المقام العراقي

. مقالات

اشتهر العراق بأغانيه ومن يسبر غور كتب التاريخيتحقق لديه ان الغناء في عهد الدولة العباسيةارتقى حتى بلغ اوجه فلا ترى في دار السلام (بغداد) انسانا موسراَ اذ ذاك وليس فيبيته قينة تطربه برخيم صوتها ونغمات عودها. وليس بعجيب اذا ما سمي العراق مهبطوحي الموسيقى العربية، فلقد انجب فحول المغنيين، غير ان إرادة الله شاءت وقضت ان لايبقى العراق ممتعاً بتلك المنحة الجميلة، بل كان نصيبه كنصيب الدولة العباسية منالضعف والتدهور،واخذت شمسه المشرقة تدنو الى الأفول فتلقته الأمم على اختلافنزعاتها، و كل أمه تصرفت فيه ومزجته بلسانها (العامي) اي اللغة الدارجةعندها.

أماوفي ربوع العراق وبالأخص في بغداد فقدبقي الوضع على حالته حتى أيام التتر، ثم ارتبك نظامه لأنه دخل عليه كثيرمن الألحانالفارسية والتركية وهي التي يغني بها المغني الآن. وقد تسمع المغني العراقيوهو يغني بلفظة (يادوست) بمعنى يا صديق، و كلمات أخرى مثل (فرياد من) بمعنىالنجدة، و(دلياندم) بمعنى قلبي اشتعل، و(ايكي گوزم) بمعنى عيناي الاثنتان، و(دل من) بمعنى قلبي، و(جان من) بمعنى روحي، و(أفندم) بمعنى سيدي. أما سبب استعمال هذهالكلمات الأجنبية ووضعها في المقامات العراقية فهو أن العناصر الفارسية والتركية لما دخلت بغداد واستوطنتها كانت الموسيقى العراقية رغما عما حصل بها من الفتوروالانحطاط في طليعة الفنون الجميلة عندها، وكان المغني العراقي يومذاك شديد الرغبة في ارضاء مواطنيه ومجاراتهم فأخذ يستعمل مثل هذه الكلمات في سياق غنائه حينما يرى الفارسي والتركي من بعض مجالسيه.

و قد كان الغناء يسمى (مقامات) جمع مقام. والمقام على ما ذكره محمد ابن عبد الحميد اللاذقي في رسالته "الفتحية" هو الدور، وقال: كان القدماء يسمون الأدوار المشهورة بمقام وبرده وشد.أما المتأخرون فيسمون تلكالألحان بمقام فقط ويغنى على النوبة في العراق. والنوبة هي الچالغي بالجيم الفارسية المثلثة، و كلمة چالغي تركية و أصل التركيب (چالغي طاقمسي) اي جماعه الملاهي. ويتألف الچالغي في بغداد من قارئ أي أستاذ في الغناء وآلةموسيقية قديمة تسمى (سنطور) وآلة أخرى تسمى (كمانه) و(دف) ودربكة أي(دنبك). ويبتدئ الچالغي أولا بلحن يسمونه (بشرو) أو بشرف والأول اسم فارسي مركب من كلمتين إحداهما كلمة (بش) و معناها أمام والأخرى (رو) ومعناها ذهاب فباجتماعهمايصير معناهما الذهاب إلى الأمام.وفي اصطلاح الموسيقى يطلق هذا الاسم على الهواءالابتدائي الذي يصدر به أول فصل و معناه المقدم أو الفاتحة، كما يقال نظير ذلك عندالعرب (بشرف) وهي تحريف كلمة (بشرو) المذكورة، وبعدذلك يبتدئ المغني بالغناء، والبدء يقال له باصطلاحهم (تحرير) والختام (تسليم). وفي ختام كل مقام ينشد المغنون وهم الذين يعزفون بالآلات الموسيقية (بستة) أي أغنية تكونموافقة للمقام الذي يغنيه المغني، والمغني يطلق عليه قارئ، والبستة كلمه فارسيةمعناها (رابط) ومصطلح عليها في الموسيقى التركية بمعنى (موشح).

أما المقامات المعمول بها اليوم والتي يغنىبها على (الچالغي) فهي:

-       بيات، والترك يسمونه بياتي.  والأرجح أن الكلمة مأخوذة من العشيرة المسماة بهذا الاسم وهم عرب يتكلمون اللغه العربية والتركية أو من الأرض التي يسكنونها وهي واقعة في أنحاء جبل حمرين، وقد اشتهر هؤلاء الناس بصوتهم الرخيم وكان منهم في العهد الأخيرشلتاغ وأحمد زيدان.

-       نارياي المحرق، وهذا المقام مستعمل في الموصل وإن البغداديين أخذوه عن الموصليين وإنهم سبقوا البغادده في استعماله.

-       محمودي وهومسمى باسم واضعه وانه مستعمل في العراق وقيل في ديار الشام.

-       طاهر أوزنگه والزنگه عشيرة معلومة من العشائرالكردية العراقية تقطن بقضاء كفري التابعللواء كركوك ولعل الزنگه تصحيف زرگولاه أو زنگلاه الذي تسميه العرب بصفتهم الفنية زرگولاه والعرب المولدون زنگوله وهو أحد المقامات المعروفة الواقع بين مقام الراست و الدوگاه

-       سيگاه وهو المقام الثالث

-       حليلاوي بالتصغير، والنسبة على طريقه العامة العراقية إذ يقولون حلاوي وبصراوي ومكاويبالنسبةإلى الحلة والبصرة ومكة.

-       حجاز ديوان، والديوان كلمة تركية وعربية تطلق على ثمانيدرجات أصواتمتتابعة بالتدريج، ومن أنواع هذا المقام نوع يقال له حجاز شيطاني.

-       قوريات، وهو مستعمل في كركوك ولعله منسوب إلى جانب من جوانبها وهو الجانب الغربي ويسمىقورية.

-       عريبون عجم بفتح العين و الراء وسكون الياء و يليها باء مضمومة فواوساكنة فنون. و الترك يسمونه أعريبون بزياده الألف الأولى، و هو من وضعالفرس.

-       عريبون عرب، ويسمى عند الترك كالأول وقد وضعه العرب تجاه "العريبون عجم" الذي وضعه الفرس.

-       جبوري منسوب إلى عشيرة الجبور الساكنة في أنحاء العراق وهؤلاء مشهورون بغناءالعتابة.

-       مخالف. قال صاحب كتاب (تعليم الموسيقى):إن هذا المقام مهجور مع أنه اليوم مستعمل في العراقوبالأخص في بغداد.

-       راشدي، لعل اللفظة تصحيف كلمه رشتي مدينة من مدن إيران أو مسمى باسم واضعه.

-       راست، والكلمة فارسية أي المستقيم وكان الفرس يبتدئون ديوانهم براست، والعراقيون يلفظون الراست بلا ألف أي رست.

-       منصوري، وهو منسوب إلى (منصور زلزل) المغني المشهور في عهد العباسيين، والترك يسمونه منصوربحذف ياء النسبة، وزلزل هذا من سواد أهل الكوفة وكان أضرب معاصريه في العود وهوأول من أحدث العيدان الشبابيط وكانت قديما على عمل عيدان الفرس.

-       حجاز آجغ،  والكلمة الأخيرة تركية محرفة والصحيح هي آجق أي صريح، وهذا المقام مشتق من الحجاز ديوان.

-       عمر گلى، وگلى بالگاف الفارسية وألف مقصورة وهو منسوب إلى واضعه.ويستعمل في كركوك وهو مشهور هناك.

-       إبراهيمي، منسوب إلى (إبراهيم الموصلي) المغني في العهد العباسي. وسبب تسميته بالموصلي أنهلما نشأ اشتهى الغناء فطلبه فاشتد أخواله عليه ووصلوا إليه فهرب إلى الموصل ولمارجع قالله أصحابه مرحبا بالفتى الموصلي فلقب به.

-       باجلان، ولعله منسوب إلى برجلان قرية من قرى مدينة واسط المندرسة أو إلى عشيرة باجلان الكردية وهي تسكن العراق قريبا من بلده خانقين.

-       نوى، وهواسم معرب ذكرته كتب الموسيقى وفي اللغة النوى هو الفراق.

-       مسكين، وفي العراق يسمى مسچين بالجيم الفارسية المثلثة وهو من وضع العراقيين ومسمى باسم واضعه.

-       خناباتا وخرباتو عبارة هذا الاسم فارسية ولعله منسوب الى الفرس.

-       حسيني،بالتصغير والنسبة ولعله منسوب إلى السادة الحسينية أو إلى أحد الاشخاص المسمىبهذا الاسم.

-       دشت، بفتحالدال وسكون الشين المعجمة والتاء الساكنة.والعراقيون يلفظون هذه الكلمة دشتي بزياده ياء النسبة، وأصل هذا المقام فارسي.

-       عجم،أوعجم عشيرانبالتصغير، وهو منسوب إلى الفرس أيضا.

-       گلگلي. بكافين فارسيتين واللام الأولى ساكنة و الثانية مكسورة والكلمة تركية معناهاوردي.

-       أرواح، ولعل هذا المقام هو المشهور (براحة الارواح) ومعناه استراحة الروح وهو مشهور عندالأتراك.

-       صبا، وهوأشهر من أن يذكر وقد قيل عنه أقدم المقامات وفي اللغه الصبا هي الريح وتأتي منمطلع الشمس.

-       پنجكاه، كلمة فارسية ظاهرة المعنى أي المقام الخامس.

-       شرقي، أوشرقي اصفهانومنهشرقي دوگاه، وكلمة شرقي تركية تطلق علىكل نغم من الأنغام كما يقال نظير ذلك عند العرب (موشح أو دور) وأصفهان إحدى مدن إيران وهي وطن أبي فرج الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني ولعل هذا المقام منسوب إليها.

-       أوج،  والأتراك يسمون (أويج) وهذا المقام هو أعلى المقامات.

-       مثنوي، لعله منسوب إلى الوتر الثاني من أوتار العود.

-       ماهوري، وهو اسم فارسي ومعناه الهلال وقد قيل إنه خطأ وإنما هو ياهو، ويستعمل في العراق

-       و الشام، والعراقيون يسمونه ماهوري بزيادة ياء النسبة.

-       بهرزاوي، وهو منسوب نسبة عامية إلى قرية من قرى بعقوبه يقال لها بهرز، والعراقيون كثيرا مايطربون لهذا المقام.

-       حديدي، وهو منسوب إلى بيت الحديدي في بغداد أو إلى عشيرة الحديديين التي تسكن جوار مدينةالموصل.

-       حكيمي، وضعه أحد أفراد بيت السيد عبد الباقي الحكيم البغدادي، وكان أهل هذا البيت يزاولون الطبابة والموسيقى في العراق في القرن الماضي ويصفون الطرب واللهو لمداواة عدة أمراض فتبرأ.

-       مدمي، وهذا المقام أيضا من وضع بيت الحكيم البغدادي وضع للمرضى لأنه يحرك الدم.

-       خلوتي، وهذا المقام صوفي منسوب إلى أهل الطريقة الخلوتية وهم قسم من السادةالصوفية.

-       أوشار، والهمزة مضمومة ضما مفخما مبهما والكلمة فارسية تدل على نسبه هذا المقام الىالفرس.

-       سعيدي، وهو منسوب إلى رجل معروف بحسن غنائه في بغداد.

-       بختيارمقام، يستعمل في كردستان والموصل وبغداد وأصله فارسي ومنسوب الى عشيرةالبختياريين في إيران.

-       مقابل، والباء مفتوحة وأكثر استعماله في الموصل، والموصليون يطربون لسماعه ويسمونه (مگابل) بالگاف الفارسية.

-       بشيري، منسوب إلى واضعه أو إلى قرية البشيري من قرى كركوك.

-       أورفا، وهو منسوب إلى المدينة المشهورة سابقا بالرها وهي مدينة بالجزيرة بين الموصل والشام ومن المدن التركية اليوم.

-       آيدينوهو، منسوب إلى مدينة عرفت بهذا الاسم في الأناضول التركي.

-       قطرو، هو مقامكردي مستعمل في كركوك وأنحائها.

-       چارگاه، بالجيم الفارسية المثلثة والكاف الفارسية وهو تصحيف أو تخفيف جهارگاه وتعنيالمقام الرابع.

-       وبين هذه المقامات ما هي أصلية تسمع في بلدانمن البلاد الشرقية أي ديار العرب والفرس والترك وهي (الرست والصبا والأوج والعجم والنوى والحسيني والحجاز) أما الباقية فهي من وضع العراقيين والأقوامالمجاورة لهم. ولهذه المقامات (شعب وپردات وميانات) وضعها العراقيون أنفسهمفسموها بأسماء مختلفة منها المنسوبةإلى أصحابها وواضعيها، ومنها التي سميت بالمكان الذيوضعت فيه، وهي جميعا تستعمل في غناء هذه المقامات، والمغني الحاذق عند التغني بها لايجوز له التخلي والشذوذ عن أوضاع تلك الشعب والپردات والميانات وعليه أن يأتي بكلواحدة منها ويضعها في مكانها المطلوب. وأسماؤها:

سفيان نغمه سيگاه، وخليلي نغمه رست، وعبوش نغمه بيات، وبلبان نغمه سيگاه، وقريه باش نغمه بيات، وسي رنك نغمه سيگاه، ومخالف كركوك نغمه سيگاه، وقزازنغمه بيات، وناهفت نغمه چارگاه، وبوسليك نغمه بيات، وبيات عجم نغمه حجاز، وقاتولي نغمه سيگاه، واذربيجان نغمه سيگاه،وجصاص نغمه سيگاه، وسيساني نغمه رست، وآيدين نغمه چارگاه، ونوروز عجم نغمه بيات، وبشيري نغمه چارگاه، ودشتي نغمه حسيني، وهمايون نغمه حجاز، وزنبوري نغمه بيات، وسيگاه حلب نغمه سيگاه،وسيگاه عجم نغمه سيگاه، وماهوري نغمه چارگاه، وعشيشي نغمه حجاز،وعمر گلى نغمه بيات، ولاووك نغمه چارگاه.وهذه الشعب والبردات والميانات لا يعرفها إلا أساتذة المقام العراقي.

أما عن كيفية الغناء بالمقام العراقي فإنه ينقسم إلى خمسة فصول: الأول يقال له (فصل البيات)، والثاني (فصل الحجاز)،والثالث (فصل الرست)،  والرابع (فصلالنوى)،  والخامس (فصل الحسيني). ولكل فصل من هذه الفصولمقامات خاصة.وتوجد مقامات لم تدخل ضمن هذه الفصول وتغنى منفردة، ويجوز للمغني أن يدخلها ضمن هذه الفصول إذا شاء.وغير مستحسن أن تغنى المقامات العراقية على غيرآلتي (الكمانه والسنطور) يضاف إليهما الدف و الدنبك أي (چالغي بغداد). وبعد أن يجلس المغني مع العازفين يبدأ أولا في الفصل الأول، وهو فصل البيات، ثم الفصل الثاني، والثالث،إلى آخر الفصول.

المصدر: كتاب الطرب عند العرب