الأغنية الشعبية الفلسطينية سلاح ناعم عابر للقلوب

. مقالات

مصطفى محمد أبو السعود

من جماليات الفكر الثوري الناضج  تفعيل كل ما يمكن من أدوات ووسائل تساعد في تعميق الوعي الثوري في نفوس الجماهير وإيصال رسالة الثورة إلى كل إنسانٍ داخل الوطن وخارجه، فتنويع وتفعيل الوسائل والأدوات هو عاملٌ مشجعٌ على بقاءِ الثورةِ حية تنبض، ويضمن عدم جمودها وتقوقعها.

ومن بين الأدوات التي يجب على كل ثورة حسن استثمارها الأغنية باعتبارها سلاحاً ناعماً عابراً للقلوب لما لها من قوة تأثير في نفوس الجماهير، فهي تبيّن لهم أن عليهم حب الوطن، ولماذا عليهم أن يحبوا وطنهم؟ وكيف يحبون وطنهم؟ وتحرضهم على ضرورة الدفاع عنه ضد أي عدوان خارجي، كما في حالتنا الفلسطينية.

فالأغنية  الشعبية هي من الثرات الشفوي المنقول من الأجداد إلى الآباء فالأبناء، لذا تحتل مكانة رمزية ذات قيمة عالية عند الجميع، ويتداولونها فيما بينهم  بكل اقتدار وافتخار.

وقد جسدت الأغنية الواقع الفلسطيني وعبرت عنه بكل تفاصيله، فنجد أغانٍ تتحدث عن حب الوطن والاشتياق والحنين له، وعن الثورة والغربة والهجرة والنكبة والمخيم والانتفاضة بكل مراحلها، وعن رجال الثورة بكافة أطيافهم السياسية.  كما تضمنت الأغنية الشعبية صوراً واضحة من العادات والتقاليد التي يتحلى بها شعبنا الفلسطيني، حيث تحدثت عن طقوس الزواج والأفراح والنجاح والأحزان والصبر والكرم والنخوة وغلاء المهور وطقوس الختان وطقوس مواسم حصاد الثمار ولعب الاطفال وبناء البيت، وأغانٍ تطرقت لأدوات معيشية تركها الفلسطينيون في قراهم التي هجروا منها، وتناولت بطاقة التموين وبابور الكاز والبيت القديم، وكانون النار في الشتاء واجتماع الناس حوله، والأواني الفخارية، والتغزل بالبندقية ومدح المقاوم وقدح المساوم.  ولم يغب الإسلام عن الأغاني الشعبية، وعن الأغاني التي تتحدث عن حصار غزة وتشيد ببطولات الشهداء والجرحى والأسرى والمرأة الفلسطينية. وهي بذلك أغانٍ تعكس البيئة والحالة النفسية والعادات الملازمة للشعب الفلسطيني.

ولم تقتصر الأغنية الشعبية على وصف ما حدث في الماضي واستحضاره، أو على وصف ما وقع من حوادث حالية، بل إن بعض الأغاني تتحدث عن رؤية مستقبلية عن الواقع الفلسطيني، وإننا سنحرر بلادنا وسنرجع لها ونطرد الغزاة منها.  وقد برز تأثير وضوح الأغاني ذات الصبغة المستقبلية في مسيرة العودة حيث ظهرت أغنية "راجع مش راح أبقى لاجئ مش راح أظل عايش في الملاجئ".  وقد غنت فيروز أغنية تحمل نفس المعنى حين قالت " سنرجع يوماً إلى حينا ونغرق في دافئات المنى".

إن الأغنية الشعبية كانت ولا تزال شكلًا من أشكال مقاومة الاحتلال، وأذكر أنه في الانتفاضة الأولى كانت قوات الاحتلال تمنع إذاعة الأغاني الوطنية الحماسية في بيوت عزاء الشهداء لأنها تدرك قدرة الأغنية على التأثير في نفوس الجماهير، وتخشى من تحريضها لهم على المواجهة.  وكانت قوات الاحتلال تصادر أي اسطوانة تعرف أن بها أغانيَ وطنية حماسية، لكنها لم تستطع منع انتشارها أو مراقبتها والحد من تأثيرها، لأنها كانت تنتشر كالنار في الهشيم وكان الناس يحفظونها في قلوبهم.

إن الأغنية الشعبية كانت حاضرة في قلب وعقل الفلسطيني أينما حل وارتحل.  وأذكر أنه حينما كنا ننظم ملتقيات للجالية الفلسطينية في المغرب أو في المؤتمرات الطلابية أو معارض الكتاب، كانت الأغنية الشعبية حاضرة وبقوة لأنها من أدوات التأثير في الآخرين وكسب تأييدهم  للقضية الفلسطينية.

ومن أهم الأغاني الشعبية " ظريف الطول " و"مشعل" و"الميجنا" و"الدلعونا" و"يا حلالي ويا مالي" و"الموال". 

ومن أشهر من غنى الأغاني الشعبية، أبو عرب وشفيق كبها وعلاء الجلاد وميس شلش وسميح شقير وسناء موسى ومحمد عساف وكثيرون غيرهم.

أختم بأنه حتى الأغنية الفلسطينية لم تسلم من الغطرسة الصهيونية حيث يحاولون تحريف كلماتها وإعادة تسجيلها بموسيقى عبرية كي توحي بأن هذه الأغنية هي أغنية يهودية عبرية .