الموسيقى في البحرين تداخل الثقافات العربية والإفريقية

. مقالات

يعاين الناقد الدنماركي "بول روفسنغ أولسن" في كتابه "الموسيقى في البحرين" الذي ترجمته وحققته فاطمة الحلواجي وصدر سنة 2005 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، فعل المشافهة التي اتبعت منذ القدم في حفظ الإرث الموسيقي البحريني وتناقله من جيل إلى جيل.

ويعتبر اولسن في كتابه الذي يتطرق إلى الآلات الموسيقية انه قد يكون بالإمكان التعميم على سائر أنواع الموسيقى بأنها انبثقت من الموسيقى الصوتية لافتا الانتباه إلى أن الآلات الموسيقية عادة تخدم أدوات مرفقة ومكملة للغناء، إلا أن العزف يكون مأخوذا عن ذخيرة من الألحان الصوتية لأنه وفي كل الحالات تعتبر جميع الآلات الموسيقية مستلهمة من التقنيات الصوتية الخاصة بمناشئها الأصلية إذا اعتبرنا هذه العبارة قياسا بموسيقى العالم العربي بأكمله في صحيحه دون شك فيما يتعلق بالموسيقى البحرينية.

ويرى أولسن أن معظم الآلات الموسيقية البحرينية معروفة في معظم أنحاء العالم العربي كالجفطي والقربة والصرناي والعود والطمبورة والدمبك والدف والمرواس والكاسر.

ويستعرض أولسن رقصة العرضة أو رقصة الحرب التي تؤدى بمصاحبة الطبل والطار والطوس وتعني إظهار أو إثبات القوة لافتا الانتباه إلى أن هذه الرقصة جاءت إلى البحرين من شبه الجزيرة العربية حيث أنها نشأت بين البدو ولا تزال تعتبر أحد ملامح التعبير عن عالم البداوة، إضافة إلى الرقصات الاحتفالية الأخرى مثل العاشوري والدزة، وكذلك غناء الغوص الذي يرى بأنه من الخطأ اعتباره حكرا على البحرين مشيرا إلى أنها ميزة تميزت بها مناطق أخرى من الخليج العربي كالكويت وقطر وأبو ظبي، إلا أنها دائما ما كانت تحظى بمكانة بارزة للغاية لدى المجتمع البحريني منبها في نفس الوقت إلى أن صناعة الغوص شكلت المورد الأوسع لمدخول الجزر حتى العام 1932 حين اكتشف أول حقل للنفط في البحرين، ومبيناً أن الأغاني ترتبط ارتباطاً مباشراً بصيد اللؤلؤ.

ويؤكد أولسن على أن جزءاً لا يمكن إنكاره من الشعب البحريني ينحدر من أصول إفريقية ترجع سلالاتهم إلى عبيد أُعتقوا أو آخرين لجأوا إلى البحرين فارين من مناطق خليجية أخرى، مشيراً إلى احتفاظ البحرينيين السود ببعض تقاليد أجدادهم الموسيقية التي استطاعت الاندماج بشكل أو بآخر في النمط الثقافي المحلي مبيناً أن غالبية عازفي الطبل والطار في مجموعة العرضة الإيقاعية هم من السكان السود، وأن هذا قد انعكس على عزفهم الجماعي، فلا يلاقي المستمع صعوبة في التفريق بين الغصن والكورس أو بين عازف الطبل وعازفي الطبول المكملة. وهذا المفهوم بالذات مستوحى من شرق إفريقيا وغربها حيث يشكل عادة متوارثة في تلك المناطق، وهنا تتحد الثقافات والتقاليد الإفريقية والعربية البدوية خالقة من اتصالها مبتكراً جديداً حيث لا تشكل معرفة مصدر السمات الإفريقية المتداخلة في العرضة مثلا فروقات كبيرة ومهمة وما إذا كانت تنتمي إلى هذا الجزء الإفريقي أو ذاك.

ويخصص أولسن فصلاً لأنواع الغناء الديني ليخوض في مشكلتين رئيسيتين أو ربما ثلاث: الأولى، دراسة الغناء الإسلامي وغير الإسلامي معا؛ والثانية، لا غناء في الإسلام أو على الأقل ليس ذلك الغناء وثيق الصلة بالإظهارات الخارجية للإسلام، مستثنياً من هذه القاعدة غناء المتصوفة والدراويش، حيث تعد الموسيقى عاملاً قوياً وأساسياً في لقاءات الذكر أو ما شابه، لتساعد في الجهد المبذول لخلق نشوة بهيجة واتحاد مع الله.  غير أنه لا توجد جماعات صوفية في البحرين، إلا أن الكتاب اعتادوا مؤخرا على إدراج هذه التعابير الدينية في دراساتهم وإصداراتهم حول الموسيقى.

ويتطرق أولسن إلى الاعتراف بوجود مشكلة ثالثة وهي صعوبة تحديد ما إذا كان الغناء دينياً أو غير ديني لافتاً النظر إلى أن الديني والدنيوي يتشابكان في البحرين كما في معظم بقاع العالم في معظم التظاهرات أو الأحداث الاجتماعية معتبراً أنه من المنطقي أن نقبل بمختلف المجموعات الغنائية التي تؤدي أساساً بناءً على مسبب سحري تبطنه عقلية المغني.

كما يتطرق أولسن إلى الآذان مبيناً أنه يشكل نمطا موسيقياً وبطرق مختلفة في الشرق الأوسط، معتبرا أن هذه الاختلافات تعود إلى جغرافيا البلد وموقعه والتأثيرات التاريخية فيه والطريقة التي وصل فيها الإسلام إليه.

 

عن صحيفة الغد الأردنية