان يعتمد المغنون على الأوزان الخفيفة وخاصة الرجز منها. وتطور الغناء والاستمتاع به بداية من العصر الأموي بعد زيادة الفتوحات الإسلامية لبلاد ما وراء النهر، ثم ازدهر الغناء في العصر العباسي الذي اعتبر ذهبيا للموسيقى العربية في الشرق والغرب متمثلا في الأندلس حيث وجدت الدولة الأموية وانتقل إليها زرياب، الذي أحدث ثورة موسيقية كبيرة، أرهفت قلوب أهل الأندلس، وابتكر آلات جديدة وزاد أجزاء في بعضها، وافتتح دار المدنيات التي اهتمت بالرقص والغناء. شهدت الموسيقى العربية طفرة كبيرة في العصر الحديث على يد الملحنين العظام ومغنيي العصر منذ منتصف القرن الـ19 وحتى نهايات القرن الـ20 على يد وحناجر أعظم ملحني الموسيقى العربية ومغنيها، محمد عبد الوهاب وأم كلثوم، فريد الأطرش وأسمهان، فيروز وعبد المطلب وسيد مكاوي وسيد درويش وعبد الحليم حافظ وشادية وعبده الحامولي وغيرهم ممن صنعوا مجدا تليدا للموسيقى العربية في فورة تقدمها. أشاع هذا الجيل في الموسيقى العربية روح الأمل، واستطاعوا أن ينقلوا الموسيقى من أماكن اللهو والشراب إلى البيوت والقصور، وامتلأ هذا العصر برواد كبار مثل الشيخ سلامة حجازي، رائد المسرح الغنائي العربي، وعبد الحامولي، زعيم المدرسة الغنائية التقليدية القائمة على المواويل، ومحمد عثمان، رائد التلحين في مصر، وأم كلثوم، سيدة الغناء العربي، بالإضافة إلى الأعلام من كل الدول العربية. أصدر عدد من الكتاب مؤلفات في تذوق الموسيقى العربية وكيفية فهم مراميها حتى ولو كانت غير محتوية على كلمات، وتأتي على رأس هذه المؤلفات كتاب “تذوق الموسيقى العربية” للمؤرخ الموسيقي محمود كامل، الذي يستعرض بعض الأشكال الغنائية والتعريف بها، ويقدم نماذج للأشكال الغنائية كالقصيدة والدور والموشح والطقطوقة. ويعالج الكتاب المقامات الموسيقية المؤلفة من مجموعة متنوعة من النغمات مثل البياتي وصبا وحجاز ونهاوند وعجم وغيرها من المقامات المشهورة، ويشرح تفصيلا الآلات الموسيقية العربية المتنوعة كآلات النقر والإيقاع كالطبلة، وآلات النفخ كالناي، والآلات الوترية كالكمان، إضافة للأصوات الناتجة عن  استخدام فم وحنجرة الإنسان كالمكاء والتصدية والهامنج.

 

تذوق موسيقى العالم

 

لكل مجتمع ثقافته وفنونه ورؤاه المختلفة، ولا تنتقل الثقافات من شعب إلى شعب برؤى الشعب الذي يستفيد من الثقافات المنقولة، بل تنتقل الثقافات بكل مدلولاتها وخلفياتها، كما هي دون تلاعب أو تغيير، لكنها لا تخلو من تأثير متبادل.

والموسيقى الغربية هي مصطلح يطلق على الأنواع الموسيقية الناشئة في الغرب كالراب والبوب والجاز، التي نشأت وتطورت في الدول الأوروبية والقارات التي تم اكتشافها حديثا كالأمريكتين وأستراليا، وتعتمد الموسيقى الغربية على آلات لها خصوصيتها، وتتعدد الأصوات في الموسيقى الغربية ويتغيّر فيها التوزيع الهرموني القائم على الصوت الواحد في الموسيقى العربية. وتتميز الموسيقى الغربية بتعديل سلالمها الموسيقية، إذ تتغير فيها مواقع الدرجات لتصبح المسافات كلها فيها من مضاعفات نصف التون، بينما تستخدم الموسيقى العربية ما يسمى بربع التون أو مسافة ثلاثة أرباع التون بين درجات السلم المختلفة. وتتميز الموسيقى العربية بغزارة إيقاعاتها، وإدخال عناصر من الموسيقى الغربية ضمن إيقاعاتها المختلفة كالتانجو والرومبا، وتشترك الموسيقى العربية مع الغربية في أجزاء من تركيباتها، كما تتشابه عناصر من النوعين معا، وتتميز الموسيقى العربية بالدفء والجفاف، ما يفسر استخدام الآلات ذات الصوت الخاوي أكثر من الآلات ذات الصوت الممتلئ، لكن الموسيقاتين لا تفترقان إلا بمقدار ما تلتقيان، وتتمركز الفروق بينهما في الكلمات التي تجعلهما مختلفتين، وقد تستمع لمقطوعات عالمية وتظنها عربية، والعكس بالعكس.

 

التذوق الموسيقى والاستماع

لا شك أن الوسيلة الوحيدة للاستمتاع بالموسيقى وتذوق جماليتها والوقوف على كمية الإبداع والتحولات فيها هي الاستماع إليها، وأوضحت دراسة أكاديمية هولندية أن الاستماع إلى موسيقى مبهجة أثناء العمل قد يحفز طريقة مغايرة من التفكير ، ما يؤدي إلى الابتكار وحل المشكلات. وللاستماع للموسيقى فوائد، ترتكز معظمها على تغيير الحالة النفسية ، خاصة وأنها تمثل عالما موازيا يستطيع الإنسان معايشته والعيش وسط أنغامه: الاستماع للموسيقى التي تحبها تولد لديك شعورا بالسعادة، يمتزج بالأمل والتطلع للمستقبل، إضافة إلى التحفيز على مواصلة النشاط. الاستماع للموسيقى يساعدك على أداء تدريباتك الرياضية؛ لأنها تزيد من دافعيتك، وتزيد من تدفق الدماء في العروق ما يزيد من النشاط والقدرة على بذل مجهود رياضي أكبر. التمتع بالاستماع إلى الموسيقى والاستغراق فيها يخلصك من الضغوط العصبية التي تحملها، وتفتح أبوابا لك للاسترخاء والهدوء، ولذلك ينصح الأطباء النفسيون بقضاء وقت ثابت يوميا في سماع الموسيقى.

وينصح الأطباء بالتمتع بسماع الموسيقى لبعض الوقت قبل الخلود للنوم بـ45 دقيقة، ما يجعل جسدك مسترخيا بشكل كبير. كما تخلصك الموسيقى الكلاسيكية من الاكتئاب والطاقة السلبية التي ستجعلك تعاني من ضيق في الصدر، وعدم اتزان في المزاج النفسي والعصبي. وتعمل الموسيقى على تقوية قدراتك العقلية، وتؤخر من ظهور علامات الشيخوخة، إضافة إلى تهدئة المرضى قبل إجراء العمليات الجراحية الكبرى، وتساعد على تسكين الآلام بفاعلية أكبر من فاعلية الأدوية. كما تساعد الموسيقى في خسارة الوزن، خاصة عند الاستماع إليها أثناء تناول الوجبات، ما يساعد في حرق مزيد من السعرات الحرارية، أخيرا تساعدك الموسيقى على تحمل الازدحام، وتقليل شعورك بالضيق والغضب.

 

المصدر: موقع تسعة