ألوان فريد الأطرش وتطوير الموسيقى العربية

. مقالات

بقلم شيرين عبده

المزج بين الموسيقى العربية والموسيقى الأوروبية الكلاسيكية أو الغربية باختلاف أنواعها كان أحد سمات الكثير من المشاريع الموسيقية العربية الهامة، بداية من سيد درويش، وإدخال أغانيه قوالب الألحان الأوروبية واستعارته الجمل اللحنية والمقامات وطريقة الغناء المميزة لها، مرورًا بجيل الملحنين المجددين -قياسا إلى عصرهم- كان من بينهم فريد الأطرش.

مرّ فريد الأطرش خلال طفولته بعدة أحداث درامية مثيرة كان لها أثرها الملموس على تكوينه الموسيقي، من بينها أن أمّه الأميرة علياء المنذر السورية كانت نقطة البداية والتأثير الأكبر على تكوينه الموسيقيّ. وسرّ هذا أن الأمراء والأميرات في ذلك العهد كانوا يتعلمون كافة أنواع الفنون ومنها الموسيقى والعزف على الآلات وتحديدا العود، وكانت الأم تتقن الغناء ولجأت إليه كمصدر رزق حين تعسرت أحوال الأسرة المادية.  من هنا، دخل فريد عالم الغناء في الملاهي الليليّة بمصر. كما أثّرت إقامته في لبنان خلال طفولته على وعيه الموسيقيّ، حيث أتى لبنان مع عائلته هاربًا من بطش الاستعمار الفرنسي،  فانطبع الفلكلور اللبناني داخل أذنه ووعيه.

بدأت مسيرة فريد الموسيقية بعدم تمكنه من أداء اختبار معهد الموسيقى الشرقي في القاهرة، وهو الأمر الذي حرمه من تعلم الموسيقى بشكل أكاديمي، فتعلم بعدها العود على يد فريد غصن ومحمد القصبجي ورياض السنباطي. ثم استدعاه أحد رواد الموسيقى المصرية مدحت عاصم ليبدأ التعاون الفني، بغناء فريد لألحانه على إيقاع التانغو (كرهت حبك، من يوم ما حبك فؤادي، ميمي) وإيقاع الرومبا (مقدرش). ولعل هذه الجرأة في استيراد الإيقاعات الموسيقية غير العربية هي ما أسس الرغبة في التجديد عند فريد الأطرش لاحقًا، وإن مارسها في إطار مختلف آخر.

بدأ في محطة تالية استخدام الموسيقى الغربية والأوروبية كقالب لتلحين القصائد العربية الفصحى وهو ما اعتبره الكلاسيكيّون ثورة عارمة على التقليدي، ونافسه في ذلك محمد عبد الوهاب، ومن تلك القصائد "يا زهرة في خيالي"، و"عدت يا يوم مولدي".

قامت فلسفة فريد الأطرش في التلحين على أن الألحان هي ترجمة مطابقة للكلمات، متبنيا قضية تخليص الغناء العربي من التطريب التركي والتطويل الممل، ورغم هذه الفلسفة فإن ألحانه للقصائد العربية الفصحى اتخذت شكل الأغنية الطويلة (ذات المقدمة الموسيقية والجسم والخاتمة ولم تخل من التطويل) وكانت أقل أعماله نجاحًا جماهيريًا في مقابل أغانيه القصيرة بمختلف اللهجات.

الامتزاج بين الألوان الموسيقية السورية واللبنانية والمصرية لدى فريد الأطرش ترك أثرًا واضحًا يمكن لأي مستمع أن يلمسه في أغانيه القصيرة. ومزْج الفلكلور الذي ورثه من هذه البلاد في ألحانه مضيفاً إليها شخصيته اللحنية المتميزة منتجاً جملاً لحنيّةً شديدة الأصالة والمصرية، ولكنها ذات إيقاعات وأثر شامي.

في الأغاني القصيرة، حملت إيقاعات الأطرش في روحها الدبكة وإيقاعات الأغاني الشعبية الشامية الثلاثية الوحدة في قالب رباعي النغمات، مثل (فوق غصنك يا لمونة، وتأمر ع الراس وع العين، وسنة وسنتين)، في حين حمل بعضها إيقاعات مصرية جدًا. ويمكن القول بأن لفريد الأطرش أغان أكثر مصريّة من حيث الأصالة واستلهام روح الفلكلور المصري من ملحنين مصريين نافسوه في هذه المنطقة، ومن هذه الأغاني (نورا، يا جميل، جميل جمال، ما قال لي وقلت له).

ويمكن تلمّس عبقرية هذا الفنان في صعوبة فصل الفلكلور في ألحانه صعب عن الجمل اللحنية للأغنية، رغم أنه يمكن للمستمع المتمرّس تمييز الجمل اللحنيّة عن جمل الفلكلور في أعمال الملحن القدير بليغ حمدي مثلاً.

كما حملت ارتجالاته الصوتية روح الميجانا والعتابا، وهما فنّا الموّال الشاميّان اللذان نشأ فريد على سماعهما من أمه. وفي المقابل، حملت التقاسيم اللحنية على العود الروح المصرية من حيث المقامات والنقلات بين فروعها.

أما عن قضيته المتبناة، وهي المزج بين الموسيقى العربية/الشرقية والموسيقى الأوروبية/الغربية، مع الحفاظ على هوية الأولى، فقد نجح فريد بجدارة في الحفاظ على سطر الغناء النغمي شرقيًا بين المقامات المصرية والشامية، بينما تنوعت الإيقاعات المصاحبة الغربية بين التانغو والرومبا والفالس مثل (وياك، يا زهرة في خيالي)، مع الاحتفاظ بتوزيع النغمات المصاحبة غربيًا عن طريق الأوركسترا المصاحبة.

المحطة التالية في مسيرة فريد شملت تغييرًا في شخصيته الموسيقيّة كلما لحن لمطرب جديد. فقد لحن لأخته أسمهان كما كان يلحن لنفسه، لدرايته بصوتها ولتطابق خلفياتهما الموسيقية، وظهرت شخصية أخرى مع تلحينه لوديع الصافي (على الله تعود)، حيث صرّح فريد الأطرش أنه لحنها طبقًا لخصائص صوت وديع الصافي ومستغلاً قدرات هذا الصوت الرخيم العريض الذي يتمتع بتعبيرية فائقة. وظهرت شخصية ثالثة عندما لحن لصباح (يا دلع دلع، أكلك منين يا بطة) ولفايزة أحمد (يا حلاوتك يا جمالك)، إذ قدّم ألحانًا خفيفة مصرية رغم اختلاف جنسية مغنيها، أو طرب مصري المقامات والنقلات الموسيقية والتوزيع.  وفي المحطة التالية بدأ في تلحين ثنائيات (دويتوهات) جمعته مع شادية وصباح ونور الهدى.

ما يجمع بين كل هذه المراحل هو أن المستمع لا يزال قادرًا على تمييز أن هذا اللحن لفريد الأطرش، ويكاد يسمعه مغنيًا إياه.

لم تكتف موسيقى فريد الأطرش بالمحلية العربية، بل انطلقت عبر الأقطار ليقتبس منها أو يغنيها فنانون عالميون مثل إنريكو ماسياس، ومايا كازابيانكا الجزائرية/الفرنسية، وفرانك بورسيل الذي اتفق معه على إعادة توزيع أعماله بشكل أوركسترالي لتقديمها إلى الجمهور الأوروبي، في تأكيد لوصول فريد الأطرش إلى رسالته بحفظ الموسيقى العربية وتحديثها في آن.

المصدر: موقع حبر الألكتروني