الموسيقى الرقمية تحديات ورهانات

. مقالات

عبد القهار الحجاري (باحث في علم الموسيقى – المغرب)

تتبوأ الموسيقى مكانة هامة ضمن فنون التعبير الرقمي بمختلف الوسائط الحديثة، وبشبكة الويب خاصة. وتجد مختلف الفعاليات والمهن الموسيقية ضالتها في الإمكانات الهائلة التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية، في مختلف المراحل والعمليات التي يمر منها العمل الموسيقي، بدءا من الفكرة، وصولا إلى النشر والإشهار والتسويق.  ولم تعد الطرائق التقليدية مجدية للاشتغال في هذا المجال الآن، كما في باقي مجالات الإبداع الأخرى.وأصبحت التحولات الرقمية تَطْرَحُ أمام العاملين في النغم الحاجة إلى تأهيل الحقل الموسيقي برمته من أجل مواكبتها.

تبرز المعرفة المعلوماتية في صدارة هذه الحاجة.ويتطلب نجاح العمل الموسيقي الحرص على الابتكار والتجديد، في إطار من التواصل والتفاعل مع دوائر المبدعين الموسيقيين، في العالمين الواقعي والافتراضي.وقد اتخذ الاتجاه نحو العالمية منحى يرمي إلى إبراز الخصوصية النغمية والإيقاعية، في ظل المثاقفة الموسيقية باعتبارها تبادلا متفاعلا للتأثير، أو تحت رحمة التثاقف الموسيقي، عندما يتعلق الأمر بممارسة التأثير الكاسح لثقافة موسيقية على أخرى. يدعونا هذا إلى الحديث عن تطوير كفايات الاختيار لدى ناشئتنا لتمتين مناعتهم الثقافية الكفيلة بالحفاظ على هويتنا الموسيقية. لكن أخطر تحد غدا يواجه المبدعين الموسيقيين آفة القرصنة في غمرة الثورة الرقمية. وهو ما أفرز الحاجة إلى العمل التشاركي في هذا المجال، وتنسيق مختلف الجهود لمحاربة هذه الظاهرة الخطيرة.

1.    المعرفة المعلوماتية:

لا يمكن للموسيقي أن يكون مسايرا لروح العصر، ما لم يكن قريبا من صورة التحولات الرقمية الجارية في عالم اليوم.وهذا راجع إلى ارتباط الموسيقى، تصورا وإبداعا وإنتاجا وتلقيا بوسائط رقمية غاية في التعقيد والدقة والفعالية، خاصة ما يتعلق منها بالحواسيب وشبكة الويب.ولذلك لا يمكن تصور أبسط مواكبة لهذا الواقع الجديد من دون مواكبة معرفية تنهض على امتلاك حد أدنى من المعرفة المعلوماتية.

يحتاج التأليف الموسيقي إلى كفايات عالية للتوسل بالوسائط الرقمية وبرمجياتها الفعالة والمتطورة باستمرار.وقد أصبح بإمكان كل موسيقي محترف أو هاو اليوم أن ينشئ استديوها مصغرا في مكتبه، بفضل توافر الحواسيب ومختلف الأجهزة الصوتية والمرئية... من شأنه أن ييسر له عمليات التأليف والتوزيع والتسجيل والمعالجة الرقمية، فضلا عن إمكانيات هائلة لتوظيف المؤثرات.ويستفيد الموسيقي من كل هذا بفضل العديد من البرمجيات لكتابة الألحان وتأليف الانسجامات وقراءة النوتة وترجمة الجمل الموسيقية الواردة إلى الحاسوب من آلة موسيقية رقمية، كالبيان الرقمي الذي يعرف أجيالا جديدة، من بينها تلك التي تدعم السيكاه والإيقاعات الشرقية... علاوة على ما تتيحه شبكة الويب من مساحات غير محدودة لتقاسم الملفات وتنسيق العمل بين الموسيقيين عن بعد، والقيام بالدعاية والإعلان للمنتوج الموسيقي وتسويقه.

 

2.    الابتكار والتجديد

تغير إيقاع الحياة في العصر الرقمي، ولم يعد أمام الموسيقي الطموح خيار غير العزف على وتيرة هذا الإيقاع.فقد اشتدت هيمنة الوسائط الرقمية على الحياة اليومية، وازدادت انتشارا، وتزايدت الحاجة إلى المعلومة والمادة الفنية. تتنامى هذه الحاجة كي تستجيب للطلبات المتجددة للجماهير المتلقية المتفاعلة والعريضة عبر العالم.وتتسع في غمرة المنافسة الشرسة بين الفضائيات وبين المواقع الإلكترونية التي لا حصر لها والمتكاثرة بكثافة وسرعة.وتهدف هذه المنافسة إلى تقديم كم هائل من الأعمال الموسيقية الجديدة في أزمنة قياسية، لإحراز أحسن وصول إلى أوسع جمهور، ومن ثم تحقيق أكبر انتشار من خلال أعلى نسب للمشاهدة في القنوات، وبلوغ ذروة الأرقام في عدادات مواقع الويب والوصول –بالتالي – إلى أعلى مستويات للربح المادي. ويفرض هذا الواقع على المبدعين الموسيقيين.كما على غيرهم من المبدعين أيضاً.  السعي الدؤوب إلى خلق الجديد على المستويين الكمي والنوعي، كما يضعهم أمام تحد صعب، يتمثل في تحقيق التميز عن الآخرين كشرط للاستمرار. ويبرز هذا التحدي أمام الموسيقي ليخلق لديه الحاجة إلى مقاومة عوامل النسيان والأفول التي تفرضها قوانين التطور الرقمي السريع. من بينها التقليد والتكرار والاجترار والتشابه مع الآخرين... وتزدحم الفضائيات العربية بالفرق الموسيقية والأصوات الجديدة المتشابهة، لكن القليل منها هو الذي يبقى.ويكمن سر الاستمرار في فرادة موسيقية يتمتع بها العمل الموسيقي وأداء الموسيقي العازف والمغني، علاوة على تضافر عوامل النجاح المستمر الأخرى المرتبطة بالإنتاج والتسويق والدعاية وإدارة الأعمال الفنية...

 

3.    التواصل والتفاعل والتشارك

يتسم العصر الرقمي بأنه عصر تواصل وتفاعل وتشارك بامتياز، وذلك لتقلص المسافة بين البشر بفضل تطور علوم الاتصال والثورة الرقمية. ولذلك أصبح لزاما على الموسيقي أن ينخرط ضمن شبكة للعلاقات الاجتماعية والفنية المتاحة بفضل الويب.إن هذا الانخراط نفسه ليس كافيا، بل لابد للمشتغل في مجال الموسيقى من البحث المستمر في تطوير شبكته العلائقية ولعب دور الريادة والتأثير، بهدف الوصول إلى تحويل مشروعه إلى قطب اشعاع واجتذاب لأوسع جمهور، وهو ما يمكنه من نسج علاقات نوعية وفاعلة تسمح له بالانتشار وتفتح له آفاقا ممتدة للنجاح، وتوفر خدمات النطاقات في الويب والمنتديات ومواقع التواصل الاجتماعي والمدونات المجانية والأسواق الافتراضية المفتوحة ... العديد من الإمكانيات للموسيقيين للتعريف بأنفسهم وبمشاريعهم والترويج لمنتجاتهم الفنية والاستفادة من الإشهار والتسويق.

 

4.    الخصوصية سبيل العالمية

يخطئ كثيرون عندما يعتقدون أن الوصول إلى العالمية يمر عبر القطع مع الموسيقى المحلية، واعتناق الموجات القادمة من الثقافات الأخرى، أو تقليد النماذج الموسيقية الناجحة عالميا. وهم لا يدركون أن الخصوصية الموسيقية هي سبيل العالمية الحقة والراسخة. ذلك أن اكتساب الإنتاج الموسيقي لجماهير من مختلف البيئات والثقافات الموسيقية يرجع – من بين أهم ما يرجع إليه – إلى تمتعه بفرادة إبداعية باهرة، لا تتأتى من خارج أصالته وارتباطه بالخصوصية النغمية والإيقاعية المحلية. فقد انطلقت الأعمال الموسيقية الخالدة بأوروبا وأمريكا والعالم العربي من الموروث الزاخر ووظفته بطريقة خلاقة.فتألقت السمفونيات والأعمال الغنائية الضخمة ومنها أعمال عمالقة الموسيقى العربية، مثلما تألق الراي والفلامينكو من جهة وسطع الجاز والبلوز والموسيقى الكناوية ذات الأصل الإفريقي...

 

5.    تطوير كفاية الاختيار

الموسيقى هي الفن الوحيد الذي لا نذهب إليه، بل هو الذي يغزونا رغما عن إرادتنا واختياراتنا.فهي لا تستشيرنا،ولا تنتظر قرارنا بالإقبال عليها أو الإحجام عنها.ولكنها تبادر إلى غزو أسماعنا.تكتسحنا ونحن نمر في الأسواق الحضرية أو القروية.تدخل عقر دارنا من خلال مئات الفضائيات، وكل منها يرسل مئات الملفات الموسيقية كل يوم. صحيح أنه يمكننا في أي وقت أن نغير القنوات والمحطات الإذاعية والمواقع الإلكترونية، لكن أمر الاختيار نفسه ليس بهذه البساطة، لسببين على الأقل: الأول يكمن في سلطة المعلومة التي تتمتع بالكثير من السحر والغواية، وتطبع هذا الكم الهائل المتدفق من المنتجات الموسيقية من مختلف القوالب والأنواع والأعراق. والثاني يكمن في أن الاختيار نفسه كفاية غير متأتية لكل الناس، لأنه مشروط بتطويرها منذ الطفولة، من خلال صيرورة التربية الموسيقية. وهي ضعيفة في مجتمعاتنا العربية ومؤسساتنا التعليمية وإعلامنا الرسمي.ونفسر ضعفها بكون الموسيقى كفن تعبيري لم يتجذر بعد في وعينا وثقافتنا، وهو بعيد عن تبوأ مكانته التي يستحقها.ومن ثم فإن تطوير كفاية الاختيار، أي قدرات تذوق العمل الموسيقي وتحليله ونقد وتقييم جماله وتحديد قيمه، لا تكون إمكاناتها متوافرة لدى نشئنا في الغالب الأعم.وينتج عن ذلك عدم قدرة الشباب على الاختيار الصائب لكل ما يسمعونه ويستهلكونه من موسيقى متدفقة بغزارة في الإنترنيت وعبر الوسائط الرقمية الأخرى.يدعونا هذا الأمر إلى استشعار خطورة الاستهلاك "الأبله" للموسيقى.ويكمن الخطر في تشرب الاستيلاب باعتباره انقيادا أعمى مع ثقافة الآخر بكل حمولاتها المغايرة سواء كانت إيجابية أو سلبية.وهو ما يمكن أن يؤدي إلى طمس هوية الفرد الثقافية، ويضعف شخصيته التي تميل إلى التماهي مع مختلف الاختيارات الموسيقية المتعارضة والمتناقضة.

 

6.    آفة القرصنة

انتشرت آفة قرصنة المصنف الموسيقي مع انتشار التكنولوجيا الحديثة، خاصة مع الفيديو والأقراص المرنة. وبقدر ما أتاحت الإنترنيت للموسيقيين التواصل والتقاسم والترويج لأعمالهم، سهلت تفشي هذه الظاهرة الخطيرة، مما يعرض حقوقهم للضياع. وتمثل ظاهرة القرصنة الرقمية تحديا خطيرا يهدد المبدعين وقطاع الإنتاج الموسيقي برمته. فقد أصبح من السهل نشر كل ما يقدم على الخشبة بصفحات الويب وبسرعة مذهلة بالصور المتحركة الحية، نظرا للانتشار الواسع لأجهزة التصوير والتسجيل الرقمية الذكية من هواتف محمولة متطورة وكاميرات صغيرة الحجم وفائقة الدقة، وبرامج مذهلة لمعالجة تحسين الجودة، فضلا عن انتشار الحاسبات اللوحية والمحمولة المتعددة الوظائف.كما توفر التكنولوجيا الرقمية إمكانات لنسخ الأعمال مقابل أثمان بخسة.

ستستمر التحولات الرقمية في فرض رهانات جديدة على الموسيقيين في عالم اليوم، نظرا للسرعة المذهلة في تقدم الثورة العلمية في مجالات المعلوماتية. وستواكب دائما هذه الرهانات تحديات لا تقل خطورة عن آفة القرصنة.إن التحدي الأكبر للموسيقى الرقمية يكمن في تحقيق الجودة الموسيقية.وسيبقى سؤال الجودة هذا مطروحا ليضع في الميزان كل الكم الهائل من المنتوجات الموسيقية المتشابهة والمكررة والسطحية التي تستجيب للحاجات المستعجلة والملحاحة للفضائيات والمواقع الرقمية... فالكثير من الأعمال تنتج يوميا والكثير منها أيضا يأفل نجمه في كل لحظة. ولا يصمد في وجه زوابع هذه التحولات إلا الأعمال القوية والعميقة.

 

المصدر : جريدة الفنون